«الصدمة الصينية 2.0»... ما الذي تغير فعلا؟
بقلم ليانغ سوو لي
إعلامية صينية
عندما دخلت الصين مجال الصناعات المتقدمة، لم يكن ما تزعزع هو السوق... بل الاحتكار الصناعي.
عادت بعض الدول في الآونة الأخيرة إلى الترويج لما تسميه «القدرة الإنتاجية الفائضة في الصين»، ونسجت حوله سردية أطلقت عليها اسم «الصدمة الصينية 2.0». في الوقت نفسه، أصدرت وزارة التجارة الصينية وثيقة بعنوان «الموقف الصيني بشأن ما يسمى بمسألة القدرة الإنتاجية الفائضة«، أوضحت فيها بصورة منهجية موقف الصين ومبادئها في هذا الشأن. غير أن أهمية هذه الوثيقة لا تكمن في الرد على الجدل الدائر حول الصناعة الصينية فحسب، بل في أنها تطرح سؤالا أعمق يتعلق بالاقتصاد العالمي اليوم: ما الذي تعرض فعلا لـ«الصدمة» فيما يسمى «الصدمة الصينية 2.0»؟
وللإجابة عن هذا السؤال، يكفي العودة إلى حقيقة بسيطة. فعندما كانت الصين تصدر الملابس والألعاب والأثاث، لم تكن عبارة «الصدمة الصينية» مطروحة أصلا. أما عندما برزت الصين بقوة في مجالات السيارات العاملة بالطاقة الجديدة، وبطاريات الليثيوم، والطاقة الكهروضوئية، والمعدات المتقدمة، أصبحت تعبيرات مثل «الصدمة الصينية 2.0» و«القدرة الإنتاجية الفائضة» تتصدر الخطاب السياسي والإعلامي في بعض الدول. ومن هنا يتضح أن القضية، في ظاهرها، تبدو نقاشا حول التنمية الصناعية، لكنها في جوهرها صراع على الخطاب وعلى موازين المنافسة في الصناعة العالمية.
فالاقتصاد تحكمه قواعد معروفة. فالحكم على وجود فائض في القدرة الإنتاجية لا يقوم على الانطباعات السياسية، بل على توازن العرض والطلب، وعلى قدرة المنتجات على المنافسة في الأسواق. فما مكّن المنتجات الصينية من ترسيخ حضورها في الأسواق العالمية لم يكن فائضا مصطنعا ولا سياسة إغراق، وإنما منظومة صناعية متكاملة، وابتكار تكنولوجي متواصل، وسوق محلية ضخمة، ومنافسة سوقية نشطة. أما النجاح الذي حققته السيارات الصينية العاملة بالطاقة الجديدة ومنتجات الطاقة الكهروضوئية في الأسواق الخارجية، فيعود إلى تحسن أدائها باستمرار، وانخفاض تكلفتها، وتكامل سلاسلها الصناعية، وهي كلها عوامل أفرزتها المنافسة الطبيعية في السوق، لا امتيازات صُنعت بقرارات إدارية.
لكن المفارقة التي يصعب تجاهلها أن بعض الدول، التي ظلت لعقود تدافع عن حرية التجارة والمنافسة المفتوحة، سارعت إلى تسييس المنافسة بمجرد أن حققت الشركات الصينية تفوقا قائما على الابتكار والكفاءة، وأصبحت تختزل القدرة التنافسية للصناعة الصينية في عبارة «القدرة الإنتاجية الفائضة». فإذا كان التفوق الصناعي في دولة ما يعد إنجازا وابتكارا، فلماذا يصبح «صدمة» عندما يتعلق الأمر بالصين؟ فإن ما يتعرض للاهتزاز ليس السوق، بل مبدأ العدالة الذي يفترض أن تقوم عليه قواعد السوق نفسها.
وتروج بعض الأصوات أيضا لفكرة أن نمو الصناعة الصينية يضيق فرص التنمية أمام دول الجنوب العالمي. لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك تماما. فالكثير من الدول النامية ظلت لعقود حبيسة التقسيم التقليدي للعمل الدولي، ومحصورة في حلقات منخفضة القيمة من سلاسل الصناعة العالمية. وما كان يحد من تطورها لم يكن صعود الصين، بل محدودية فرصها في الارتقاء الصناعي.
وخلال السنوات الأخيرة، عملت الصين، من خلال بناء المناطق الصناعية المشتركة، وتعزيز التعاون التكنولوجي، وتطوير سلاسل الصناعة والإمداد، على تقاسم خبراتها وقدراتها الصناعية مع عدد متزايد من الدول النامية، بما وفر لها فرصا أوسع للتصنيع والتحديث. ومن هذا المنطلق، لم تقدم الصين منافسة إقصائية، بل فتحت آفاقا جديدة للتنمية المشتركة. وبالنسبة إلى كثير من دول الجنوب العالمي، لم يعد «صنع في الصين» يعني مجرد منتجات أفضل بأسعار معقولة، بل أصبح يمثل أيضا فرصة جديدة للارتقاء الصناعي، والتعاون التقني، وتحقيق التنمية الاقتصادية.
لقد ظلت الانفتاح والتعاون دائما الاتجاه الصحيح للعولمة الاقتصادية، كما ظلت المنافسة العادلة الركيزة الأساسية لاقتصاد السوق. ولذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه عند الحديث عن «الصدمة الصينية 2.0» ليس ما إذا كانت الصين تمتلك القدرة التنافسية، بل ما إذا كان العالم لا يزال مستعدا لاحترام قوانين السوق وصون المنافسة العادلة. فعندما تُسيَّس المزايا التنافسية، ويُنظر إلى التنمية الصناعية من خلال اعتبارات أيديولوجية، فإن الخاسر لن يكون دولة بعينها، بل استقرار سلاسل الصناعة والإمداد العالمية، والزخم الذي يحتاج إليه الاقتصاد العالمي لاستعادة نموه.
في نهاية المطاف، فإن ما يسمى «الصدمة الصينية 2.0» لم يهز السوق العالمية، بل هز نمطا اعتادت فيه قلة من الدول احتكار الصناعات المتقدمة ومواقع الهيمنة في سلاسل القيمة العالمية. وما يحتاج المجتمع الدولي إلى حمايته اليوم ليس الامتيازات الاحتكارية لأي طرف، بل سوق عالمية أكثر انفتاحا وشمولا، وبيئة تنافسية أكثر عدلا وشفافية، وحق جميع الدول، ولا سيما الدول النامية، في المشاركة في ثمار التنمية والتحديث. فبقدر ما يختار العالم الانفتاح بدلا من الانغلاق، والتعاون بدلا من المواجهة، والمنافسة بدلا من الاحتواء، يصبح الاقتصاد العالمي أكثر قدرة على تحقيق تنمية مستقرة ومستدامة تعود بالنفع على الجميع.


















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
الميدان تهنيء الكاتبة الصحفية صفاء الشاطر بنجاج كريمة أخيها في الثانوية العامة
«الميدان» تهنئ الأستاذ محمد المسلمانى بنجاح كريمته ندا في الثانوية العامة
محاسب محمد ثروت عبد النبي يقدم التعازي للمهندس هشام أباظة في وفاة...
إلى رئيس الوزراء ووزير الري ومحافظة الوادي الجديد: أنقذوا 200 أسرة يقتلها...