نوح غالي: هاني شاكر ليس مجرد مطرب بل مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية
قال الإعلامي نوح غالي، إنه في سوق فني شديد التقلب، تبدو معادلة النجومية الخاطفة هي السائدة؛ يولد النجم فجأة، يملأ الدنيا ضجيجًا، ثم يطويه النسيان مع تبدل الأمزجة والأجيال، لكن، وسط هذه الأمواج المتلاطمة، يظل هناك فئة قليلة من الفنانين نجحوا في كسر هذه القاعدة، واحتفظوا بمكانتهم في قلوب الجماهير لأكثر من نصف قرن.
وأوضح الإعلامي نوح غالي، خلال برنامج "تفاصيل الحكاية"، المذاع على قناة "الشمس"، أنه حين يتغير وجه السوق الفني بزاوية 180 درجة، وتتحول وسائط الاستماع من الأسطوانات الكلاسيكية وشريط الكاسيت إلى الـ "CD" ومنصات البث الرقمي، ويبقى صوت واحد حاضراً ومسموعاً.. فنحن هنا لا نتحدث مجرد مطرب ناجح، بل عن مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية العربية، اسمها هاني شاكر.
ولفت إلى أن حكاية الفنان الراحل هاني شاكر بدأت في عام 1952، في توقيت كانت مصر تعيد فيه تشكيل هويتها السياسية والاجتماعية، وتعيش في الوقت ذاته أزهى عصورها الفنية؛ حيث كانت القاهرة العاصمة غير المتوجة للنغم العربي، وفي هذا المناخ، ولد هاني شاكر لأسرة مصرية بسيطة، لم يكن بين أفرادها فنانون، لكنها كانت تقدس التعليم والثقافة، مشيرًا إلى أنهمنذ طفولته، بدت على الصغير علامات الأذن الموسيقية الحساسة؛ فبينما كان أقرانه يلهون باللعب، كان هو ينصت لساعات طويلة إلى الراديو الذي كان بمثابة مدرسة فنية متكاملة آنذاك، وسرعان ما انتبهت الأسرة للموهبة، لتبدأ رحلة صقلها بالدراسة الأكاديمية، كخطوة أولى في مشوار الألف ميل نحو كبرى المسارح العربية.
ولفت إلى أن فترة الستينيات شهدت المحطة الأبرز في تكوين الفنان الشاب هاني شاكر، وتمثلت في اقترابه من ظاهرة ذلك العصر، العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وشارك الطفل هاني شاكر حينها في فيلم "سيد درويش"، وهو ما فتح له الباب للاحتكاك بالوسط الفني، ومن خلال مراقبته الدقيقة لعبد الحليم حافظ تعلّم أن النجومية ليست مجرد موهبة صوتية، بل هي منظومة متكاملة من الانضباط، واحترام التفاصيل من اختيار الكلمة واللحن والتوزيع، وحتى طريقة الوقوف على المسرح.
وأكد أنه حين غيب الموت عبد الحليم حافظ عام 1977، شُكلت صدمة كبرى للشارع العربي ولشاكر تحديداً، ليجد هاني شاكر نفسه أمام الاختبار الحقيقي، هل سينجح في الخروج من عباءة العندليب، أم سيظل مجرد صدى في مدرسته؟، مشيرًا إلى أن الإجابة جاءت سريعة من خلال قدرته على استلهام روح الانضباط دون أن يكون نسخة مكررة.
وشدد على أن النجاح في السبعينات كان يمر عبر بوابات صعبة؛ لم تكن هناك منصات تواصُل اجتماعي أو حملات ممولة، بل جمهور حقيقي إن لم يقتنع بأصالتك فلن تستمر، موضحًا أن المحطة الفاصلة في مسيرة هاني شاكر هي تلك التي قادها الموسيقار الكبير محمد الموجي، ففي أوائل السبعينيات، وبينما كانت الإذاعة المصرية تضج بالأصوات العملاقة، راهن الموسيقار محمد الموجي على إحساس هاني شاكر، مؤمنًا بأن الصوت الجميل وحده لا يكفي إن لم يلامس الصدق، وجاءت أغنية "حلوة يا دنيا" لتكون شهادة ميلاده الفنية، ولتتوالى بعدها النجاحات في الثمانينيات والتسعينيات، والتي اعتُبرت بحق العصر الذهبي للفنان هاني شاكر، وفي الوقت الذي لجأ فيه البعض للضجة والاستعراض، راهن هو على الأغنية الرومانسية الهادئة، ليتحول من مطرب ناجح إلى رمز عربي، وينال بلقب "أمير الغناء العربي"؛ نظرًا لأناقته الكلاسيكية في المظهر والجوهر، وابتعاده عن المهاترات.
ونوه بأنه رغم بلوغه قمة المجد، إلا أن الحياة كانت تخبئ للفنان هاني شاكر اختبارًا هو الأقسى على الإطلاق؛ وهو اختبار الأبوة والفقد، ولطالما حرص هاني شاكر على إبعاد عائلته عن الأضواء، لكن مرض ابنته "دينا" وضع الأسرة في مواجهة مباشرة مع الألم، ورغم رحلات العلاج والتمسك بالأمل، رحلت "دينا"، ومعه انكسر جزء كبير من قلب الفنان، ومن شاهد هاني شاكر بعد تلك الفاجعة، أدرك أن ملامحه وصوته ونبرته لم تعد كما كانت؛ ورغم محاولاته الابتسام والعودة للمسرح كملاذ آمن، ظل ذلك الحزن الشفيف جرحًا مفتوحًا يظهر في كل مرة يُذكر فيها اسم ابنته.
وأوضح أنه في منتصف مشوار هاني شاكر تقريبًا، قرر المطرب الهادئ الخروج من منطقة الراحة الفنية ليتولى دفة الإدارة كنقيب للمهن الموسيقية، وكانت تلك المرحلة مشحونة بالقرارات الصعبة والصراعات، بالتزامن مع التحولات الحادة في شكل الموسيقى وظهور موجات غنائية جديدة كالمهرجانات، مشيرًا إلى أن الفنان الراحل هاني شاكر خاض معارك شرسة دفاعًا عن هوية الأغنية المصرية ووفق رؤيته المحافظة، ومثلما حظي بتأييد واسع ممن رأوا فيه حارسًا للفن الرفيع، واجه في المقابل هجومًا عنيفًا من جيل يرى في قراراته وقوفاً ضد التغيير، ورغم الضغوط التي دفعته للاستقالة لاحقًا، إلا أنه ظل واحداً من أكثر النقابيين تأثيرًا وجدلاً في التاريخ الحديث للنقابة.
ولفت إلى أنه إذا ما تتبعنا الأسباب التي جعلت هاني شاكر صامدًا لأكثر من نصف قرن، نجدها تتلخص في خمس ركائز أساسية، تتمثل في الاستمرارية الذكية والتواجد الدائم دون الغياب الطويل، مع الحفاظ على وتيرة إنتاج متزنة، فضلا عنالوقار الفني وصورة الفنان المحترم البعيد عن الأزمات المفتعلة شكلت رصيدًا ضخمًا لدى العائلات العربية، علاوة على التجدد الحذر ومعرفة خط التوازن الفاصل بين العصرنة والحفاظ على الهوية الكلاسيكية، إضافة إلى سلاح الإحساس وامتلاك خامة صوتية قادرة على إقناع المستمع بأن الأغنية كُتبت له شخصيًا، فضلا عن الاحترام المتبادل وعلاقة مبنية على التقدير مع الجمهور، بعيدًا عن لغة الأرقام المصطنعة أو التريند.
وشدد على أنه في النهاية، لا تُقاس قيمة الفنان الحقيقي بعدد الجوائز أو الألبومات، بل بالأثر الذي يتركه في وجدان الأجيال، واليوم، يقف أمير الغناء العربي كواحد من أواخر حراس المدرسة الكلاسيكية، وصوتًا عاش مع ذكريات الملايين، محولاً رحلته من طفل حالم إلى رمز لا يُمحى من تاريخ الفن الموسيقي العربي.



















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائب محمد جبريل يكرم قداسة البابا تواضروس الثاني خلال تدشين كنيسة الأنبا...
الإعلامية آمال عبد الله تهنئ النائبة مروة بريص بعيد ميلادها
في ليلة من ليالي العمر.. عائلة البرلسي تحتفل بزفاف الأستاذ أحمد والأستاذة...
الكاتب الصحفي محمد يوسف رئيس تحرير جريدة الميدان وأسرة التحرير ينعون والدة...