عبد الحليم قنديل يكتب: ترامب يخسر مجددا في إيران
لم يعد أحد يتعجب من تناقضات الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" وألعابه البهلوانية ، ولم يكشف حدث ما عبث "سيرك ترامب" قدر ما فعلت حربه على إيران بتحريض "بنبامين نتنياهو" رئيس وزراء كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، ففى خلال 48 ساعة لا غير ، تقلب موقف الرجل البرتقالى البهلوانى من النقيض إلى النقيض ، فقد أعلن قبل نحو أسبوع وبحماس امبراطورى عن ما أسماه عملية "مشروع الحرية" فى "مضيق هرمز" ، وتحريرالملاحة الدولية فيه من سطوة إيران ، وحشد "أرمادا" هائلة ، وانطلقت مدمرات وكاسحات ألغام ومئات الطائرات المقاتلة والمروحيات و15 ألفا من نخبة القوات الأمريكية ، وأعلن فى اليوم الأول للعمليات عن عبور سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الأمريكى ، وتطوعت مصادر أمريكية متحمسة للإعلان عن زيادة العدد إلى ثلاث ، ورغم أن الرقم بالغ الهزال قياسا إلى حركة السفن والناقلات قبل بدء الحرب ، وكانت نحو150 سفينة فى اليوم الواحد ، لكن المصادر الإيرانية أنكرت تماما عبور أى سفينة تحت مظلة الحماية الأمريكية إياها ، وأعلنت فتح النيران ضد أى مخالفة لقواعد عبور وآلية وضعتها طهران ، وسرعان ما راحت الصور الملتقطة تؤكد صحة الرواية الإيرانية ، وهو ما تأكد لاحقا بقرار انقلب فيه "ترامب" على نفسه ، وأعلن وقف وتعليق "مشروع الحرية" ، بعد أن كان أعلن دعودة دول أوروبية وآسيوية للانضمام إلى حربه فى "مضيق هرمز" ، ولم يستجب أحد لعلم الجميع بخفة تقديرات الرئيس الأمريكى ، الذى لم يخذل أحدا عاقلا ، ولم يمانع فى إشهار خسارته المعجلة فى حرب "هرمز" ، وإن أراد تغطية انسحابه المثير بانسحاب آخر سياسى ، وأعلن أن المفاوضات مع إيران توصلت إلى إتفاق .
ولم يكن الاتفاق ـ إياه ـ على تسوية لأزمة "مضيق هرمز" ، بل كان على وقف الحرب كلها ، وبحسب الصيغة التى سربتها مواقع إعلامية أمريكية فى "أكسيوس" وغيرها ، ثم أكدتها وكالات أنباء دولية نقلا عن مصادر الوساطة الباكستانية ، فقد بدا الاتفاق أقرب لوجهة النظر الإيرانية فى إطاره العام ، وقيل أنه فى صورة مذكرة تفاهم من 14 نقطة تشغل صفحة واحدة ، توافقت فى العد الكلى مع ورقة إيران الثانية المعلنة قبلها ، وجوهرها إعلان وقف الحرب نهائيا ، ثم الدخول فى مفاوضات مكثفة لمدة 30 يوما لاحقة ، تدور حول وضع "مضيق هرمز" والبرنامج النووى الإيرانى ورفع الحصار والعقوبات الأمريكية ، وقد سبق لإيران أن أبدت استعدادها لفتح "مضيق هرمز" بأوضاع جديدة ، ورفضت الرغبة الأمريكية فى "تصفير" التخصيب النووى إلى الأبد ، وطرحت فى المقابل تعليقا موقوتا للتخصيب ، وقبولا بتفتيش دولى ، إضافة للرفض الجازم لإزالة المنشآت والمفاعلات النووية الإيرانية ، ورفض تسليم نحو 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة إلى واشنطن ، وبدا أن طهران قد تقبل نقل اليورانيوم عالى التخصيب إلى دولة ثالثة قد تكون "روسيا" ، وهو ما بدا أن إدارة "ترامب" قد تتجاوب معه ، فالرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" يعلن صداقته وشراكته الاستراتيجية مع طهران ، والرئيس الأمريكى "ترامب" معروف بولعه الخاص بسيد الكرملين ، وهكذا جرى سحب "ترامب" على سجادة إيرانية منسوجة بعناية فائقة .
وبمزيج الصبر والصمود المذهل الذى أبدته إيران ، سواء فى حرب الأربعين يوما قبل وقف إطلاق النار ، أو فى ميادين السياسة والتفاوض بعدها عبر تبادل الرسائل ، نجحت إيران فى تحطيم غرور "ترامب" ونرجسيته المفرطة ، وجعلت أحاديثه عن الانتصار المطلق مثيرة للسخرية ، فلم يتحقق أى نصر يعتد به لأمريكا أو للكيان "الإسرائيلى" ، ولم ينخدع الناس بلعبة إخفاء الخسائر الأمريكية مع "الإسرائيلية" ، وخرجت قناة "سى . إن . إن" الأمريكية بتقرير مصور مثير قبل أيام ، مدته أربع دقائق لاغير ، سجل نجاح القوات الإيرانية فى تدمير شبه كلى ، شمل 16 قاعدة أمريكية فى ثمانى دول ، وتحطيم رادارات متقدمة وطائرات تزود بالوقود وطائرات مراقبة "أواكس" على الأرض ، وجاء تقرير "سى . إن . إن" ساخرا من ادعاءات "ترامب" وتابعه "بيت هيجسيت" وزير حربه المفتول العضلات ، وكان "هيجسيت" قد آثار سخرية عارمة بشهادته أمام لجنة استماع فى الكونجرس ، زعم خلالها أن تكاليف الحرب على إيران لم تتجاوز 25 مليار دولار ، وسرعان ما كشفت الصحف والتليفزيونات الأمريكية الكبرى زيف الرقم ، وقالت أن أقل تقديرات التكلفة تزيد على 50 مليار دولار ، وهو ما أوجع "ترامب" وجنرالاته ، فحاول تخطى الضجة بإعلان عملية "مشروع الحرية" ، وتعظيم الإشادة بالحصار البحرى المفروض على الموانئ الإيرانية ، والادعاء بأن إيران تنهار ، ومن دون أن يصدقه أحد عاقل هذه المرة أيضا ، بعد أن أفرط فى الانسياق وراء خيالاته السابحة فى فقاعته الشخصية الخاصة ، وافتعال ادعاء بأنه حقق هدفه الأول فى تغيير النظام الإيرانى ، بينما كانت الحقيقة المرئية ولا تزال ، أن النظام الإيرانى بعد اغتيال "آية الله على خامنئى" ، صار أكثر تشددا وتماسكا وجرأة ، وأن القائد الأعلى الجديد "مجتبى على خامنئى" أقرب لمزاج ومفاتيح "الحرس الثورى" ، وأن "مجتبى" المصاب جزئيا يدير الحرب والتفاوض من بعدها ، وهو ما يبرز التجانس الأفضل فى قيادة النظام الإيرانى ، وأولوية قرار المرشد الجديد "مجتبى" ، الذى راجت حوله أوهام العجز عن اتخاذ أى قرار ، بينما كان تخفيه قرارا مدفوعا باعتبارات أمنية محضة.
وعلى جبهة التفاوض غير المباشر بعد الانسحاب الأمريكى من جولة التفاوض الأولى فى "إسلام أباد" الباكستانية ، بدا التصميم الإيرانى ظاهرا على وضع خطوط حمراء فاصلة ، فلم يعد برنامج الصواريخ الباليستية مطروحا لنقاش ، ولم تعد علاقات إيران مع الحلفاء و"الوكلاء" مطروحة على جدول أعمال تبادل الرسائل ، ونقلت "طهران" مركز ثقل النقاش إلى قضية "مضيق هرمز" استثمارا لقلق العالم الواسع من تبعات إغلاقه ، ووضعت الملف النووى فى مرتبة تالية ، وتحرك وزير الخارجية الإيرانى "عباس عراقجى" من "إسلام أباد" إلى "مسقط" العمانية وإلى "موسكو" للقاء الرئيس الروسى ، ثم مؤخرا إلى "بكين" للقاء المسئولين فى الصين ، الذين لا يخفون تأييدهم لإيران ، ورفضهم للحرب الأمريكية "الإسرائيلية" "غير المشروعة" ، وكان الرئيس الصينى "شى جين بينج" أعلن تحديه لقانون الغابة وإهدار القانون الدولى ، وشفعت الصين ـ كما روسيا ـ مواقفها المسئولة المدافعة عن مبادئ القانون الدولى بترجمات عملية ، وأحبطتا باستخدام "حق الفيتو" مشروعات قرارات ضد إيران فى مجلس الأمن الدولى ، وهو ما وضع حدا لتحركات موحى بها أمريكيا فى الأمم المتحدة ، ولم تلتفت الصين إلى تسريبات إعلامية واستخباراتية أمريكية ، تحدثت عن دعم صينى لإيران فى مجالى الاستخبارات والدفاع الجوى ، خصوصا مع تزويد القوات الإيرانية بنظام دفاع جوى محمول على الكتف ، بدا وكأنه تطوير "صينى" لصواريخ "ستريللا" الروسية ، وأسهم فى إسقاط قاذفات أمريكية متطورة تكنولوجيا ، إضافة لدور صينى وروسى فى دعم برنامج الفضاء الإيرانى وأقماره الصناعية العسكرية ، وفى العلن امتنعت الصين ـ كما روسيا ـ عن التعليق ، وإن بدا أن الدعم الصينى والروسى كان جديا فى تزويد إيران بصور أقمار صناعية وإحداثيات لقواعد أمريكية و"إسرائيلية" ، زادت فى كفاءة ودقة ضربات الصواريخ الإيرانية ، ومن دون تجاهل التطور الذاتى الإيرانى فى مجالى المسيرات والصواريخ ، وهو ما بدت آثاره ظاهرة حتى على جبهة لبنان المتحدية للعدوان "الإسرائيلى" ، وتعاظم أدوار مسيرات الألياف الضوئية التى أثارت وتثير ذعر جيش الاحتلال وجنوده وضباطه ، كما تثير ذعر المستوطنين فى مستعمرات الشمال الفلسطينى المحتل ، وتبنى توازن ردع من نوع مختلف فى الميدان الحربى.
وكما كانت تحركات طهران باتجاه روسيا والصين فى محلها دوليا ، فقد كانت مواقفها تجاه حلفاء المنطقة فى محلها الإقليمى ، وبحسب المواقف التفاوضية المعلنة لإيران ، فإن سعيها الرئيسى لوقف وإحباط الحرب والعدوان عليها ، ترافق أيضا مع سعى جدى لوقف الحرب والعدوان على لبنان كما إيران ، رغم محاولات الالتفاف الأمريكية ، وجذب لبنان الرسمى إلى مسارات تفاوض موازية فى واشنطن ، تبعد بها إيران عن السياق اللبنانى ، وتسعى لتوريط السلطة اللبنانية فى خطيئة اتفاق سلام "إبراهيمى" مع حكومة الاحتلال ، وتوريط الجيش اللبنانى بالمشاركة مع جيش الاحتلال فى حرب ضد "حزب الله" ، وربما توريط الأطراف اللبنانية فى حرب أهلية جديدة بدعوى أولوية التخلص من سلاح "حزب الله" ،
وإن كان لا يبدوأن الطرق ممهدة سالكة لاكتمال الخطة الأمريكية "الإسرائيلية" فى لبنان على هشاشته ، ويتوقف الكثير على مقدرة القوى والأطراف الوطنية اللبنانية ، والتفافها حول محفزات المناعة الدستورية والقانونية ، وعلى سلوك المقاومة وأنصارها ، وحرصها التاريخى على السلم الأهلى ، فأغلب اللبنانيين فى استطلاعات رأى جرت ، يعترضون على أى اتجاه للتطبيع مع كيان الاحتلال وأهدافه التوسعية الإبادية المنظورة .




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
الكاتب الصحفي سيد دويدار ورجل الأعمال سامح سعيد ينعَيان الحاج حسني جودة...
البروفيسور فتحي العفيفي وكيلا لكلية الدراسات الآسيوية العليا جامعة الزقازيق
بطلة مصر فى skating تحتفل بعيد ميلادها 15
ترقيات بالأحوال المدنية بالإسكندرية.. وإشادة بقيادات السجل المدني