الانتحار… وجه القهر الأخير
محمود أبو السعود
تتكرر مأساة الانتحار كأنها مشهدٌ لا ينتهي، خبرٌ حزين يتجدد كل يوم بأسماء مختلفة ووجوهٍ لا نكاد نعرفها إلا بعد الرحيل، لم تعد الحكاية حادثًا فرديًا عابرًا، بل أصبحت جرحًا مفتوحًا في قلب المجتمع، ينزف بصمتٍ مؤلم، ويكشف عن قسوةٍ تتسلل إلى تفاصيل حياتنا دون أن نشعر، وفي قلب هذا المشهد المؤلم، كانت بسنت واحدة من ضحايا هذا الصمت القاتل، صوتًا انكسر قبل أن يُسمع، وحلمًا انطفأ قبل أن يكتمل.
لم تمت بسنت فقط، بل انطفأ صوت كان يطلب النجاة ولم يجده، سقطت تحت ثقل أيامٍ كانت أقسى من أن تُحتمل، ومضت في صمتٍ يشبه الخذلان، وكأن العالم كله أغلق أبوابه في وجهها في اللحظة التي كانت تحتاج فيها بابًا واحدًا فقط، بابًا يُنقذها، كانت مثلنا، تمشي بين الناس، تبتسم أحيانًا، وتخفي كثيرًا، لم تكن قصتها تُروى على الملأ، بل كانت تُكتب داخلها، سطرًا من الألم بعد سطر، حتى امتلأت الصفحة ولم يعد هناك مكانٌ للصبر، وحين ضاق بها كل شيء، لم تجد يدًا تُمسك بها قبل السقوط، فسقطت.
لكن الوجع الحقيقي لا يقف عند بسنت، بل يمتد إلى أولئك الذين ما زالوا هنا، يبتسمون بنفس الطريقة، ويخفون نفس العاصفة، في كل شارع، في كل بيت، في كل قلبٍ مُنهك، هناك حكاية تشبهها، هناك روح تتآكل ببطء، وهناك إنسان يقف على الحافة، يتظاهر بالقوة بينما هو ينهار من الداخل، كم من بسنت تجلس الآن في غرفتها، تُفكر في الهروب من كل هذا الثقل، وكم من شخص يبتلع دموعه لأنه لا يجد من يفهمه، وكم من روح تُعذبها الحياة يوميًا دون أن يسمع أنينها أحد.
المأساة ليست لحظة النهاية بقدر ما هي الطريق الطويل إليها، طريق مليء بالوحدة والخذلان والكلمات التي لم تُقال، وبالأحضان التي لم تأتِ في وقتها، طريق يشعر فيه الإنسان أنه زائد عن هذا العالم، أنه لا يُرى، لا يُفهم، لا يُحتمل، والأشد ألمًا أن كثيرين كانوا يستطيعون إنقاذها لو انتبهوا، لو سأل أحدهم بصدق، لو استمع دون حكم، لو اقترب دون قسوة، ربما كانت بسنت ما زالت هنا، ربما كانت تحاول من جديد، تضحك وتبكي، لكنها على الأقل كانت حية.
نحن لا نُدرك حجم الكارثة لأن الألم صامت، لا نسمع الانكسار حين يحدث داخل القلوب، ولا نرى السقوط إلا بعد أن يصبح خبرًا. لكن الحقيقة أن هناك أرواحًا تُطفأ كل يوم ببطءٍ موجع دون ضجيج، بسنت لم تكن تريد الموت، كانت تريد أن يتوقف هذا الألم، كانت تبحث عن لحظة راحة، عن شعور بالأمان، عن صوت يقول لها أنا معكِ لن أترككِ، لكنها لم تجده، وهذا ما يُحزن أكثر من الرحيل نفسه.
اقرأ أيضاً
جهاز العبور الجديدة… إنجازات تُغير الخريطة
مدحت بركات: مشروع البشوات في سفنكس ينطلق بعد حسم نزاع قديم مع الزراعة.. ولم يكن يومًا مع هيئة المجتمعات العمرانية
المفتي: مقاصد الشريعة منهج إلهيٌّ لصَون المجتمع وحفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال
إرادة لا تعرف المستحيل… الدكتور أحمد زكريا نموذجاً ملهما للعمل المجتمعي في الإسكندرية
احتفالية مميزة باليوم العالمي للمرأة بحضور سفيرة فلسطين ونخبة من الشخصيات الدبلوماسية والمجتمعية
حصول مجلة بحوث الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي على الترقيم الدولي (ISSN)
رابطة شباب العزيزية لعمل الخير تنظم حفل براعم الصائمين
وجعٌ بلا شهود… ونهاية بلا رحمة
أريزونا تمنح سهير بوخماس الدكتوراه الفخرية للشرق الأوسط 2026 تقديرًا لمساهماتها في الأعمال والتمكين المجتمعي
«ماسة العرب 2026» تكرّم الإعلامية والكاتبة أميرة الحسن لدورها البارز في العمل المجتمعي
بلقيس النّدابية تتوّج بجائزة «ماسة العرب 2026» تقديرًا لإسهاماتها المتميزة في تمكين المرأة والعمل المجتمعي
جامعة كامبريدج تختار لينا أحمد حجار سفيرة للنوايا الحسنة تقديرًا لإسهاماتها المجتمعية
رحلت بسنت، وتركت خلفها سؤالًا ثقيلًا يطاردنا جميعًا، هل كنا سنفعل شيئًا لو رأينا وجعها في الوقت المناسب، أم كنا سنمر كعادتنا ونؤجل الاهتمام حتى يصبح متأخرًا جدًا. الحزن هنا ليس على بسنت وحدها، بل على عالمٍ أصبح قاسيًا إلى هذا الحد، عالمٍ يُرهق أضعفنا ويطلب منهم الصمود، بينما لا يمنحهم أسبابًا كافية للبقاء.
فإن كانت بسنت قد رحلت، فهناك من لا يزال يقف على الحافة الآن، ينتظر كلمة أو نظرة أو اهتمامًا صادقًا، أي شيء يُقنعه أن الحياة ما زالت تستحق. لا تتركوا أحدًا يصل إلى هذه اللحظة، لا تؤجلوا الرحمة، لا تستهينوا بألمٍ لا ترونه، لأن كل روح تُفكر في الرحيل لم تكن تريد النهاية، كانت فقط تريد حياةً أقل قسوة وقلبًا يحتويها قبل أن تضيع.
وفي النهاية، لا يبقى من الحكاية سوى صمتٍ ثقيل، صمت يملأ الأماكن التي كانت فيها بسنت، ويُثقل القلوب التي لم تنتبه إلا بعد فوات الأوان، يرحل الأشخاص، لكن وجعهم يظل معلقًا في الهواء، كأنينٍ لا يسمعه أحد، وكذكرى تُطارد كل من تأخر في السؤال، وكل من ظن أن الصمت يعني أن الأمور بخير. تمضي الحياة، نعم، لكنها لا تمضي كما كانت، يظل هناك فراغ لا يُملأ، وندم لا يُمحى، وسؤال مؤلم يتكرر بلا إجابة، ماذا لو انتبهنا قبل أن ترحل، ماذا لو قلنا الكلمة التي تأخرت، هكذا تنتهي الحكايات التي لم تجد من يحتويها، لا بضجيج، بل بانكسارٍ هادئ، ودمعةٍ تسقط في الظلام، دون أن يراها أحد.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
أجمل التهاني للنقيب مصطفى الشناوي بمناسبة زفاف نجلته
«الميدان» ينعى وفاة شقيقة اللواء أحمد شاكر رئيس مدينة بلبيس
مائدة الخير” بالعطارين.. تجمع إنساني يعكس روح التكافل بحضور قيادات سياسية وتنفيذية