امرأتان وكولونيل… ووهم النفوذ !
في بلدٍ لا يحدث فيه شيءٌ غريب، لأن الغرابة فيه هي القاعدة، تُروى حكايةٌ عن مقاطعةٍ تُدعى “فلسوفيا” في دولةٍ بعيدة اسمها “سفاسينا”. هناك، كانت تتربع على رأس الإدارة العامة للمعرفة امرأة تُدعى مونا منفعة.
كانت مونا تُعلن، في كل مناسبة، إيمانها العميق بالمعرفة، حتى بدا الأمر أقرب إلى شعارٍ رسميٍّ منه إلى قناعة. فمنذ أن تولّت منصبها، لم تفتح كتابًا واحدًا، ربما حفاظًا على ما كانت تسميه “هيبة المنصب”.
امتلكت طموحًا واسعًا، لكنه ظلّ طموحًا معلّقًا في الهواء؛ بلا أدوات، ولا خبرات، ولا مهارات تسنده.
كانت مولعةً بالظهور؛ ترى في الكاميرا مرآةً للإنجاز، وفي الصورة دليلًا كافيًا على العمل. يكفي—في نظرها—أن تُلتقط لها صورة في فعالية ما، حتى تُضاف إلى سجل إنجازاتها، وكأن الوجود في المشهد يغني عن الفعل فيه.
في أحد الأيام، رنّ هاتفها.
رفعت السماعة بنبرةٍ رسمية:
— ألو، معك مونا منفعة.
جاءها صوتٌ مهيب:
— أنا كولونيل من جهازٍ حساس.
تبدّل إيقاع أنفاسها، وانتصب طموحها فجأة:
— تفضل يا فندم.
قال الصوت دون مقدمات:
— أريدكِ أن تعيّني زوجتي، ليلى واصلة، مديرةً لمركز “نيو فناسيكا” المعرفي.
ترددت مونا للحظة، في ومضةٍ نادرة من الوعي:
— لكنها غير مؤهلة… وهناك مرشح أكفأ.
ساد صمتٌ قصير، ثم جاءها الرد كصيغةٍ محفوظة:
— اجعليها مكلّفةً بتسيير الأعمال مؤقتًا… وإن سُئلتِ، فقولي إنه إجراءٌ لحين استكمال الإجراءات.
ثم أضاف بنبرةٍ خفيفة، مشبعة بالإغراء:
— بالمناسبة… أراكِ قريبًا في منصبٍ أعلى… ربما وكيلة وزارة… أو ما هو أكبر.
عند تلك اللحظة، لم تعد مونا تُصغي.
كانت قد غادرت الواقع، وجلست—في خيالها—على كرسيٍ دوّار، يدور بها نحو ترقيةٍ وشيكة.
أنهت المكالمة، ووقّعت القرار فورًا، بسرعةٍ سبقت اللوائح وتجاوزت المنطق.
مرّت الأيام، ومونا تنتظر الاتصال.
تنام والهاتف ملتصقٌ بكفّها، وتستيقظ على قلقٍ مباغتٍ لتتفقده بلهفة. تشعل سيجارةً بيدٍ مرتجفة، تحدّق في شاشته، تطفئها قبل أن تكتمل، ثم تعود لتتفقده من جديد… مرةً بعد أخرى، حتى بدأ الصمت يثقل الغرفة، وخُيّل إليها أن الهاتف يتعمّد تجاهلها.
حاولت الاتصال بالرقم… فلم يجب أحد.
لا رد، ولا إشارة، ولا أثر.
في الأثناء، كانت ليلى واصلة تُدير المركز.
كانت تحرص على أن تبدو واثقةً ومتماسكة، حتى بدا ذلك أحيانًا قناعًا يخفي ارتباكًا داخليًا. لم تكن سيئة النية بقدر ما كانت خائفةً من أن تنكشف؛ تبالغ في الثقة كلما ازداد ارتباكها، وتتشبث بالمنصب كأنه فرصتها الأخيرة لإثبات شيءٍ لنفسها قبل الآخرين.
وقد أثبتت—بكفاءةٍ لافتة—أنها غير مؤهلة.
انحدر المركز من منارةٍ للمعرفة إلى ساحةٍ للفوضى؛ تتعاقب فيها القرارات المرتجلة، وتتكرر الأخطاء، وتتراكم الشكاوى بلا انقطاع.
وكلما اشتدّت الشكاوى، انشغلت بهاتفها، تتفقده بإلحاح، كأنها تنتظر نجدةً خفية، ثم ترفع رأسها أخيرًا وتقول بثقةٍ باردة:
— زوجي يعرف أشخاصًا مهمين.
تراكمت الشكاوى، حتى وصلت إلى الجهات المختصة، التي لم تقنعها هذه العبارة.
فُتح التحقيق مع مونا:
— على أي أساسٍ تم تعيينها؟
تلعثمت.
كان هناك “أساس”… لكنها أدركت متأخرةً أنه كان واهيًا، لا يصمد أمام السؤال.
لم يطل الأمر حتى انكشف كل شيء:
لا كولونيل.
لا نفوذ.
لا وعود.
فقط مكالمة عابرة، بُني عليها قرارٌ مصيري.
أُقيلت مونا من منصبها.
لم تغادر إلى ترقيةٍ كانت تنتظرها، بل إلى فراغٍ لم تتوقعه.
خسرت ما كانت تملكه، ولم تنل ما كانت تطمح إليه.
أما “الكولونيل”، فقد اختفى، كما يفعل دائمًا، في اللحظة التي تنكشف فيها الحقيقة.
وربما، في مكانٍ آخر، كان يُجري مكالمةً جديدة… مع ضحيةٍ جديدة.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
بطلة مصر فى skating تحتفل بعيد ميلادها 15
ترقيات بالأحوال المدنية بالإسكندرية.. وإشادة بقيادات السجل المدني
ألف مبروك.. ”ولاء جبر” سفيرة الوعي التكنولوجي
إسلام الضائع يعود لعائلته بعد 43 عاما من الضياع ويكتشف أن له...