عمال النظافة في شارع المعز من الجنسين.. ولا يعرفون العمل بالوقت المحدد


جلس محروس محمد، عامل النظافة بشارع المعز الذي شارف عمره على العقد الرابع، بالركن الأيسر من مسجد الحاكم بأمر الله، فارا من أشعة الشمس التي داعبت شوارع القاهرة الفاطمية بشراسة، تستقر "المقشة" التي تساقطت أكثر شعيراتها، على مقربة منه، دقائق وكان النوم ضيفًا ثقيلًا على أعينه، صراع لم يدم كثيرًا كان نتيجته أن غط العامل في نومًا عميقًا.
مد يده وأخذ يدق ناقوس وقت الاستيقاظ على أعينه الناعسه، بمجرد أن التقطت أذنه أذان صلاة العصر "اللحق أصلي وأطلع أكمل نظافة لحسن المغرب بتعب ومبقدرش حتى أشيل ورقة من ورا الشباب".
منذ 4 سنوات، انضم محمد لمنظفي شارع المعز "كان وضع غريب فجأة بشوف أجانب وشباب عايشة في عالم تاني وبنات تسهر في الشارع لنص الليل"، أيام واعتاد الوضع وبدأ يندمج مع مماثليه من العمال "اتعرف على بقية العمال وفي أسبوعين بقينا عائلة واحدة".
120 دقيقة، هي المدة التي يستغرقها محمد في الانتقال من مكان عمله لمنزلة المتهالك الذي يتوارى خلف المباني الشاهقة بمنطقة الوايلي "لولا أني ورثت البيت من أبويا كان زماني في الشارع أنا وعيالي بعد ما عملية زوجتي اخدت كل اللي قدامي ووريا وفي الأخر توفت وسابتلي 5 بنات".
في السادسة صباحًا يستيقظ محمد، سائلًا المولى عز وجل أن يرزقه ما يجعله قادًا على تحمل حماية صغاره من الاحتياج للعمل، فمرتبه من النظافة ومساعدات المارين بشارع المعز لا تتعدى 1000 جنيه، "نفسي اللاقى شغل كويس أصرف بيه على بناتي بدول ما بيلبسوا هدوم التبرعات ويحسوا بالكسرة قدام زملائهم في الكلية".
على مقربة من مسجد السلطان برقوق، هبطت المرأة الخمسينية، سناء ماهر، التي قارب تواجد بالمعز للعمل عاملة نظافة 10 أعوام، تلتقط الأوراق البيضاء والأكياس البلاستيكية التي تحمل رائحة الطعام الذي تناوله أحد الشباب من مطعم الوجبات السريعة الذي يبعد عنها بضع أمتار "ياه لو في يوم أجيب لأعيالي من الأكل ده".
مع آذان العشاء، تذكرت سناء كيف كان والدها يصطحبها لشراء العرائيس البلاستيكية، تلك الفترة التي تلقبها بـ"كنت ملكة زماني"، قبل أن يتركها الأب ويقرر الزواج من آخرى "مراته التانية اخدت مننا حتى المصروف مكنش بيبعته غير بالذل".
مرت الأيام وتركت سناء تعليمها واخذت تبحث عن عمل "من سن 15 سنة وأنا بشتغل في الكوافير وبوصل طلبات للبيوت وبنضف وبخدم لحد ما بقيت عاملة نظافة وجيت المعز بقبض 800 جنيه".
في إحدى المنازل التي كانت تعمل بها خادمة، وقع نجل صاحبه في حبها "حبني ووقف قدام أهله عشاني وجه طلبني من أمى وقتها كنا في العشوائيات، وبعد جوازنا أمى ماتت وأهله مبقوش يدعموه وعيشنا على أد فلوسنا".
متابعة لـ"الميدان": ربنا رزقني بولد وبنت ودلوقتي في الجامعة، وأبوهم فاتح محل مكوجي وبالليل شغال على تاكسي.
على الرغم من بساطة ملابسها والتجاعيد التي بدأت تغزو يدها ووجها، إلا أن قلبها مازال يحلم بحياة كالتآتي ترآها بذلك الشارع التاريخي "نفسي يكون معانا فلوس ونخرج كعيلة زي باقي الناس اللي بشوفهم هنا ونفرح ومنحسش بالحرمان يوم".