لم يعد المصري في الخارج ضيف على وطنه… بل شريك في قراره
هناك مؤتمرات تنتهي بانتهاء كلماتها، وأخرى تبدأ بعد إسدال الستار عليها.
والنسخة السابعة من مؤتمر المصريين بالخارج تنتمي إلى النوع الثاني لأنها لم تقم حوارا عابرا مع أبناء الوطن المنتشرين في العالم، بل أعادت تعريف موقعهم داخل معادلة الدولة المصرية.
لسنوات طويلة، كان المصري في الخارج يشعر أن علاقته بوطنه تمر عبر الأوراق والإجراءات والانتظار.
أما اليوم، فقد بدا واضحا أن الدولة تسعى إلى نقل هذه العلاقة من إطار الخدمات إلى إطار الشراكة، ومن الاستجابة للطلبات إلى بناء سياسات تستند إلى ما يقترحه المصريون أنفسهم.
لم يكن المشهد الأكثر أهمية هو حضور الوزراء، رغم دلالته، ولا توقيع بروتوكولات التعاون، رغم قيمتها، وإنما ذلك التحول الهادئ في فلسفة الإدارة فبدلا من أن تتحدث مؤسسات الدولة عن المصريين بالخارج، جلست تستمع إليهم، وتناقشهم، وتفتح أمامهم أبوابا مباشرة للوصول إلى صانع القرار.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للمؤتمر.
فهو لم يعالج مشكلة استخراج وثيقة، أو سرعة إنجاز خدمة، أو إطلاق مبادرة جديدة فحسب، بل حاول معالجة شعور ظل يرافق كثيرا من أبناء الجاليات لسنوات، وهو أن المسافة الجغرافية قد تتحول أحيانا إلى مسافة في التواصل.
فجاء المؤتمر ليقول إن التكنولوجيا، والرقمنة، والحوار المباشر، واللقاءات الدورية، يمكن أن تجعل القاهرة أقرب إلى المصري في فيينا أو سيدني أو تورونتو من أي وقت مضى.
ولعل ما يستحق التوقف أمامه أن المؤتمر لم يعد مناسبة لتقديم الوعود، بل منصة للإعلان عن أدوات تنفيذ واضحة رقمنة للخدمات القنصلية، قنوات اتصال تعمل على مدار الساعة، مبادرات مصرفية وتأمينية، برامج تعليمية وثقافية، وتعاون بين مؤسسات الدولة المختلفة، بما يعكس انتقال الدولة من معالجة الملفات بصورة منفصلة إلى إدارة متكاملة لملف المصريين بالخارج.
ومن موقعنا في النمسا، بدا هذا التحول ملموسا في انطباعات أبناء الجالية المصرية الذين شاركوا في المؤتمر.
لم يكن حديثهم بعد انتهاء الجلسات منصب على أسماء المتحدثين أو عدد الاجتماعات، بل على شعورهم بأن الدولة استمعت إليهم بالفعل، وأن كثيرًا من الأفكار التي طرحت لم تستقبل بوصفها مطالب، وإنما بوصفها فرص لتحسين السياسات والخدمات.
وربما كان المؤشر الأبلغ على نجاح المؤتمر أن صداه امتد إلى من لم يحضره.
فقد تحولت تجارب المشاركين، خلال ساعات قليلة، إلى رسائل تناقلتها الجاليات المصرية في الخارج، مصحوبة بعبارة تكررت كثيرا “ليتنا كنا هناك.” وهو انطباع لا تصنعه الحملات الإعلامية، بل تصنعه التجربة عندما يشعر الإنسان أن حضوره كان سيضيف إلى الحوار، وأن غيابه أفقده فرصة المشاركة في صناعة ما يخصه.
لقد أدركت الدولة المصرية أن أبناءها في الخارج لم يعودوا مجرد مصدر للتحويلات المالية أو امتداد للجاليات الوطنية، بل أصبحوا رصيدا استراتيجيا من الخبرات والعلاقات والمعرفة.
ومن هنا، فإن الاستثمار الحقيقي لم يعد في تقديم خدمة أسرع فحسب، وإنما في بناء الثقة، لأن الثقة هي الاستثمار الأطول عمرا في علاقة الوطن بأبنائه.
ولعل الرسالة الأعمق التي خرج بها المؤتمر لم تكن مكتوبة في توصياته، وإنما ظهرت في تفاصيله حين جلس الوزراء لساعات يستمعون، ويجيبون، ويشرحون، ويتلقون المقترحات دون حواجز.
ففي تلك اللحظات، لم يكن المصري في الخارج متلقيا لسياسة عامة، بل شريكا في صياغتها.
وهكذا، أثبت مؤتمر «مهما اتغربنا… مصر تقربنا» أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تنجزه داخل حدودها، بل أيضا بقدرتها على أن تجعل أبناءها، مهما ابتعدت بهم الجغرافيا، يشعرون بأنهم ما زالوا جزءا من القرار، وشركاء في المستقبل، وأن الوطن لم يعد مكان يعودون إليه… بل علاقة لا تغادرهم أينما كانوا.



















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
الميدان تهنيء الكاتبة الصحفية صفاء الشاطر بنجاج كريمة أخيها في الثانوية العامة
«الميدان» تهنئ الأستاذ محمد المسلمانى بنجاح كريمته ندا في الثانوية العامة
محاسب محمد ثروت عبد النبي يقدم التعازي للمهندس هشام أباظة في وفاة...
إلى رئيس الوزراء ووزير الري ومحافظة الوادي الجديد: أنقذوا 200 أسرة يقتلها...