مالك السعيد المحامي يكتب: بين التوقيف الجنائي وتنفيذ أحكام التعويض.. دور الإنتربول وحدود سلطاته في قضايا الحوادث وإصابات العمل
تحديد الطبيعة القانونية لاختصاص المنظمة الدولية للشرطة الجنائية «الإنتربول» من المسائل التي يحيط بها قدر كبير من الالتباس، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بوقائع الحوادث وإصابات العمل والوفاة والإصابات الجسدية وما قد ينشأ عنها من مطالبات بالتعويض. فالخلط بين الدعوى المدنية أو العمالية الرامية إلى الحصول على تعويض، وبين الجريمة التي قد تكون قد نشأت عنها الواقعة ذاتها، يؤدي أحيانًا إلى تصور غير صحيح مؤداه أن الإنتربول يستطيع إصدار أوامر دولية بإلزام شخص بدفع تعويض، أو ملاحقته دوليًا لمجرد امتناعه عن تنفيذ حكم تعويض مدني أو عمالي، وهو تصور لا يتفق مع الطبيعة القانونية للإنتربول ولا مع نظامه الأساسي وقواعده المنظمة لمعالجة البيانات والتعاون الشرطي الدولي.
الإنتربول، وفقًا لطبيعته القانونية، هو المنظمة الدولية للشرطة الجنائية، وهي منظمة حكومية دولية تضم حاليًا 196 دولة عضو، ولكل دولة مكتب مركزي وطني للإنتربول «NCB» يمثل حلقة الاتصال بين أجهزة الشرطة الوطنية وبقية المكاتب والأمانة العامة للمنظمة. وتتمثل الوظيفة الأساسية للمنظمة في تمكين أجهزة إنفاذ القانون في الدول الأعضاء من تبادل المعلومات الشرطية والجنائية، ودعم التعاون الدولي في تعقب الأشخاص المطلوبين وتحديد هوياتهم وأماكن وجودهم وتبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم والمجرمين، وليس إنشاء قضاء دولي للفصل في المنازعات المدنية أو العمالية.
ومن الناحية الفنية، تعتمد الدول الأعضاء في اتصالها بالإنتربول على شبكة اتصالات شرطية آمنة تعرف باسم «I-24/7»، تتيح تبادل البيانات والوصول إلى قواعد البيانات والخدمات بصورة آنية بين المكاتب المركزية الوطنية والأمانة العامة، وهو ما يجعل الإنتربول أداة للتعاون الشرطي العابر للحدود، وليس سلطة قضائية دولية مستقلة تتولى إصدار أحكام أو تقدير قيمة التعويضات أو إلزام المدينين بالسداد.
وتنبني هذه النتيجة على قاعدة جوهرية هي أن اختصاص الإنتربول يرتبط أساسًا بالتعاون الشرطي في مواجهة الجريمة، بينما يظل الاختصاص القضائي في تحديد المسؤولية المدنية أو العمالية وتقدير الضرر وقيمة التعويض وتنفيذ الأحكام خاضعًا للقانون الوطني المختص أو لقواعد الاختصاص القضائي الدولي والاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف ذات الصلة. ومن ثم، فإن مجرد وجود حادث سيارة أو إصابة عامل أو وفاة بسبب حادث عمل لا ينقل النزاع تلقائيًا إلى نطاق الإنتربول، ولا يجعل المنظمة جهة مختصة بتحصيل التعويض أو تنفيذ الحكم الصادر به.
والأصل الأكثر أهمية في هذا السياق أن «النشرة الحمراء» Red Notice، وهي أكثر أدوات الإنتربول شهرة، ليست مذكرة توقيف دولية، وإنما هي طلب إلى أجهزة إنفاذ القانون في الدول الأعضاء لتحديد مكان شخص مطلوب واتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون الوطني، بما قد يشمل التوقيف المؤقت تمهيدًا للتسليم أو الإجراء القانوني المماثل. وتوضح المنظمة صراحة أن الشخص محل النشرة الحمراء ليس مطلوبًا من الإنتربول ذاته، وإنما مطلوب من الدولة الطالبة أو من محكمة دولية مختصة، وأن الإنتربول لا يستطيع إجبار دولة عضو على القبض عليه.
وتترتب على هذه القاعدة نتيجة بالغة الأهمية في قضايا تعويضات الحوادث والعمل، وهي أن صدور حكم مدني أو عمالي نهائي بإلزام شخص أو شركة أو مسؤول بدفع تعويض لا يعني بذاته أن الإنتربول يستطيع إصدار نشرة حمراء لمجرد أن المحكوم عليه لم يدفع المبلغ. فالإنتربول يشترط في النشرات الحمراء أن تتعلق الوقائع بجريمة خطيرة من جرائم القانون العام وأن تكون هناك إجراءات قضائية جنائية مناسبة، كما تستبعد قواعده صراحة بعض المسائل ذات الطبيعة الخاصة أو الإدارية أو الناشئة عن المنازعات الخاصة، ما لم تكن الوقائع الجنائية مرتبطة باستثناءات تسمح بالتعاون الشرطي الدولي.
ومن هنا يجب التفريق بدقة بين «الواقعة المنشئة للتعويض» وبين «الالتزام بالتعويض». فقد تكون الواقعة حادث عمل أدى إلى وفاة عامل، ويترتب عليها في الوقت نفسه حق الورثة في التعويض، وحق العامل أو ذويه في مستحقات التأمين، وربما مسؤولية صاحب العمل أو شركة التأمين أو المتسبب في الحادث. لكن إذا تضمنت الواقعة أيضًا شبهة جريمة، كالتسبب الجنائي في الوفاة، أو الإصابة الخطأ في الحالات التي يجرّمها القانون الوطني، أو التلاعب المتعمد في مستندات التأمين، أو الاحتيال، أو الهروب من العدالة بعد صدور أمر قضائي جنائي، فإن الجانب الجنائي يمكن أن يصبح محل تعاون دولي بين أجهزة الشرطة، وهنا يمكن أن تظهر أدوات الإنتربول بحسب شروط النظام والقانون الوطني المختص.
وبعبارة أكثر دقة، لا يتحول التعويض إلى «قضية إنتربول» بسبب قيمة المبلغ أو بسبب وجود حكم قضائي أجنبي، وإنما قد تدخل عناصر معينة من الملف في نطاق التعاون الشرطي الدولي إذا كانت هناك جريمة جنائية حقيقية تدخل في اختصاص أجهزة إنفاذ القانون، وكان الشخص المطلوب ملاحقًا جنائيًا وفق الإجراءات القانونية، وكانت البيانات والطلبات مستوفية لشروط الإنتربول.
وهذا الفارق له أهمية خاصة في قضايا إصابات العمل الدولية، لأن العامل قد يعمل في دولة، بينما تكون الشركة أو المقاول أو شركة التأمين في دولة أخرى، وقد يقع الحادث في دولة ثالثة، وقد ينتقل المسؤول إلى دولة رابعة. وفي هذه الحالة توجد مسألة «اختصاص قضائي» ومسألة «تنفيذ حكم» ومسألة «تعاون شرطي» ومسألة «تسليم أو استرداد شخص مطلوب»؛ وهي مسائل مختلفة قانونًا ولا يجوز دمجها في إجراء واحد.
فإذا كان النزاع متعلقًا فقط بمطالبة العامل بمستحقات مالية ناشئة عن إصابة عمل أو مكافأة أو معاش أو تعويض تأميني، فإن الطريق الطبيعي يكون أمام الجهة القضائية أو التأمينية أو العمالية المختصة، بحسب القانون واجب التطبيق. وإذا صدر حكم نهائي بالتعويض وكان المحكوم عليه موجودًا في دولة أخرى، فقد تنشأ الحاجة إلى إجراءات الاعتراف بالحكم الأجنبي وتنفيذه في الدولة التي توجد بها أموال المدين، وفق قواعد تلك الدولة والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وليس عن طريق مطالبة الإنتربول بتحصيل المبلغ.
أما إذا كان المدين قد ارتكب جريمة مستقلة، فإن الوضع القانوني يختلف. فإذا ثبت مثلًا أن الواقعة ليست مجرد إخلال مدني أو عمالي وإنما تضمنت احتيالًا جنائيًا أو تزويرًا أو اختلاسًا أو جريمة أخرى من الجرائم التي يعاقب عليها القانون الجنائي، وكانت هناك إجراءات جنائية وأمر قضائي مستوفٍ للشروط، فقد تطلب السلطات المختصة من مكتبها المركزي الوطني التعاون عبر قنوات الإنتربول، وقد تكون إحدى أدوات المنظمة، بحسب طبيعة الواقعة ومرحلتها، هي النشرة الحمراء أو إحدى النشرات أو التعميمات الأخرى أو الرسائل الشرطية الدولية.
والفارق بين هذه الحالات ليس شكليًا، بل يتعلق بأساس الاختصاص نفسه. فالنشرة الحمراء، وفقًا للإنتربول، تصدر بناءً على طلب دولة عضو وتستند إلى مذكرة توقيف أو أمر قضائي صادر عن السلطات القضائية في الدولة الطالبة، وتكون موجهة إلى تحديد مكان الشخص والقبض المؤقت عليه تمهيدًا للتسليم أو إجراء قانوني مماثل. ومع ذلك، تبقى للدولة التي يوجد فيها الشخص سلطة اتخاذ قرار القبض وفق قانونها الوطني؛ فلا يوجد في نظام الإنتربول ما يجعل النشرة الحمراء بذاتها أمر قبض نافذًا تلقائيًا في جميع الدول.
وهنا تظهر أهمية قاعدة السيادة القضائية للدول الأعضاء، إذ إن الإنتربول لا يحل محل الشرطة الوطنية ولا محل النيابة العامة ولا المحاكم الوطنية. وحتى عندما تكون هناك نشرة حمراء، فإن تنفيذها العملي يتم بواسطة أجهزة الدولة التي يوجد فيها الشخص، ووفق قوانينها وإجراءاتها، وليس بواسطة موظفين تابعين للإنتربول. وقد أكدت المنظمة صراحة أن أمانتها العامة لا ترسل ضباطًا للقبض على الأشخاص محل النشرات الحمراء، وأن سلطة القبض تعود إلى أجهزة إنفاذ القانون في الدولة التي يوجد فيها الشخص.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر عندما يكون محل النزاع حكمًا بالتعويض صادرًا في دعوى مدنية أو عمالية. فالإنتربول لا يملك سلطة تقدير ما إذا كان التعويض المستحق 100 ألف أو مليون دولار، ولا يملك تحديد نسبة العجز أو قيمة الأجر المفقود أو التعويض عن الضرر الأدبي أو المادي، ولا يفصل في مدى مسؤولية صاحب العمل أو شركة التأمين أو المتسبب في الحادث. كما لا يملك إصدار حكم دولي يلزم شركة تأمين أجنبية بالسداد، ولا يستطيع أن يحجز أموال المحكوم عليه أو يبيع ممتلكاته أو يحولها إلى صاحب الحق.
وحتى إذا كان الحكم المدني أو العمالي نهائيًا واجب النفاذ في الدولة التي صدر فيها، فإن مرحلة التنفيذ خارج الإقليم تحتاج عادة إلى سند قانوني يسمح بالاعتراف بالحكم وتنفيذه في الدولة الأجنبية، أو إلى دعوى أو إجراء تنفيذي أمام سلطات تلك الدولة، بحسب نظامها القانوني والاتفاقيات السارية بينها وبين الدولة التي صدر فيها الحكم. وهذه الوظيفة تقع في مجال التعاون القضائي والمدني والإنفاذ الوطني للأحكام، وليس ضمن الوظيفة الأساسية للإنتربول.
ومن الأخطاء الفنية الشائعة كذلك الاعتقاد بأن وجود شخص في الخارج مع صدور حكم تعويض ضده يكفي لطلب «نشرة حمراء». والحقيقة أن الإنتربول يضع قيودًا جوهرية على النشرات الحمراء، ويقرر أن المخالفات ذات الطبيعة الإدارية أو المنازعات الخاصة لا تصلح في الأصل أساسًا للنشرة الحمراء، مع وجود استثناءات عندما تكون النشاطات الجنائية مرتبطة بتسهيل جريمة خطيرة أو بالجريمة المنظمة. وتذكر المنظمة ضمن الأمثلة على المسائل التي لا يجوز أن تكون أساسًا للنشرة الحمراء المخالفات المرورية والتشهير وبعض صور إصدار الشيكات دون رصيد عندما لا توجد نية احتيالية أو خبيثة عند الإصدار.
وبالقياس القانوني نفسه، فإن الخلاف حول قيمة تعويض حادث، أو تفسير عقد تأمين، أو تحديد صاحب المسؤولية عن إصابة عامل، أو النزاع بشأن قيمة مكافأة أو مستحقات مالية، لا يصبح جريمة دولية لمجرد وجود عنصر أجنبي فيه. فالعنصر الدولي في النزاع لا يكفي وحده لإنشاء اختصاص للإنتربول؛ إذ يجب أن توجد طبيعة جنائية تدخل في مجال التعاون الشرطي، وأن تكون الإجراءات التي اتخذتها الدولة الطالبة متوافقة مع قواعد المنظمة.
ومن الناحية المؤسسية، تقوم المكاتب المركزية الوطنية «NCBs» بدور محوري في هذه المنظومة؛ فهي نقاط الاتصال الرسمية بين أجهزة الشرطة الوطنية والإنتربول، وتعمل على تبادل المعلومات وطلبات التعاون مع المكاتب المركزية في الدول الأخرى. وتضم شبكة الإنتربول 196 مكتبًا مركزيًا وطنيًا في الدول الأعضاء، وهو ما يوفر بنية مؤسسية واسعة للتعاون الشرطي العابر للحدود.
وتتعدد أدوات التعاون داخل منظومة الإنتربول، ولا تقتصر على النشرة الحمراء. فهناك النشرة الزرقاء للحصول على معلومات إضافية عن هوية شخص أو موقعه أو أنشطته في إطار تحقيق جنائي، والنشرة الصفراء للمساعدة في تحديد مكان الأشخاص المفقودين، والنشرة الخضراء للتحذير من أنشطة إجرامية لشخص قد يمثل خطرًا على السلامة العامة، إلى جانب النشرات الأخرى والتعميمات أو «Diffusions» التي تستخدمها المكاتب المركزية الوطنية في تبادل طلبات التعاون والتنبيهات.
ومن الناحية العملية، قد تكون النشرة الزرقاء أكثر ارتباطًا ببعض مراحل التحقيق الدولي من النشرة الحمراء عندما تكون السلطات بحاجة إلى جمع معلومات عن شخص محل تحقيق جنائي دون أن تكون شروط طلب التوقيف الدولي متوافرة. كما يمكن استخدام قنوات الإنتربول لتبادل المعلومات الشرطية والتحقق من الهوية أو السفر أو بعض البيانات ذات الصلة بالتحقيق، لكن ذلك كله يظل مرتبطًا بتحقيق جنائي وبصلاحيات السلطات الوطنية، ولا يتحول إلى وسيلة مستقلة لتحصيل الديون أو التعويضات.
وتخضع البيانات التي تتم معالجتها عبر منظومة الإنتربول لقواعد خاصة بمعالجة البيانات، وقد وضعت المنظمة نظامًا تفصيليًا يحكم معالجة البيانات وتبادلها واستخدامها، بهدف الجمع بين كفاءة التعاون الشرطي واحترام الحقوق الأساسية للأشخاص الذين تتم معالجة بياناتهم. كما أن طلبات النشرات والتعميمات تخضع لمراجعة قانونية وعمليات فحص للتأكد من توافقها مع قواعد المنظمة.
وتكتسب المادة الثانية والمادة الثالثة من دستور الإنتربول أهمية مركزية في هذا المجال؛ فالمادة الثانية ترتبط بمبدأ قيام المنظمة بمهامها في روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بينما تحظر المادة الثالثة على المنظمة القيام بأي تدخل أو نشاط ذي طابع سياسي أو عسكري أو ديني أو عنصري. وتقوم آلية المراجعة داخل المنظمة بفحص طلبات النشرات والتعميمات للتأكد من توافقها مع هذين المبدأين وغيرهما من القواعد المنظمة.
وتتولى «فرقة المهام المعنية بالنشرات والتعميمات» مراجعة طلبات النشرات والتعميمات للتحقق من مدى توافقها مع قواعد الإنتربول، وهي فرقة متعددة التخصصات تضم قانونيين وضباط شرطة ومتخصصين في العمل العملياتي، وهو ما يكشف أن إصدار النشرة ليس إجراءً آليًا بمجرد تقديم طلب من دولة عضو، وإنما يخضع لفحص قانوني ومعلوماتي قبل إدخاله في منظومة المنظمة.
وتؤكد قواعد معالجة البيانات أيضًا أن نظام «Diffusions» يشمل طلبات للتوقيف أو الاحتجاز أو تقييد حركة شخص متهم أو مدان، وطلبات لتحديد الموقع أو التتبع أو الحصول على معلومات إضافية أو لأغراض التعريف أو التحذير أو تبادل المعلومات، وأن إرسال هذه التعميمات يخضع للشروط العامة المتعلقة بإدخال البيانات في قواعد بيانات الشرطة التابعة للإنتربول.
ومن ثم، فإن وجود حكم بالتعويض لا يمنح صاحبه حقًا تلقائيًا في طلب تدخل الإنتربول. فالصفة القانونية لصاحب المصلحة مهمة، وطبيعة الحكم مهمة، ونوع الجريمة المزعومة مهم، ومرحلة الإجراءات الجنائية مهمة، ووجود أمر قضائي جنائي صالح مهم، كما أن الدولة الطالبة يجب أن تقدم المعلومات اللازمة التي تسمح بفحص الطلب وفق القواعد المنظمة.
وفي قضايا الحوادث، يمكن تصور ثلاث صور قانونية مختلفة. الصورة الأولى أن يكون الحادث مجرد واقعة غير عمدية تترتب عليها مسؤولية مدنية أو عمالية أو تأمينية، دون وجود جريمة تبرر التعاون الشرطي الدولي؛ وفي هذه الحالة يكون المسار الصحيح هو الدعوى المدنية أو العمالية أو التأمينية والتنفيذ القضائي، وليس الإنتربول. الصورة الثانية أن تكون الواقعة حادثًا ولكنها تشكل في الوقت ذاته جريمة وفق القانون الوطني، كحالات القتل أو الإصابة الخطأ أو الإهمال الجنائي متى توافرت عناصر التجريم، وهنا يمكن أن تدخل أجهزة الشرطة في التحقيق وأن يظهر دور التعاون الدولي إذا فر المتهم إلى دولة أخرى. أما الصورة الثالثة فتتمثل في وجود جريمة مستقلة مرتبطة بالحادث، مثل الاحتيال التأميني أو التزوير أو اختلاس مبالغ التعويض أو غسل الأموال، وهنا يمكن أن يكون التعاون الشرطي الدولي أكثر وضوحًا متى توافرت شروطه القانونية.
وفي قضايا العمل تحديدًا، ينبغي التفريق بين «إصابة العمل» كواقعة قانونية وبين «الجريمة» التي قد تكون مرتبطة بها. فعدم دفع صاحب العمل تعويضًا محل نزاع أو خلافه مع العامل بشأن نسبة العجز أو استحقاق التأمين قد يكون نزاعًا عماليًا أو مدنيًا، بينما تزوير صاحب العمل مستندات إصابة العامل أو اختلاس أموال التأمين أو اصطناع مستندات كاذبة بقصد الحصول على منفعة غير مشروعة قد يشكل جريمة مستقلة. وفي الحالة الثانية لا يكون الإنتربول هو صاحب الاختصاص في الحكم بالتعويض، لكنه قد يصبح إحدى أدوات التعاون في الجانب الجنائي إذا انتقل المتهم إلى الخارج وتوافرت الشروط القانونية.
كما يجب عدم الخلط بين «القبض» و«التسليم» و«تنفيذ الحكم» و«تحصيل التعويض». فالقبض إجراء من إجراءات إنفاذ القانون، والتسليم أو extradition إجراء قانوني دولي غايته نقل شخص مطلوب إلى الدولة الطالبة وفق قواعد الدولة المطلوب منها التسليم والاتفاقيات ذات الصلة، أما تنفيذ الحكم فهو إجراء قضائي أو تنفيذي غايته اقتضاء الحق من أموال المحكوم عليه. والإنتربول يمكن أن يساعد في المرحلة الشرطية المرتبطة بتحديد مكان شخص مطلوب أو التعاون بشأنه، لكنه لا يحل محل السلطة القضائية التي تصدر الحكم ولا محل سلطات التنفيذ التي تستوفي الأموال.
ومن الناحية الإثباتية، فإن إدراج شخص في قاعدة بيانات الإنتربول أو إصدار نشرة حمراء بحقه لا يعني أن الإنتربول قد أصدر حكمًا بإدانته. فالمنظمة نفسها تؤكد أن الشخص المطلوب للمحاكمة بموجب نشرة حمراء لم تتم إدانته بعد، ويظل متمتعًا بقرينة البراءة إلى أن تثبت إدانته أمام المحكمة المختصة، كما أن الإنتربول لا يعتبر الشخص «مطلوبًا من الإنتربول» وإنما مطلوبًا من الدولة أو المحكمة التي طلبت التعاون.
ولهذا فإن استخدام عبارة «الإنتربول حكم لصالح المتضرر» أو «الإنتربول ألزم الشركة بالتعويض» أو «الإنتربول أصدر حكمًا دوليًا بالقبض على المدين» عبارات غير دقيقة من الناحية القانونية. الأدق أن يقال إن سلطة قضائية وطنية أو دولية مختصة أصدرت أمرًا أو حكمًا، ثم طلبت السلطات المختصة التعاون الدولي عبر قنوات الإنتربول، إذا كان الطلب يندرج ضمن اختصاص التعاون الشرطي وتوافرت شروطه.
وتظهر أهمية هذا التمييز في الحالات التي يكون فيها المحكوم عليه موجودًا خارج الدولة التي صدر فيها الحكم. فإذا كان الهدف هو الوصول إلى أمواله أو عقاراته أو حساباته البنكية في دولة أخرى، فإن الوسيلة القانونية الأساسية تكون من خلال إجراءات الاعتراف بالحكم وتنفيذه والحجز على الأموال وفق قانون الدولة التي توجد فيها الأموال، وقد توجد آليات تعاون قضائي أو إنفاذ مدني عابر للحدود يمكن استخدامها بحسب الحالة. أما وجود الشخص في الخارج وحده فلا يحول حكم التعويض إلى ملف إنتربول.
وفي المقابل، إذا كان المحكوم عليه مطلوبًا جنائيًا أيضًا لتنفيذ عقوبة سالبة للحرية أو لمواجهة اتهام جنائي خطير، فقد تكون النشرة الحمراء إحدى الأدوات الممكنة في إطار التعاون الدولي، ولكن أساسها في هذه الحالة هو الجانب الجنائي، وليس مجرد الحق المالي للمتضرر. وتؤكد قواعد الإنتربول أن النشرات الحمراء موجهة إلى الأشخاص المطلوبين للمحاكمة أو لتنفيذ حكم في جرائم خطيرة من جرائم القانون العام، وليس إلى المدينين المدنيين باعتبارهم كذلك.
ومن الدلالات العملية المهمة أن الإنتربول سبق أن ألغى نشرات حمراء عندما تبين أن استمرارها لم يعد متوافقًا مع القواعد، وأخطرت الدول الأعضاء بذلك وطُلب منها إزالة البيانات ذات الصلة من قواعد البيانات الوطنية. وهذا يبين أن النشرة الحمراء ليست حقًا مكتسبًا دائمًا للدولة الطالبة، وأن استمرارها مرتبط باستمرار توافر شروطها القانونية والمعلوماتية.
كما أن نظام الإنتربول يضع ضوابط على استخدام المعلومات المتاحة من خلال النشرات؛ فالمعلومات المنشورة عن النشرات الحمراء، بحسب المنظمة، لا يجوز استخدامها لأغراض تجارية أو لأي غرض مخالف للغرض المحدد لها، وهو ما يؤكد أن بيانات الإنتربول ليست قاعدة عامة لتحصيل الديون أو الضغط التجاري على الأشخاص أو الشركات.
ومن منظور المحامي الذي يتولى ملف تعويض حادث أو إصابة عمل ذات عنصر دولي، فإن الخطوة الأولى ليست تقديم طلب إلى الإنتربول، وإنما تحديد الطبيعة القانونية للواقعة بدقة: هل نحن أمام مسؤولية مدنية؟ أم نزاع عمالي؟ أم مطالبة تأمينية؟ أم جريمة؟ أم جريمة إلى جانب مسؤولية مدنية؟ وما الدولة صاحبة الاختصاص؟ وأين يوجد المدعى عليه؟ وأين توجد أمواله؟ وهل صدر حكم نهائي؟ وهل هو قابل للتنفيذ في الدولة الأخرى؟ وهل توجد إجراءات جنائية قائمة؟ وهل صدر أمر قبض أو حكم جنائي مستوفٍ للشروط؟
وبعد تحديد هذه العناصر يمكن تحديد الأداة القانونية المناسبة. فإذا كان الهدف تحصيل التعويض، فالمسار هو التنفيذ المدني أو العمالي أو التأميني. وإذا كان الهدف ملاحقة شخص متهم بجريمة وفر إلى دولة أخرى، فقد يكون التعاون الشرطي الدولي مناسبًا. وإذا كان الهدف الاعتراف بحكم أجنبي أو تنفيذه، فينبغي الرجوع إلى قواعد الاختصاص والاعتراف والتنفيذ القضائي في الدولة المعنية. وإذا كان الهدف استرداد أموال ناتجة عن جريمة، فقد تتداخل إجراءات جنائية ومالية وقضائية متعددة، وقد يتطلب الأمر تعاونًا دوليًا بين السلطات المختصة، لكن ذلك لا يعني أن الإنتربول نفسه يصبح جهة حجز أو تحصيل.
ومن الناحية العلمية، يمكن تلخيص حدود الإنتربول في هذا المجال في قاعدة واحدة: «الإنتربول أداة للتعاون الشرطي الدولي، وليس محكمة دولية للتعويضات». فهو يستطيع أن يسهم في تحديد مكان شخص مطلوب، وتبادل المعلومات الشرطية، ودعم التعاون بين أجهزة إنفاذ القانون، واستخدام النشرات والتعميمات وفق شروطها، لكنه لا يحدد المسؤولية المدنية، ولا يحكم بالتعويض، ولا يقدر قيمة الأضرار، ولا يصدر أوامر حجز مدنية، ولا ينفذ الأحكام المدنية أو العمالية بنفسه، ولا يجبر دولة عضو على القبض على شخص محل نشرة حمراء، ولا يتولى بنفسه إجراءات التسليم.
وتزداد أهمية الالتزام بهذه الحدود في الملفات التي تضم عمالًا مصابين أو أسر متوفين في حوادث أو مستحقين لتعويضات عبر الحدود؛ لأن اللجوء إلى الأداة القانونية غير المناسبة قد يؤدي إلى إهدار الوقت وإضعاف الملف بدلًا من تقويته. فالملف الجيد يجب أن يفصل بين الحق في التعويض، والمسؤولية الجنائية، واختصاص المحكمة، وقابلية الحكم للتنفيذ، ومكان أموال المدين، ومكان وجود الشخص المطلوب، وآليات التعاون الدولي المتاحة في كل مرحلة.
كما يجب الانتباه إلى أن الإنتربول لا يعمل من تلقاء نفسه في القضايا الفردية باعتباره جهة تحقيق عالمية مستقلة؛ فالمكاتب المركزية الوطنية هي نقاط الاتصال الأساسية، والطلبات تنشأ من السلطات المختصة في الدول الأعضاء، وتتم معالجتها وفق قواعد المنظمة. ولذلك فإن الملف الذي يريد صاحبه تحريك تعاون دولي يجب أن يبدأ من السلطة المختصة في الدولة صاحبة التحقيق أو الملاحقة، لا من افتراض أن الإنتربول يستطيع إنشاء القضية من تلقاء نفسه.
وبناءً على ذلك، فإن أفضل صياغة قانونية لموقف الإنتربول من تعويضات الحوادث والعمل هي أن «وجود مطالبة بالتعويض أو حكم بالتعويض لا ينشئ بذاته اختصاصًا للإنتربول، وإنما يمكن أن يظهر دور المنظمة بصورة غير مباشرة عندما تتضمن الوقائع عنصرًا جنائيًا دوليًا مستوفيًا لشروط التعاون الشرطي، ويكون هناك طلب صادر عن سلطة وطنية مختصة، وتكون الإجراءات والبيانات متوافقة مع دستور الإنتربول وقواعده».
والنتيجة النهائية أن المتضرر من حادث أو إصابة عمل لا ينبغي أن ينظر إلى الإنتربول باعتباره طريقًا مختصرًا لتحصيل التعويض من شخص هارب أو شركة أجنبية، وإنما يجب بناء استراتيجية قانونية متعددة المراحل: إثبات الواقعة والضرر والمسؤولية، تحديد القانون واجب التطبيق والاختصاص القضائي، الحصول على الحكم أو السند التنفيذي، اتخاذ إجراءات الاعتراف والتنفيذ في الدولة التي توجد فيها أموال المسؤول، وفي الوقت ذاته، إذا كشفت الوقائع عن جريمة جنائية وشخص مطلوب، اتخاذ الإجراءات الجنائية اللازمة وطلب التعاون الدولي عبر القنوات الرسمية، ومنها الإنتربول متى توافرت شروطه.
وبذلك يتضح أن القوة الحقيقية للإنتربول في هذا النوع من الملفات ليست في «إجبار المدين على دفع التعويض»، وإنما في قدرته المؤسسية والتقنية على ربط أجهزة الشرطة في 196 دولة وتبادل المعلومات المتعلقة بالجرائم والمجرمين ودعم التعاون الشرطي الدولي. أما الحق المالي نفسه فيظل حقًا قضائيًا أو تأمينيًا أو عماليًا، وتنفيذه يظل مرتبطًا بالاختصاص القضائي وقواعد التنفيذ في الدول المعنية. وهذا الفصل بين الاختصاص الشرطي والاختصاص القضائي والتنفيذي هو الأساس العلمي الصحيح لفهم دور الإنتربول في قضايا الحوادث وإصابات العمل والتعويضات ذات العنصر الدولي.
كاتب المقال: مالك السعيد المحامي بالنقض والدستورية والإدارية العليا




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائب وسيم عثمان يهنئ رجل الأعمال عماد بريش بمناسبة زفافه
أهالي الهرم ورجال الأعمال يهنئون عائلتي «بدوي» و«بريش» و«صن بيراميدز جروب» بزفاف...
الكاتب الصحفي حازم الملاح يهنئ المهندس أحمد عبد السلام بمناسبة زفاف كريمته
نرمين ميشيل تنعى شقيق الدكتور نزيه رزق رئيس مجلس أمناء مؤسسة «تكفيك...