السبت 7 مارس 2026 05:46 صـ 18 رمضان 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

رئيس التحرير محمد يوسف رئيس مجلس الإدارة خالد فؤاد حبيب

    آراء وكتاب

    الكاتب الصحفي مظهر أبوعايد

    مظهر أبوعايد يكتب: الحرب على العقول قبل الحدود.. كيف تُدار عمليات تفكيك الدول من الداخل

    لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تُخاض بالمدافع والدبابات فقط، بل أصبحت الجبهة الداخلية للدول هدفًا مباشرًا لما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية بحروب التفكيك المجتمعي أو حروب الجيل الرابع والخامس. وفي قلب هذه الحروب يقف عنصر واحد يحدد مصير الدول أكثر من أي سلاح آخر، هو التضامن الشعبي والجماهيري. فالدول التي تمتلك مجتمعًا متماسكًا قادرًا على امتصاص الأزمات، تستطيع النجاة من أقسى التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، بينما تنهار الدول التي تفقد وحدتها الداخلية حتى لو امتلكت جيوشًا قوية واقتصادات ضخمة.
    التاريخ يقدم عشرات الشواهد التي تؤكد أن انهيار الدول يبدأ غالبًا من الداخل قبل أن يأتي الضغط الخارجي. فالإمبراطورية الرومانية، التي سيطرت في ذروتها على نحو خمسة ملايين كيلومتر مربع في القرن الثاني الميلادي، لم تسقط فقط بسبب الغزوات الجرمانية، بل نتيجة صراعات اجتماعية وانقسامات داخلية أضعفت تماسك المجتمع الروماني. وتشير الدراسات التاريخية إلى أن القرن الثالث الميلادي شهد أكثر من 26 إمبراطورًا حكموا روما خلال خمسين عامًا فقط، في مؤشر واضح على التفكك السياسي والاجتماعي الذي مهّد لانهيار الإمبراطورية.
    المنطق نفسه تكرر في العصر الحديث. ففي الحرب العالمية الأولى، لم يكن العامل العسكري وحده سبب سقوط الإمبراطورية الروسية، بل لعبت الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الاجتماعية دورًا حاسمًا في تفكيك الدولة القيصرية عام 1917. وتشير تقديرات المؤرخين إلى أن أكثر من 1.7 مليون جندي روسي قُتلوا في الحرب، بينما تسبب نقص الغذاء والاضطرابات الاقتصادية في اندلاع موجات احتجاج ضخمة في المدن الكبرى مثل بتروغراد وموسكو، الأمر الذي سرّع سقوط النظام السياسي.
    وتظهر الأبحاث الاستراتيجية أن أجهزة الاستخبارات العالمية أدركت منذ وقت مبكر أهمية ضرب الجبهة الداخلية للخصوم. ففي الحرب الباردة، اعتمدت القوى الكبرى على ما عُرف بعمليات الحرب النفسية والدعاية السوداء. وتشير وثائق رفعت عنها السرية في الولايات المتحدة إلى أن وكالة المخابرات المركزية خصصت عشرات الملايين من الدولارات سنويًا خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي لدعم حملات إعلامية وثقافية تستهدف التأثير في المجتمعات المنافسة. كما تشير تقديرات بعض الدراسات إلى أن الاتحاد السوفيتي أنفق ما يعادل 3 مليارات دولار سنويًا في الثمانينيات على ما يُعرف بعمليات “التأثير النشط”، التي هدفت إلى نشر الشائعات وتضخيم التوترات الاجتماعية داخل الدول الغربية.
    الاستراتيجية ذاتها لم تتغير كثيرًا في العصر الرقمي، لكنها أصبحت أكثر تعقيدًا. فوسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة رئيسية لحروب التأثير. وتشير تقارير صادرة عن مراكز أبحاث دولية إلى أن أكثر من 70 دولة حول العالم استخدمت خلال العقد الأخير حملات رقمية منظمة للتأثير في الرأي العام داخل دول أخرى. كما كشفت دراسات تحليل البيانات أن نحو 15 إلى 20 في المئة من الحسابات النشطة في بعض النقاشات السياسية الكبرى على الإنترنت قد تكون حسابات آلية أو مدعومة من جهات منظمة، تستخدم لنشر خطاب الكراهية أو تعميق الانقسام الاجتماعي.
    هذه الاستراتيجيات تعتمد على مبدأ بسيط لكنه شديد الفعالية: ضرب الثقة داخل المجتمع. فكلما تراجعت الثقة بين فئات الشعب، أو بين المواطن ومؤسسات الدولة، تصبح البلاد أكثر هشاشة أمام الضغوط الخارجية. وتشير دراسات في علم الاجتماع السياسي إلى أن الدول التي تتمتع بمستويات مرتفعة من الثقة الاجتماعية تكون أقل عرضة بنسبة تصل إلى 40 في المئة لاندلاع الصراعات الداخلية أو الاضطرابات السياسية.
    في العالم العربي، تظهر تجارب العقدين الأخيرين مدى حساسية هذه القضية. فقد شهدت عدة دول انهيارًا مؤسساتيًا سريعًا بعد أن تحولت الانقسامات الاجتماعية والسياسية إلى صراعات مفتوحة. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن بعض هذه النزاعات تسببت في نزوح أو لجوء أكثر من 12 مليون إنسان، بينما تجاوزت الخسائر الاقتصادية في بعض البلدان مئات المليارات من الدولارات خلال أقل من عشر سنوات.
    لكن الصورة ليست قاتمة بالكامل. فهناك أيضًا نماذج تاريخية تؤكد أن التضامن الشعبي قادر على إنقاذ الدول حتى في أحلك الظروف. ففي الحرب العالمية الثانية، تعرضت بريطانيا لقصف جوي مكثف فيما عُرف بالـBlitz بين عامي 1940 و1941، حيث أسقطت الطائرات الألمانية أكثر من 100 ألف طن من القنابل على المدن البريطانية. ورغم ذلك لم تنهار الجبهة الداخلية، بل أظهرت الدراسات أن نسبة المشاركة في أعمال التطوع المدني ارتفعت إلى أكثر من 10 ملايين مواطن، وهو ما لعب دورًا كبيرًا في الحفاظ على تماسك المجتمع البريطاني خلال الحرب.
    وفي التجربة المصرية تحديدًا، كان التضامن الشعبي أحد العوامل الحاسمة في لحظات تاريخية مفصلية. ففي حرب أكتوبر 1973، تشير تقديرات اقتصادية إلى أن المصريين ساهموا عبر الاكتتابات والتبرعات الشعبية في دعم المجهود الحربي بمبالغ ضخمة قياسًا بالظروف الاقتصادية في ذلك الوقت، كما شهدت البلاد موجة تعبئة اجتماعية واسعة دعمت القوات المسلحة وساهمت في تعزيز الجبهة الداخلية.
    الواقع المعاصر يؤكد أن الدول التي تسعى لإضعاف خصومها لم تعد بحاجة إلى إرسال جيوش أو أساطيل. فبإمكانها الاعتماد على أدوات أقل تكلفة وأكثر تأثيرًا، مثل حملات التضليل الإعلامي، وإثارة النزاعات الطائفية أو العرقية، والتلاعب بالمعلومات الاقتصادية، أو تضخيم الأزمات الاجتماعية. وتشير تقارير دولية إلى أن حجم الإنفاق العالمي على عمليات التأثير الإعلامي والدعاية الرقمية تجاوز 10 مليارات دولار سنويًا خلال السنوات الأخيرة.
    في مواجهة هذه التحديات، يصبح التضامن الشعبي أكثر من مجرد شعار أخلاقي؛ إنه عنصر أساسي من عناصر الأمن القومي. فالمجتمع المتماسك لا يمنع فقط الانقسام الداخلي، بل يجعل أي محاولة خارجية للتأثير أو الاختراق أقل فاعلية بكثير. وتشير دراسات الأمن القومي إلى أن الدول التي تمتلك مؤسسات مجتمع مدني قوية ومستويات مرتفعة من المشاركة الاجتماعية تكون أكثر قدرة على مقاومة حملات التضليل بنسبة تصل إلى 60 في المئة مقارنة بالدول ذات المجتمعات المنقسمة.
    الدرس التاريخي واضح إذن: حماية الأوطان لا تبدأ من الحدود فقط، بل من داخل المجتمع نفسه. فحين تتماسك الجبهة الداخلية، يصبح الوطن أكثر قدرة على مواجهة الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلامية. أما حين تتفكك اللحمة الاجتماعية، فإن أخطر التهديدات لا تأتي من الخارج بقدر ما تنمو في الداخل.
    نقطة بالغة الأهمية في مواجهة المحاولات المعادية لتفكيك المجتمعات وإضعاف الجبهات الداخلية، حيث يبرز الدور الوطني لمؤسسات المجتمع الرسمية والأهلية بوصفه أحد أعمدة الحماية الاستراتيجية للدولة. فالأحزاب السياسية، حين تمارس عملها في إطار وطني مسؤول، تصبح ساحة صحية لتنظيم الاختلاف وإدارة التنوع السياسي داخل المجتمع بدلًا من الإرتكان إلى مصالح شخصية وانتهازية ضيقة.. وتشير دراسات علم الاجتماع السياسي إلى أن الدول التي تتمتع بحياة حزبية ومؤسسات نقابية وطنية فعالة تكون أكثر قدرة على احتواء التوترات الاجتماعية بنسبة تتجاوز 35 % مقارنة بالدول التي تنحرف فيها هذه المؤسسات أو تتحول أهدافها وأنشطتها إلى أهداف نفعية ومصالح ضيقة، كما تلعب النقابات المهنية والعمالية – الوطنية - دورًا محوريًا في حماية الاستقرار الاجتماعي عبر تمثل مصالح وطنية، وهو ما يقلل احتمالات الاحتقان الشعبي ويحول المطالب والأهداف الاجتماعية إلى مسارات وطنية تدعم وتحفظ تماسك الدولة والمجتمع في آن واحد.
    لا يقل دور المؤسسات الثقافية والدينية والتعليمية والفنية والرموز المجتمعية أهمية عن الدور السياسي والنقابي، إذ تمثل هذه المؤسسات الحاضنة العميقة للوعي الجمعي والهوية الوطنية، فالجامعات والمدارس والمساجد والكنائس والمؤسسات الثقافية والفنية تسهم في ترسيخ قيم المواطنة والانتماء، والوعي النقدي القادر على كشف الشائعات وحروب التضليل، بينما تعمل المؤسسات الدينية المعتدلة على تعزيز خطاب التعايش ونبذ الفتن الطائفية التي غالبًا ما تُستغل في تفكيك المجتمعات.
    أما المؤسسات الثقافية والفنية من مسارح ودور نشر وسينما وإعلام ثقافي، فتلعب دورًا بالغ التأثير في تشكيل الوجدان العام وتعزيز الهوية المشتركة.. وتشير تقارير صادرة عن منظمات ثقافية دولية إلى أن المجتمعات التي تمتلك رؤى ونشاطًا ثقافيًا وفنيًا وطنيا تشهد مستويات أعلى من التماسك الاجتماعي بنسبة تصل إلى 25 % مقارنة بالمجتمعات التي يضعف فيها الإنتاج الثقافي. ويغلب في طبيعة عملها النفعية والمكاسب المادية والجماهيرية فقط.. وفي هذا السياق يبرز أيضًا دور الرموز المجتمعية والفكرية من مفكرين وأدباء وعلماء ورجال مجتمع، باعتبارهم قنوات تأثير معنوي قادرة على تهدئة التوترات وتوجيه الرأي العام نحو قيم التضامن والوعي والمسؤولية الوطنية في لحظات الأزمات.
    بالنهاية .. نؤكد انه في زمن تتداخل فيه الحروب العسكرية مع الحروب المعلوماتية والنفسية، يبدو التضامن الشعبي والجماهيري أشبه بدرع غير مرئي يحمي الدول من التفكك. وهو درع لا تصنعه الحكومات وحدها، بل تبنيه المجتمعات عبر الثقة المتبادلة، والوعي الجماعي، والإيمان بأن قوة الوطن تبدأ من قوة وحدته الداخلية.

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    السبت 05:46 صـ
    18 رمضان 1447 هـ 07 مارس 2026 م
    مصر
    الفجر 04:48
    الشروق 06:15
    الظهر 12:06
    العصر 15:27
    المغرب 17:58
    العشاء 19:15