مركز الحوار يقيم ندوه عن قضايا الامن المائي والغذائي
في وقت تتزايد فيه المخاوف العالمية من تداعيات التغيرات المناخية وتراجع الموارد الطبيعية وارتفاع معدلات النمو السكاني، أصبحت قضايا الأمن المائي والغذائي في مقدمة الملفات التي تستحوذ على اهتمام الحكومات والمؤسسات البحثية والمنظمات الدولية. فالمياه والغذاء لم يعودا مجرد احتياجات أساسية للحياة، بل تحولا إلى عنصرين استراتيجيين يرتبطان بشكل مباشر بالأمن القومي والاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية.
وفي إطار الاحتفال باليوم العالمي للبيئة، نظم مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية بالتعاون مع المنتدى العالمي للسياحة والبيئة حلقة نقاشية موسعة تناولت تحديات الأمن المائي والغذائي، بمشاركة مجموعة من الخبراء والمتخصصين والباحثين في مجالات البيئة والموارد المائية والتنمية المستدامة، حيث ناقش المشاركون المخاطر المتزايدة التي تهدد الموارد الحيوية، والسبل الممكنة لمواجهتها من خلال التخطيط العلمي والتعاون الإقليمي والدولي.
البيئة في قلب معادلة الأمن العالمي
لم تعد القضايا البيئية شأناً يخص المتخصصين وحدهم، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن العالمي. فالأزمات البيئية الراهنة باتت تؤثر بصورة مباشرة على الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية، كما تلقي بظلالها على حياة ملايين البشر حول العالم.
ومن هذا المنطلق، أكد اللواء أركان حرب حمدي لبيب، رئيس مؤسسة الحوار للدراسات والبحوث الإنسانية، أن العالم يشهد مرحلة شديدة التعقيد فيما يتعلق بإدارة الموارد الطبيعية، مشيراً إلى أن المياه والغذاء يمثلان اليوم محوراً رئيسياً للعديد من التحديات الجيوسياسية التي تشهدها الساحة الدولية.
وأوضح أن التنافس على الموارد الحيوية يتزايد بصورة ملحوظة مع تراجع بعض الموارد الطبيعية وارتفاع معدلات الطلب عليها، وهو ما يفرض ضرورة تطوير سياسات أكثر كفاءة للحفاظ على هذه الموارد وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
وأشار إلى أن الإعلام يلعب دوراً محورياً في تعزيز الثقافة البيئية ونشر الوعي المجتمعي بأهمية ترشيد الاستهلاك، مؤكداً أن بناء وعي بيئي حقيقي يمثل أحد أهم الأسلحة في مواجهة الأزمات المستقبلية.
التغير المناخي يضاعف الضغوط
وخلال الحلقة، استعرضت الأستاذة ياسمين هلالي، نائب مدير مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية، ورقة عمل تناولت التنافس الدولي على الموارد الحيوية، مسلطة الضوء على العلاقة المتشابكة بين التغيرات المناخية والأمن المائي والغذائي.
وأوضحت أن العالم يواجه تحديات متزايدة نتيجة الارتفاع المستمر في درجات الحرارة وتكرار موجات الجفاف والفيضانات والعواصف المناخية، وهي ظواهر تؤثر بشكل مباشر على توافر المياه والإنتاج الزراعي.
وأضافت أن العديد من الدول باتت تعاني من تراجع الموارد المائية وازدياد الضغوط على الأراضي الزراعية، الأمر الذي ينعكس على معدلات الإنتاج الغذائي ويهدد استقرار الأسواق العالمية.
كما أشارت إلى أن التصحر وتدهور الأراضي الزراعية أصبحا من أبرز التحديات البيئية في العديد من المناطق، خاصة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهي منطقة تعد بالفعل من أكثر مناطق العالم معاناة من ندرة المياه.
وأكدت أن استمرار هذه التحديات دون تدخلات فعالة قد يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية خلال السنوات المقبلة.
الشرق الأوسط أمام اختبار صعب
تواجه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا واقعاً استثنائياً فيما يتعلق بالأمن المائي والغذائي، إذ تجمع بين محدودية الموارد الطبيعية وارتفاع معدلات النمو السكاني والتقلبات السياسية والأمنية.
ويرى الخبراء أن المنطقة تقف أمام اختبار حقيقي يتطلب إعادة النظر في السياسات التقليدية لإدارة المياه والغذاء، خاصة في ظل التوقعات التي تشير إلى زيادة الضغوط المناخية مستقبلاً.
وتشير الدراسات إلى أن العديد من دول المنطقة أصبحت ضمن قائمة الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي، وهو ما يفرض ضرورة الاستثمار في الحلول التكنولوجية والبدائل المستدامة لمواجهة هذه الأزمة.
المياه قضية أمن قومي
من جانبه، أوضح الدكتور محمد عبد المنعم، رئيس المنتدى العالمي للسياحة والبيئة بمؤسسة الحوار، أن قضية المياه تجاوزت كونها ملفاً خدمياً أو تنموياً، لتصبح قضية أمن قومي ذات أبعاد استراتيجية متعددة.
وأشار إلى أن مفهوم الأمن المائي لا يقتصر على توافر كميات كافية من المياه، بل يمتد ليشمل جودة المياه واستدامتها وإمكانية الوصول إليها بشكل عادل وآمن.
وأكد أن الأمن الغذائي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن المائي، فالمياه تمثل العمود الفقري للقطاع الزراعي، وأي خلل في إدارة الموارد المائية ينعكس بصورة مباشرة على إنتاج الغذاء.
كما شدد على أهمية تعزيز التعاون العربي والإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة، خاصة أن العديد من مصادر المياه في المنطقة عابرة للحدود وتتطلب تنسيقاً دائماً بين الدول.
الاستهلاك الرشيد مفتاح الحل
ومن بين القضايا المهمة التي تناولتها الحلقة، قضية أنماط الاستهلاك ودورها في زيادة الضغوط على الموارد الطبيعية.
وأكد اللواء عادل مصطفى، وكيل وزارة الإنتاج الحربي الأسبق، أن معالجة أزمات المياه والغذاء لا تعتمد فقط على زيادة الإنتاج أو توفير الموارد، وإنما تتطلب أيضاً تغيير السلوكيات الاستهلاكية غير الرشيدة.
وأوضح أن نسباً كبيرة من الموارد يتم إهدارها يومياً نتيجة سوء الاستخدام أو غياب الوعي، سواء في المنازل أو المؤسسات أو الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
وأضاف أن نشر ثقافة الترشيد يمكن أن يسهم في تحقيق نتائج ملموسة خلال فترات زمنية قصيرة، مقارنة ببعض المشروعات التي تحتاج إلى سنوات طويلة حتى تؤتي ثمارها.
أهمية التخطيط المبكر
وأكد اللواء أحمد ونيس، مستشار مركز الحوار، أن مواجهة التحديات البيئية تتطلب الاعتماد على التخطيط العلمي والاستفادة من البيانات والمؤشرات المناخية المتاحة.
وأشار إلى أن العالم يمتلك اليوم أدوات متطورة لرصد التغيرات المناخية وتحليل آثارها المستقبلية، وهو ما يمنح صناع القرار فرصة لاتخاذ إجراءات استباقية تحد من المخاطر المحتملة.
وأوضح أن الاستثمار في أنظمة الإنذار المبكر والدراسات المستقبلية أصبح ضرورة ملحة في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم.
الأمن الغذائي ليس إنتاجاً فقط
وخلال النقاشات، برزت رؤية مهمة تؤكد أن الأمن الغذائي لا يعني فقط إنتاج المزيد من الغذاء، بل يشمل أيضاً إدارة الموارد بكفاءة وتحسين عمليات التخزين والنقل والتوزيع.
وفي هذا الإطار، استعرضت الدكتورة مايسة أحمد عدداً من السياسات التي يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن الغذائي، مشيرة إلى أهمية تطوير التكنولوجيا الزراعية الحديثة وتوسيع استخدام نظم الري الذكية وزيادة الاعتماد على البحث العلمي.
وأكدت أن الحد من الفاقد الغذائي يمثل أحد المحاور الأساسية لتحقيق الأمن الغذائي، حيث تضيع كميات كبيرة من الغذاء سنوياً نتيجة ضعف منظومات التخزين والنقل.
هل تصبح المياه وقوداً لصراعات جديدة؟
واحدة من أكثر القضايا إثارة للنقاش كانت مسألة الصراعات المرتبطة بالمياه، والتي تزداد أهميتها مع تراجع الموارد الطبيعية وارتفاع الطلب عليها.
وفي هذا السياق، تناولت الأستاذة رباب حافظ مستقبل النزاعات المرتبطة بالمياه، مشيرة إلى أن استمرار معدلات التلوث والهدر الحالية قد يؤدي إلى تعقيد الأوضاع مستقبلاً.
وأكدت أن الموارد المائية أصبحت أحد العناصر المؤثرة في موازين القوى الإقليمية والدولية، ما يفرض ضرورة تعزيز آليات التعاون المشترك بدلاً من الدخول في دوائر الصراع.
وأضافت أن الإدارة العادلة للموارد المائية تمثل الضمانة الحقيقية لتحقيق الاستقرار والتنمية في العديد من المناطق.
التجربة المصرية في مواجهة التحديات
وشهدت الحلقة استعراضاً لعدد من الجهود التي تبذلها الدولة المصرية لتعزيز أمنها المائي في مواجهة التحديات المتزايدة.
وأوضح الأستاذ الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن مصر اتخذت خطوات واسعة خلال السنوات الأخيرة لتطوير منظومة إدارة المياه، شملت التوسع في محطات تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الزراعي وإعادة استخدامها.
كما أشار إلى مشروعات تبطين الترع وتحديث نظم الري ورفع كفاءة البنية التحتية المائية، وهي إجراءات تستهدف تعظيم الاستفادة من كل قطرة مياه.
وأكد أن القطاع الزراعي يمثل أكبر مستهلك للمياه، ما يجعل تطوير أساليب الزراعة والري ضرورة حتمية للحفاظ على الموارد المائية المتاحة.
الفن شريك في حماية البيئة
ولأن مواجهة التحديات البيئية لا تعتمد فقط على الحلول التقنية، فقد تناولت المناقشات أهمية القوة الناعمة في دعم قضايا البيئة.
وأكد الأستاذ حسام عطا، أستاذ أكاديمية الفنون، أن الفنون تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في الوعي المجتمعي وتغيير السلوكيات السلبية.
وأوضح أن الأعمال الفنية والدرامية والمبادرات الثقافية يمكن أن تسهم في ترسيخ مفاهيم الاستدامة والحفاظ على الموارد الطبيعية بصورة أكثر تأثيراً من العديد من الوسائل التقليدية.
وأشار إلى أن بناء ثقافة بيئية مستدامة يتطلب مشاركة مختلف القطاعات، وفي مقدمتها المؤسسات الثقافية والفنية.
المعرفة أساس التغيير
كما شددت الدكتورة حنان صلاح، المتخصصة في البصمة الكربونية، على أهمية توفير المعلومات البيئية الدقيقة للمواطنين.
وأكدت أن غياب المعلومات أو ضعف الوصول إليها يمثل أحد المعوقات الرئيسية أمام بناء وعي بيئي حقيقي.
وأوضحت أن وسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية ومراكز الشباب يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في نشر الثقافة البيئية وتعزيز المشاركة المجتمعية في حماية الموارد الطبيعية.
نحو مستقبل أكثر استدامة
عكست المناقشات التي شهدتها الحلقة النقاشية إدراكاً متزايداً بأن قضايا المياه والغذاء والبيئة أصبحت مترابطة بشكل وثيق، وأن التعامل معها يتطلب رؤية شاملة تقوم على التكامل بين الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
كما أكدت أن مواجهة التحديات المستقبلية لن تعتمد فقط على حجم الموارد المتاحة، وإنما على قدرة المجتمعات على إدارتها بكفاءة وعدالة واستدامة.
وفي ختام الفعالية، أكدت الباحثة وردة يوسف، التي أدارت الحلقة، أن الاحتفال باليوم العالمي للبيئة يمثل فرصة مهمة لتجديد الالتزام بقضايا الاستدامة وحماية الموارد الطبيعية.
وأشارت إلى أن العالم يمر بمرحلة دقيقة تتطلب تضافر جهود الحكومات والمؤسسات والمجتمعات من أجل حماية الموارد المائية وضمان الأمن الغذائي للأجيال القادمة.
لقد حملت الحلقة رسالة واضحة مفادها أن مستقبل التنمية والاستقرار يرتبط بصورة مباشرة بقدرة الدول على إدارة مواردها الطبيعية بحكمة، وأن الاستثمار في الوعي والتكنولوجيا والتعاون المشترك يمثل الطريق الأكثر أماناً لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين وبناء مستقبل أكثر استدامة وعدالة للبشرية.


















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
المستشار أحمد إبراهيم يُرزق بالمولودة “مسك”.. وتهنئة خاصة من أسرة “الميدان” ورجل...
” الميدان ” يهنئ خالد عمارة بزفاف نجله عبد الرحمن على الآنسة...
”الكلاب الضالة في الإسكندرية.. أزمة تبحث عن حل بين أمان المواطنين وحقوق...
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة...