قانون الأحوال الشخصية: صراع الهوية بين المرجعية الوطنية والاتفاقيات الدولية
عبدالعزيز محسن
هناك لحظة فارقة في أي عملية تشريع، لا تُقاس بحدة النصوص ولا بعدد المواد، بل تُقاس بالسؤال الأخطر:
هل ما يُكتب يعكس المجتمع… أم يعيد تشكيله من الخارج؟
في مشروع قانون الأحوال الشخصية، يبدو النقاش ظاهريًا قانونيًا، لكنه في عمقه سياسي–فلسفي–دولي، لأن كثيرًا من مفاهيمه لا يمكن فصلها عن المنظومة الأممية التي تشكلت عبر عقود، وعلى رأسها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW)، وما ارتبط بها من تفسيرات لاحقة داخل منظومة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة.
المسألة هنا ليست في مبدأ العدالة بين الرجل والمرأة، فهذا أصل لا خلاف عليه، لكن الإشكال يكمن في التحول من “مبدأ العدالة” إلى “فلسفة إعادة هندسة الأدوار الاجتماعية”، حيث تُعاد صياغة الأسرة من كونها وحدة تكاملية إلى كونها ساحة توازنات حقوقية مجردة، بلا اعتبار كافٍ للخصوصية الثقافية والدينية للمجتمع.
اقرأ أيضاً
علي عزب مساعدًا لوزير الاستثمار للشئون التشريعية والقانونية
من حماية الأسرة إلى تفكيكها: ماذا يحدث في مشروع«قانون الأحوال الشخصية»؟
جريمة تهز مصر.. ومشروع الأحوال الشخصية في قفص الاتهام
مشروع قانون الاحوال الشخصية: حين يغيب الأب عن النص والحياة
القومي لحقوق الإنسان: قانون الأسرة الجديد قضية أمن قومي ويحتاج لمشرط جراح
رئيسا لجنتي الصحافة والتواصل المجتمعي بحزب الوعي يشاركان في جلسة المجلس القومي لحقوق الإنسان حول الأحوال الشخصية
حزب الوعي يناقش “استحقاق الإدارة المحلية في مصر” ويطرح توصيات لتطوير قانون المحليات
حزب الغد يطلق “ملتقى الفكر القانوني” لمناقشة الأثر التشريعي لقوانين الأسرة والإجراءات الجنائية والإيجارات.. السبت
قانون الأحوال الشخصية الجديد بين طموح التجديد ومزالق الصياغة
الأب في مشروع الأحوال الشخصية: من مركز الولاية إلى هامش التنظيم
محام: الدولة فطنت لثغرات الأحوال الشخصية.. ومصلحة الطفل فوق كل اعتبار
محام: تعديل قانون الأحوال الشخصية ضرورة لإنقاذ الوجدان الأسري من التفكك
القراءة الدقيقة لبعض الاتجاهات التشريعية تكشف أثرًا واضحًا لمفاهيم روجت لها تقارير وبرامج دولية، خصوصًا عبر صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA)، ومنظمة الصحة العالمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، والتي توسعت في إدخال مفاهيم مثل “الصحة الإنجابية” و”المساواة الجندرية” و”تفكيك الأدوار النمطية”، ليس فقط في المجال الصحي أو التنموي، بل امتدت آثارها إلى التصورات القانونية للأسرة نفسها.
وهنا يبدأ الجدل الحقيقي.
فحين تنتقل هذه المفاهيم من سياقها الدولي العام إلى النصوص التشريعية المحلية، تتحول تدريجيًا من “توصيات مرنة” إلى “مرجعيات حاكمة”، تُستخدم لإعادة تفسير العلاقة بين الزوجين، وإعادة تعريف دور الأب والأم، بل وإعادة صياغة مفهوم الولاية والمسؤولية الأسرية.
أخطر ما في الأمر أن هذا التحول لا يُطرح عادة بصيغة صدام مباشر، بل يُقدَّم في شكل “تحديث قانوني”، بينما هو في جوهره انتقال فلسفي من نموذج الأسرة ككيان مستقر، إلى نموذج الأسرة كوحدة تفاوض مستمر بين حقوق متقابلة.
المادة 16 من اتفاقية اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (CEDAW) تحديدًا، تُعد نقطة محورية في هذا النقاش، لأنها تنص على المساواة الكاملة في جميع مسائل الزواج والعلاقات الأسرية والولاية والحقوق تجاه الأطفال.
ورغم أهمية هذا الهدف من حيث المبدأ، إلا أن الإشكال يظهر في القراءة التطبيقية الموسعة له، حين يُفهم على أنه إلغاء لأي تمايز وظيفي داخل الأسرة، حتى لو كان هذا التمايز مرتبطًا ببنية اجتماعية أو دينية أو تاريخية مستقرة.
في المقابل، تظهر تجارب دول عديدة تبنت هذه الرؤية بشكل واسع، لتكشف لاحقًا عن نتائج اجتماعية معقدة:
ارتفاع معدلات التفكك الأسري، تراجع الاستقرار العائلي، وتغير جذري في مفهوم الأبوة والأمومة، وصولًا إلى إعادة تعريف الزواج نفسه كعلاقة مؤقتة قابلة للإعادة والتفكيك بسهولة.
وهنا تبرز المفارقة التي لا يمكن تجاهلها:
النصوص التي تُطرح باعتبارها أدوات “حماية الحقوق”، قد تتحول مع الوقت إلى أدوات لإعادة تشكيل البنية الاجتماعية ذاتها.
في السياق المصري، لا يمكن فصل أي مشروع قانون للأحوال الشخصية عن الإطار الدستوري الذي ينص على أن الأسرة أساس المجتمع، وأن المرجعية التشريعية لها جذور ثقافية ودينية واضحة.
ومن ثم فإن الإشكال لا يتعلق فقط بمدى “حداثة” النصوص، بل بمدى اتساقها مع هوية المجتمع الذي تُطبق فيه.
المعضلة الحقيقية اليوم ليست بين مؤيد ومعارض، بل بين رؤيتين:
رؤية ترى القانون وسيلة لضبط التوازن داخل الأسرة مع الحفاظ على بنيتها،
ورؤية أخرى ترى القانون أداة لإعادة تعريف الأسرة نفسها وفق منظومة حقوقية دولية تتجاوز الحدود الثقافية.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأكثر حساسية:
القانون ليس مجرد نصوص محايدة، بل هو ترجمة لفلسفة المجتمع عن نفسه.
وعندما تتغير الفلسفة دون حوار مجتمعي عميق، لا يتغير القانون فقط… بل يتغير شكل المجتمع ذاته بهدوء شديد، لكنه عميق الأثر.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائبة إنجي مراد: افتتاح جامعة سنجور يؤكد عمق العلاقات المصرية الفرنسية ويعزز...
الكاتب الصحفي سيد دويدار ورجل الأعمال سامح سعيد ينعَيان الحاج حسني جودة...
البروفيسور فتحي العفيفي وكيلا لكلية الدراسات الآسيوية العليا جامعة الزقازيق
بطلة مصر فى skating تحتفل بعيد ميلادها 15