دكتورة فاتن فتحي تكتب: الأمراض المزمنة في رمضان.. كيف يوازن المرضى بين الصيام والسلامة الصحية
مع حلول شهر رمضان المبارك يتجدد سنويًا نقاش طبي واسع داخل الأوساط الصحية حول قدرة المرضى المصابين بالأمراض المزمنة على الصيام دون تعريض صحتهم لمضاعفات خطيرة، خاصة في ظل الارتفاع العالمي في معدلات الإصابة بالأمراض غير السارية مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وأمراض الكلى. وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن الأمراض غير السارية مسؤولة عن نحو 74 في المائة من إجمالي الوفيات عالميًا، وهو ما يعادل ما يقرب من 41 مليون وفاة سنويًا، الأمر الذي يجعل التعامل الصحي مع الصيام بالنسبة لهؤلاء المرضى قضية طبية تتطلب وعيًا وتخطيطًا دقيقين. وفي العالم الإسلامي الذي يضم أكثر من 1.9 مليار مسلم، يحرص ملايين المرضى على الصيام رغم إصابتهم بأمراض مزمنة، ما يضع الأطباء أمام تحدٍ يتمثل في تحقيق توازن صحي بين أداء الشعائر الدينية والحفاظ على الاستقرار الجسدي والوظيفي لأعضاء الجسم.
وتشير تقارير الاتحاد الدولي للسكري إلى أن أكثر من 463 مليون شخص حول العالم يعانون من مرض السكري، وأن ما يقرب من 40 إلى 50 مليونًا منهم يحرصون على الصيام خلال شهر رمضان كل عام. كما تؤكد الدراسات المنشورة في دوريات طبية مثل “Diabetes Care” أن الصيام قد يؤدي إلى تغيرات ملحوظة في مستويات الجلوكوز في الدم لدى مرضى السكري، وهو ما يستدعي إدارة دقيقة للدواء والنظام الغذائي. وتشير البيانات الطبية إلى أن خطر انخفاض السكر في الدم قد يرتفع بنسبة تصل إلى 7 أضعاف لدى مرضى السكري من النوع الأول إذا صاموا دون إشراف طبي متخصص، وهو ما أكدته دراسات برنامج “EPIDIAR” الذي يعد من أكبر البرامج البحثية الدولية التي درست تأثير الصيام على مرضى السكري في الدول الإسلامية. ولهذا توصي الجمعية الأمريكية للسكري والاتحاد الدولي للسكري بضرورة إجراء تقييم طبي شامل قبل بداية شهر رمضان لتحديد مدى قدرة المريض على الصيام وتصنيف حالته ضمن مستويات الخطورة المختلفة.
ويؤكد الأطباء أن تعديل مواعيد الأدوية يمثل أحد أهم الإجراءات الطبية لمرضى السكري خلال رمضان، حيث يتم في كثير من الحالات نقل الجرعات الأساسية إلى وقتي الإفطار والسحور، مع استخدام الأدوية طويلة المفعول التي تساعد على الحفاظ على استقرار مستويات السكر في الدم. كما تنصح المؤسسات الطبية مثل مركز “جوسلين” للسكري في الولايات المتحدة بضرورة مراقبة مستوى السكر في الدم عدة مرات يوميًا، خاصة في ساعات ما بعد الظهر وقبل الإفطار، لأن انخفاض الجلوكوز قد يحدث بصورة مفاجئة بعد ساعات الصيام الطويلة. ويشير خبراء التغذية العلاجية إلى ضرورة تجنب السكريات السريعة التي تؤدي إلى ارتفاع حاد في السكر عقب الإفطار، مثل الحلويات والمشروبات المحلاة، والاعتماد بدلًا من ذلك على الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة والبقوليات التي يتم امتصاصها ببطء وتساعد على استقرار مستويات الجلوكوز لفترة أطول. كما ينصح بتناول البروتينات الصحية والخضروات الغنية بالألياف، مع الاعتدال في تناول التمر رغم قيمته الغذائية، لأن الإفراط فيه قد يرفع السكر بشكل سريع لدى بعض المرضى.
وفيما يتعلق بمرضى القلب، تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن أمراض القلب والأوعية الدموية تمثل السبب الأول للوفاة عالميًا، حيث تتسبب في نحو 17.9 مليون وفاة سنويًا، أي ما يعادل نحو 32 في المائة من إجمالي الوفيات على مستوى العالم. وتشمل هذه الأمراض الذبحة الصدرية وأمراض الشرايين التاجية وفشل القلب وارتفاع ضغط الدم المزمن. وتؤكد الجمعية الأوروبية لأمراض القلب أن الصيام قد يكون آمنًا نسبيًا لدى المرضى الذين يعانون من حالات مستقرة مثل الذبحة الصدرية المستقرة أو ارتفاع ضغط الدم الخاضع للعلاج، بشرط الالتزام بتعليمات الطبيب وتنظيم جرعات الدواء. وقد ساعد تطور الأدوية الحديثة طويلة المفعول في تسهيل هذا الأمر، حيث يمكن تناول كثير من هذه الأدوية مرة أو مرتين يوميًا، ما يسمح بتوزيع الجرعات بين الإفطار والسحور دون الإخلال بالخطة العلاجية.
ويحذر أطباء القلب من الإفراط في تناول الأطعمة الغنية بالدهون المشبعة والأملاح خلال وجبة الإفطار، لأن هذه الأطعمة قد تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم وزيادة العبء على عضلة القلب، خاصة بعد فترة صيام طويلة. وتشير توصيات جمعية القلب الأمريكية إلى أن النظام الغذائي الصحي لمرضى القلب يجب أن يعتمد على الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والأسماك الغنية بأحماض أوميجا-3 الدهنية، مع تقليل الدهون المشبعة والدهون المتحولة. كما ينصح المرضى بتجنب تناول كميات كبيرة من الطعام دفعة واحدة بعد الإفطار، لأن ذلك قد يؤدي إلى زيادة تدفق الدم إلى الجهاز الهضمي على حساب عضلة القلب، ما قد يسبب شعورًا بالتعب أو ضيق التنفس لدى بعض المرضى.
أما مرض ارتفاع ضغط الدم، فيعد من أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا في العالم، إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 1.28 مليار شخص عالميًا يعانون من ارتفاع ضغط الدم، بينما تشير الدراسات الوبائية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى أن ما يقرب من 30 إلى 35 في المائة من البالغين في المنطقة يعانون من هذه المشكلة الصحية بدرجات متفاوتة. ويؤكد خبراء الصحة العامة أن الصيام قد يكون فرصة لتحسين نمط الحياة لدى بعض المرضى، إذ يمكن أن يساعد على تقليل الوزن وتحسين حساسية الجسم للأنسولين وخفض مستويات الدهون في الدم إذا تم اتباع نظام غذائي متوازن. إلا أن المشكلة الأساسية تكمن في العادات الغذائية غير الصحية التي قد تنتشر في بعض المجتمعات خلال رمضان، مثل الإفراط في تناول المخللات والأطعمة المالحة والمقليات.
وتوصي منظمة الصحة العالمية بأن لا يتجاوز استهلاك الصوديوم اليومي 5 جرامات من الملح، لأن الإفراط في تناول الملح يعد أحد أهم العوامل المسببة لارتفاع ضغط الدم ومضاعفاته القلبية والدماغية. كما ينصح الأطباء بتناول الأطعمة الغنية بالبوتاسيوم مثل الموز والتمر والخضروات الورقية باعتدال، لأن البوتاسيوم يساعد في تنظيم ضغط الدم وتحسين توازن السوائل داخل الجسم. وتشير دراسات التغذية العلاجية إلى أن زيادة استهلاك الخضروات والفواكه قد تساهم في خفض ضغط الدم الانقباضي بنحو 4 إلى 5 ملليمترات زئبق في بعض الحالات.
أما بالنسبة لأمراض الكلى، فتشير تقارير الجمعية الدولية لأمراض الكلى إلى أن نحو 850 مليون شخص حول العالم يعانون من أمراض الكلى المزمنة بدرجات مختلفة، وهو ما يجعلها من أكبر التحديات الصحية العالمية. وتؤكد هذه التقارير أن مرضى القصور الكلوي يحتاجون إلى تقييم طبي دقيق قبل اتخاذ قرار الصيام، لأن الجفاف الناتج عن الامتناع الطويل عن السوائل قد يؤدي إلى تدهور وظائف الكلى لدى بعض المرضى. وتشير التوصيات الطبية إلى أن المرضى الذين يخضعون لغسيل الكلى أو يعانون من قصور كلوي شديد غالبًا ما يُنصحون بعدم الصيام لتجنب اضطراب توازن الأملاح والسوائل في الجسم.
أما المرضى الذين يعانون من درجات خفيفة أو متوسطة من القصور الكلوي مع استقرار وظائف الكلى، فقد يكون الصيام ممكنًا في بعض الحالات تحت إشراف طبي دقيق. وينصح هؤلاء المرضى بتناول كميات كافية من السوائل بين الإفطار والسحور، بحيث تتراوح عادة بين 2 إلى 2.5 لتر من الماء والسوائل الصحية، مع تجنب الأطعمة الغنية بالصوديوم أو البروتين الزائد الذي قد يزيد العبء على الكلى. كما يوصي الأطباء بتجنب المشروبات التي تحتوي على الكافيين بكميات كبيرة لأنها قد تزيد من فقدان السوائل من الجسم.
وتشير بعض الدراسات الطبية الحديثة إلى أن نمط الصيام المتقطع الذي يشبه الصيام الرمضاني قد يحقق فوائد صحية لدى بعض الأشخاص إذا تم تطبيقه بطريقة صحيحة. فقد أظهرت أبحاث منشورة في مجلات علمية متخصصة في علوم التغذية والتمثيل الغذائي أن الصيام قد يساهم في خفض الوزن بنسبة تتراوح بين 2 إلى 4 في المائة خلال شهر واحد لدى بعض الأشخاص، كما قد يساعد في تحسين مؤشرات التمثيل الغذائي مثل مستويات الدهون الثلاثية والكوليسترول الضار في الدم. إلا أن هذه الفوائد تعتمد بشكل أساسي على نوعية الغذاء المتناول بعد الإفطار وعلى نمط النوم والنشاط البدني.
ويؤكد الأطباء أن الخطوة الأولى والأهم لمرضى الأمراض المزمنة قبل شهر رمضان هي إجراء تقييم طبي شامل يتضمن قياس ضغط الدم ومستوى السكر في الدم وفحوصات وظائف الكلى والكبد، إضافة إلى مراجعة الخطة العلاجية وإعادة تنظيم مواعيد الأدوية. كما ينصح المرضى بتقسيم الطعام بين وجبتي الإفطار والسحور مع إضافة وجبة خفيفة بينهما، والحرص على تناول السحور لأنه يقلل من خطر انخفاض السكر والجفاف خلال ساعات الصيام الطويلة.
وفي النهاية يشدد الخبراء في المؤسسات الطبية العالمية على أن التوازن بين العبادة والصحة ليس أمرًا مستحيلًا، بل هو مسألة وعي صحي وتنظيم طبي دقيق. فالمبادئ الدينية نفسها تؤكد أن حفظ النفس من المقاصد الأساسية، وقد منحت الرخصة الشرعية للمرضى الذين لا يستطيعون الصيام حفاظًا على حياتهم وصحتهم. لذلك فإن القرار الأمثل لكل مريض في رمضان يجب أن يستند إلى استشارة طبية علمية موثوقة، بحيث يستطيع أداء عبادته بأمان دون تعريض صحته لمضاعفات قد تكون خطيرة.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
عزاء واجب ....وفاة ” محي النجار ” شقيق اللواء سعيد النجار...
”الإنقاذ السريع: «شبرا العام» تنقذ ٣ حالات سكتة دماغية في أسبوع ”
”الميدان” تهنيء النقيب ”أحمد حسن السيسي” بمناسبة الخطوبة السعيدة
”الميدان” تهنيء ”أحمد” و”همس” بمناسبة كتب الكتاب