د. سيد غيث يكتب: ما بين بندقية الصراع ونبضِ الضمير.. مقاربة أدبية ورؤية تنويرية لرواية ”الصراع” للروائي راشد الفزاري
ليست الكتابة عن الصراع كتابةً عن الحرب وحدها، ولا عن الخصومة بين طرفين فحسب، وإنما هي في جوهرها كتابة عن الإنسان حين يجد نفسه واقفًا في منطقة ملتبسة بين الخير والشر، بين القوة والضعف، بين الحق والباطل، وبين الرغبة في البقاء والرغبة في صناعة المستقبل.
ومن هنا تأتي رواية «الصراع» للكاتب راشد الفزاري بوصفها نصًا روائيًا ينطلق من فكرة واسعة تتجاوز حدود الحكاية المباشرة، لتطرح سؤالًا أكثر اتساعًا: هل الصراع قدر إنساني لا ينتهي؟ وهل يمكن للأمم أن تنتقل من موقع الدفاع المستمر إلى موقع الفعل والتأثير؟ وهل تستطيع المجتمعات أن تواجه أعداءها العسكريين من دون أن تواجه في الوقت نفسه مواطن الضعف الموجودة في داخلها؟.
منذ الصفحات الأولى يضع الكاتب القارئ أمام فلسفة خاصة للصراع، إذ يعود به إلى بدايات الوجود، فيربط الصراع بما قبل الإنسان، ثم ينتقل إلى صراع الشيطان مع الإنسان، وإلى قصة قابيل وهابيل، ليصل إلى قناعة مفادها أن الصراع سيظل حاضرًا ما بقيت الحياة وهذا الاستهلال يكشف عن رغبة الكاتب في منح روايته أفقًا فلسفيًا يتجاوز الأحداث الآنية، .ويجعل الصراع ظاهرة متجذرة في الوجود الإنساني.
واللافت أن الكاتب لا يكتفي بتصوير صراع قائم، وإنما يذهب إلى بناء سيناريو مستقبلي افتراضي تدور حوله الأحداث، مع شخصية يمكن للمستقبل، وفق تصور الكاتب، أن يحولها من شخصية متخيلة إلى شخصية واقعية قادرة على تغيير ملامح العالم وكتابة حقبة تاريخية جديدة
وهنا تتضح طبيعة المشروع الروائي؛ فـ«الصراع» ليست رواية حرب بالمعنى التقليدي، وإنما هي رواية ذات طابع سياسي وفكري واستشرافي، تتخذ من شخصية «عزالدين» مركزًا تتحرك حوله مجموعة من القضايا: انهيار المجتمعات، الخيانة، الحرب النفسية، الإعلام، التعليم، الاقتصاد، الوحدة العربية، المقاومة، السلام العالمي، وصراع الأفكار
إن الرواية، في هذا الإطار، تنتمي إلى الكتابة التي تحاول أن تستشرف المستقبل من خلال قراءة الحاضر، وأن تسأل: ماذا لو استمر الصراع؟ وماذا لو امتلكت أمة من الأمم إرادة مختلفة؟ وماذا لو تحول الوعي من حالة التلقي إلى حالة الفعل؟
أولًا: العنوان «الصراع» ودلالته..
اختار الكاتب عنوانًا شديد التكثيف: الصراع
والعنوان هنا ليس مجرد تسمية للنص، وإنما هو مفتاح أساسي لقراءة الرواية كلها؛ لأن معظم مستويات الرواية تتحرك داخل هذه الكلمة
هناك صراع بين الدول وصراع بين الشعوب وصراع بين المقاومة والعدوان وصراع بين الخير والشر وصراع بين الوعي والجهل وصراع بين البناء والهدم وصراع بين العلم والجهل وصراع بين الوفاء والخيانة وصراع بين الحب والواجب وصراع داخل الإنسان نفسه وصراع بين الماضي والمستقبل، وهذه الدائرة الواسعة تجعل العنوان قادرًا على احتواء معظم مكونات النص والأهم أن الصراع في الرواية لا يظهر باعتباره معركة عسكرية فقط، بل بوصفه منظومة متكاملة؛ فالكاتب يضع على لسان عزالدين تصورًا يرى أن الأعداء لا يحاربون بالسلاح وحده، وإنما يستهدفون المجتمع من الداخل، عبر القيم والثقافة والإعلام والتعليم والسلوك الاجتماعي، ويظهر ذلك منذ التفكير الأول لعزالدين في أسباب ضعف بلاده وسبل إصلاح المجتمع
ومن هنا يمكن القول إن العنوان يمتلك طاقة دلالية مركزية؛ فهو يختصر الرؤية الكلية للرواية، ويجعل القارئ منذ البداية يعرف أنه أمام عالم لا تستقر فيه الأشياء، ولا يستطيع الإنسان أن يحقق وجوده إلا عبر مواجهة مجموعة من القوى المتعارضة
ثانيًا: الفكرة المركزية في الرواية
تقوم الفكرة المحورية في «الصراع» على أن هزيمة الأمم لا تبدأ بالضرورة من ميدان المعركة، وإنما قد تبدأ من الداخل
وهذه واحدة من أهم الأفكار التي يبني عليها الكاتب عالمه الروائي فعزالدين، وهو ضابط في جهاز استخبارات، لا يرى أن المشكلة تكمن في القوة العسكرية للعدو وحدها، وإنما يرى أن استمرار الأزمات يرجع كذلك إلى أن بلاده تقف دائمًا في موضع الدفاع، فتنتظر الهجوم ثم تقوم بإصلاح ما يفسده العدو، بدلًا من امتلاك استراتيجية طويلة المدى تمنع تكرار الهجوم
وهنا تتشكل رؤية الرواية في مستويين
المستوى الأول: مواجهة العدو الخارجي
المستوى الثاني: إصلاح الداخل
والكاتب يربط بين المستويين بصورة مباشرة؛ فلا يمكن بناء قوة حقيقية من مجتمع مأزوم، ولا يمكن تحقيق انتصار خارجي من دون إعادة بناء الإنسان في الداخل
ولذلك نرى عزالدين يفكر في إصلاح المجتمع، وإعادة الاعتبار إلى قيم مثل الشهامة والمروءة والوفاء وحفظ الأمانة والرحمة واحترام الكبير والعفو عند المقدرة
وهذه الرؤية تمنح الرواية بعدًا أخلاقيًا واضحًا؛ فالانتصار عند الكاتب ليس انتصارًا عسكريًا فحسب، بل هو انتصار للإنسان على أسباب ضعفه
ثالثًا: عزالدين.. بطل الرواية وصانع مشروعها
تتمحور الرواية بصورة أساسية حول شخصية عزالدين، وهو شاب ثلاثيني، ضابط في جهاز استخبارات، يمتلك حضورًا قياديًا، ووعيًا سياسيًا، وقدرة على التخطيط، إضافة إلى حس .عاطفي وإنساني واضح
ومن الناحية الفنية، فإن عزالدين ليس مجرد شخصية تتحرك داخل الأحداث؛ بل هو حامل الفكرة
فمن خلاله يطرح الكاتب معظم الأسئلة الكبرى في الرواية، وعلى لسانه تأتي معظم الرؤى السياسية والاجتماعية والفكرية
يبدأ عزالدين من التفكير الفردي؛ يجلس في مكتبه، يتابع مشاهد القتل والانفجارات، ويسجل أفكاره في دفتر، ثم ينتقل من التفكير إلى التشاور، ومن التشاور إلى التنظيم، ثم إلى تأسيس «.مجلس الأمة»، ثم إلى بناء المؤسسات، وأخيرًا إلى المواجهة العسكرية والفكرية
وهذه الحركة تجعل الشخصية تمر بمسار تصاعدي التأمل - التخطيط - التنظيم - البناء - المقاومة - القيادة
ومن هنا يصبح عزالدين أقرب إلى النموذج القيادي الذي يريد الكاتب تقديمه
لكن هذه الشخصية تحمل كذلك إشكالية نقدية؛ إذ تبدو في مواضع كثيرة شديدة المثالية، وكأنها تمتلك الإجابة قبل أن تكتمل الأسئلة
فهو قائد، ومفكر، ومخطط، ورجل استخبارات، ومحب، وابن بار، وصاحب رؤية اقتصادية واجتماعية وسياسية، وقائد عسكري، وصاحب موقف أخلاقي
وهذا الاتساع قد يكون مقصودًا لأن الكاتب يريد صناعة شخصية نموذجية، لكنه من الناحية الفنية يطرح سؤالًا حول مدى إنسانية الشخصية الروائية؛ فالشخصية الروائية الأكثر إقناعًا غالبًا هي التي نرى فيها نقاط القوة والضعف معًا، والارتباك والحسم، والخوف والشجاعة، والخطأ والصواب
ومع ذلك، فإن عزالدين يكتسب عمقًا مهمًا حين يدخل في صراعه الداخلي، خصوصًا عندما يتذكر مشاهد الأطفال والضحايا، ويقف في النهاية أمام قرار التفجير، ثم يتراجع تحت تأثير الذاكرة الإنسانية. وهذه اللحظة من أقوى اللحظات الدرامية في الرواية؛ لأنها تكشف أن البطل، رغم كل ما يحمله من غضب، لم يفقد إنسانيته
رابعًا: الصراع الخارجي والصراع الداخلي
من أهم عناصر قوة الرواية أنها لا تجعل الصراع أحادي الاتجاه
فهناك صراع خارجي يتمثل في مواجهة الكيان المعادي، وهناك صراع داخلي يتمثل في محاولة إصلاح المجتمع
لكن الأهم من ذلك هو الصراع الداخلي داخل عزالدين نفسه
فهو يحب سارة، لكنه يشعر أن طبيعة عمله قد تحول بينه وبينها. وفي أحد المشاهد يتعمد تجاهلها رغم حبه لها، ثم يعود إليها لاحقًا، ويعترف بأن حبه قد تحول إلى عشق، لكنه يخشى أن تذبل الوردة إذا ظل بعيدًا عنها..
وهنا تظهر ثنائية جميلة:
الحب في مواجهة الواجب..
عزالدين لا يرفض الحب، لكنه يضع نفسه أمام قضية أكبر من ذاته
ويأتي مشهد الأم في الحوار مع سارة ليؤكد أن الحب عنده ليس حب المرأة وحدها، وإنما حب الأسرة والوطن والقيم أيضًا، حين يجعل أمه هي «المرأة» التي تسكن روحه وتمنحه الأمان
وبذلك يصبح الحب في الرواية ليس عنصرًا رومانسيًا فقط، وإنما جزءًا من المنظومة الأخلاقية للشخصية.
خامساً: سارة ووظيفة البعد العاطفي:
تمثل سارة الجانب الإنساني والعاطفي في شخصية عزالدين
ففي عالم تهيمن عليه المخابرات والحرب والمطاردة والمؤامرات، تأتي سارة لتعيد الشخصية إلى إنسانيتها
وجودها يمنع الرواية من التحول إلى خطاب سياسي عسكري خالص
والمشهد الذي يجمعها بعزالدين تحت المطر من أكثر المشاهد التي تميل إلى اللغة العاطفية والصورة الرومانسية، إذ يستثمر الكاتب المطر والدموع والحب والانتظار في بناء مشهد وجداني، غير أن سارة، من الناحية النقدية، كان يمكن أن تحصل على مساحة أكبر من التطور .الدرامي
فهي في معظم حضورها مرتبطة بعزالدين بوصفها الحبيبة، بينما كان من الممكن أن تتحول إلى شخصية أكثر فاعلية في مشروع الرواية، بحيث يكون لها موقف أو قرار أو دور في الصراع ذاته، وهذا من النقاط التي يمكن تطويرها في صياغة مستقبلية للنص.
سادسًا: عمران.. صورة الخيانة:
إذا كان عزالدين يمثل المقاومة والوفاء، فإن عمران يمثل الوجه المقابل، إنه شخصية الخائن الذي يعيش في الترف، بينما يدفع وطنه ثمن الخيانة
ويقدم الكاتب عمران في إطار شديد الوضوح: قصر، أموال، سيجار، خريطة للعالم العربي، .واتصالات بالجهة المعادية
وهنا يبني الكاتب ثنائية واضحة:
عزالدين = التضحية عمران = الخيانة عزالدين = الوطن
عمران = المصلحة الشخصية عزالدين = البناء
عمران = الهدم
وتزداد أهمية عمران حين يكشف بنفسه عن مشروع تخريبي يستهدف التعليم والقيم والمجتمع، فيقول إن إسقاط التعليم ونشر الجهل وإنتاج نماذج سلبية من المشاهير يمكن أن .يؤدي إلى إضعاف المجتمع
ومن الناحية الرمزية، فإن عمران ليس شخصًا واحدًا فقط؛ بل هو رمز للخيانة حين تتحول .إلى مشروع
سابعًا: «مجلس الأمة» وفكرة الدولة:
من التحولات المهمة في الرواية انتقال عزالدين من العمل الفردي إلى العمل المؤسسي
فبعد أن كان يفكر وحده، يقوم مع أصدقائه بتأسيس ما يسمى «مجلس الأمة»، ثم يبدأ بتوزيع الملفات
الإعلام والصورة الخارجية والاقتصاد والبنية التحتية والأمن الداخلي ومواجهة الخونة والمرجعية الدينية الوسطية، وهذا التحول مهم جدًا لأنه ينقل الرواية من رواية البطل الفرد إلى فكرة بناء الدولة
فالكاتب لا يريد أن يقول إن الوطن ينتصر بشخص واحد، وإنما يحاول أن يطرح فكرة توزيع .الأدوار والتخصص
كما أن اهتمام الرواية بالتعليم والاقتصاد والزراعة والمصانع والشركات يوضح أن مفهوم المقاومة عند الكاتب لا يتوقف عند السلاح، بل يشمل إعادة بناء المجتمع، وهذه من أكثر الأفكار نضجًا في الرواية
ثامنًا: الاقتصاد بوصفه جزءًا من الصراع:
تقدم الرواية رؤية واضحة إلى أن القوة الاقتصادية لا تنفصل عن القوة السياسية والعسكرية
ويظهر ذلك في الحوار حول العملات والتجارة الدولية، وطرح فكرة العملة العربية الموحدة، وتعزيز قطاع التصدير، وتقليل الاعتماد على الدولار، وصولًا إلى تصور اتحاد اقتصادي عربي قادر على المنافسة، وهنا يتسع مفهوم الصراع مرة أخرى، فالصراع ليس بندقية في مواجهة بندقية، وإنما اقتصاد في مواجهة اقتصاد علم في مواجهة جهل، وإعلام في مواجهة إعلام، وثقافة في مواجهة ثقافة، وإرادة في مواجهة إرادة، وهذه الرؤية هي التي تمنح الرواية بعدًا استشرافيًا
تاسعًا: الإعلام والقلم والعلم
من أكثر الرموز وضوحًا في الرواية القلم والعلم والعدالة
فعندما تدور المكالمة بين عمران و«ياعيل»، تأتي العبارة الرمزية "إكسر القلم.. وأمحو العلم.. وأقتل العدالة"، ويفهم عزالدين أن المقصود هو استهداف شخصيات من الصحفيين والعلماء وأصحاب التأثير العام
وهذه من أكثر الجمل دلالة في النص؛ لأنها تختصر فلسفة كاملة، وإذا أُسكت القلم، ضُرب الوعي، وإذا مُحي العلم، انتشر الجهل، وإذا قُتلت العدالة، أصبح الظلم قادرًا على الاستمرار، وهنا ينجح الكاتب في تحويل عناصر مجردة إلى رموز درامية؟
عاشراً: الصحيفة والذرة المشوية.. من المصادفة إلى الدلالة
من المشاهد اللافتة فنيًا في الرواية أن علي يحصل على الصحف، لكنه في الطريق يشتري الذرة المشوية من فتاة، وتقوم الفتاة بلف الذرة في أوراق الجرائد
وعندما يصل علي إلى المكتب، يكتشف عزالدين أن إحدى صفحات الجرائد تحمل مقالًا مهمًا .يقوده إلى الخيط الذي يبحث عنه، وهذه الحادثة تبدو للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تؤدي وظيفة سردية مهمة؛ لأنها تحول تفصيلًا يوميًا عابرًا إلى مفتاح للحبكة
وهذا من التقنيات التي يمكن أن تمنح السرد حيوية، لأن الحقيقة لا تأتي دائمًا من المختبرات والمكاتب؛ أحيانًا تأتي من الصدفة، ومن الشارع، ومن الحياة اليومية
الحادي عشر: الرجل العجوز والصندوق
يُعد ظهور الرجل العجوز والصندوق من أكثر العناصر الرمزية في الرواية
يظهر الرجل في المستشفى، ويسلم عزالدين صندوقًا، ويخبره أنه كلما ضاقت عليه المهمة يفتح الصندوق وينظر إلى ما بداخله، ثم يرحل دون أن يكشف هويته
وهذا المشهد يفتح بابًا واسعًا للتأويل :فالرجل العجوز يمكن قراءته بوصفه رمزًا للحكمة ورمزًا للماضي ورمزًا للضمير ورمزًا للخبرة أو حتى شخصية ذات وظيفة أسطورية داخل البناء الروائي
أما الصندوق فهو رمز شديد القابلية للتأويل؛ لأنه لا يكتسب قيمته من محتواه فقط، وإنما من توقيته، إنه يظهر عندما يعجز البطل، ويصبح الصندوق أشبه بمفتاح داخلي يعيد ترتيب وعيه، والأكثر أهمية أن محتوى الصندوق لا يقود عزالدين إلى مزيد من العنف في النهاية، وإنما يرتبط باستعادة التوازن والهدوء، ثم الوصول إلى لحظة التراجع عن التفجير، وهنا يتحول الصندوق من أداة غامضة إلى رمز للضمير الذي يمنع الإنسان من التحول إلى صورة أخرى من صور العنف
الثاني عشر: الرجل العجوز في قهوة أولاد البلد
من أجمل المقاطع الإنسانية في الرواية ذلك الحوار الذي يدور بين عزالدين والرجل العجوز في المقهى
يدخل العجوز مبتسمًا، فيتعجب عزالدين من سعادته رغم فقره، فيجيبه العجوز بأن الله منحه الصحة والرضا والإخلاص، وأن حاجته عند الله لا عند غيره، ثم يقول إن سعادته لا تباع بكنوز الدنيا، إلا إذا كان ثمنها الجنة، وهنا ينجح الكاتب في تقديم فلسفة مضادة لفلسفة عمران .عمران يمتلك المال لكنه يفتقد السكينة، والعجوز لا يمتلك المال لكنه يمتلك الرضا، وبين الشخصيتين يتشكل سؤال الرواية عن معنى القوة والثروة والسعادة، وهذا المشهد من الممكن اعتباره من المفاتيح الأخلاقية للرواية؛ لأنه يقول إن بناء الأمة لا يكون بالمال وحده، وإنما ببناء الإنسان الذي يعرف قيمة ما يملك
الثالث عشر: الرواية والرسالة الاجتماعية .الرواية تحمل خطابًا اجتماعيًا واضحًا
فالكاتب يرى أن المجتمعات يمكن أن تنهار إذا فقدت منظومة القيم
ويظهر ذلك في المشهد الذي يرى فيه عزالدين الشباب يتشاجرون بسبب لعبة «الدومينو»، فيتعجب من أن يصل الانحدار إلى مرحلة تهديد الدماء بسبب خلاف تافه
وهذا المشهد له وظيفة رمزية
العدو الخارجي لا يستطيع وحده إسقاط المجتمع إذا كان المجتمع قويًا من الداخل
لكن إذا تحول المجتمع إلى حالة من الصراع الداخلي والتفكك الأخلاقي، يصبح أكثر هشاشة .أمام أي تهديد خارجي
وهذه الفكرة تتكرر في الرواية بأشكال متعددة، حتى تصل إلى فكرة الوحدة العربية
الرابع عشر: الوحدة العربية بوصفها مشروعًا
من أبرز الأفكار السياسية في الرواية فكرة الوحدة
فالكاتب يرى أن قوة الأمة في اجتماع عناصر قوتها، ويقدم قصة الأخ الغني الضعيف والأخ الفقير القوي، وكيف يستطيع العدو أن يوقع بينهما حتى يخسر كلاهما، وهذه القصة ليست مجرد حكاية داخل الحكاية؛ بل هي استعارة سياسية مباشرة .الغنى وحده لا يكفي، والقوة وحدها لا تكفي، لكن اجتماع المال والقوة يصنع قدرة أكبر على مواجهة الخصم، ومن هنا يمكن قراءة الرواية بوصفها دعوة إلى بناء القوة من خلال تكامل عناصرها: .الاقتصاد، التعليم، الثقافة، الإعلام، الأمن، الوحدة، والقيم
الخامس عشر: مؤتمر السلام العالمي
يمثل مؤتمر السلام العالمي نقطة تحول في الرواية، فهنا يخرج الصراع من الإطار المحلي إلى الإطار العالمي يذهب عزالدين وذوالفقار إلى المؤتمر، ويلتقيان بشباب أوروبيين يدافعون عن السلام، ثم يلقي عزالدين كلمته، قبل أن تتدخل مجموعة إرهابية وتحوّل المؤتمر إلى مسرح للعنف
ومن الناحية الدلالية، يريد الكاتب أن يقول إن الحرب ليست قضية جغرافية محدودة، وإنما قضية إنسانية عالمية
واللافت أن الرواية لا تجعل الشعوب الغربية كتلة واحدة، وإنما تميز بين الشعوب وبين القوى السياسية أو التنظيمات التي تتبنى سياسات معادية، وهو ما يظهر في الحوار الذي سبق المؤتمر
وهذا التفريق مهم لأنه يمنح الرواية مساحة للحوار مع الآخر بدل اختزاله كله في صورة واحدة.
السادس عشر: حمدان وصوت الضمير العالمي
يقدم الكاتب شخصية حمدان في سياق الاحتجاجات الأوروبية بعد الاعتداء على المؤتمر وحمدان، الذي يعيش في أوروبا، يقارن بين الغضب الذي انفجر بسبب سقوط عدد محدود من الضحايا وبين المآسي الأكبر التي تعيشها بلاده
وحين يقول إن بلاده تشهد كل يوم قتلًا وتهجيرًا ودمارًا، ثم يعلن انتظار «العاصفة» التي تولد من رحم الصمت، فإن الشخصية تتحول إلى صوت احتجاجي يربط بين المأساة المحلية والضمير العالمي، وهذا يجعل حمدان، رغم قصر مساحته، شخصية ذات وظيفة رمزية مهمة.
السابع عشر: «ميم نون» بين المقاومة والرمز
يؤسس عزالدين فرقة قتالية سرية تحمل اسم «ميم نون»، مهمتها مواجهة العمليات المعادية وكشف مخططات الاغتيال وتنفيذ عمليات داخلية وخارجية، ومن الناحية الروائية، تمثل «ميم نون» الانتقال من الفكرة إلى الفعل، لكنها في الوقت نفسه تطرح إشكالية أخلاقية شديدة الأهمية في الرواية: هل يمكن مواجهة العنف بالعنف دون أن يتحول المقاوم إلى صورة من صور خصمه؟
وهذا السؤال لا تجيب عنه الرواية نظريًا بشكل مباشر، لكنها تجيب عنه دراميًا في النهاية
فعزالدين، بعد أن زرع المتفجرات حول مقر خصومه، يتوقف في اللحظة الأخيرة عندما تستعيد ذاكرته صور الأطفال والضحايا، ويقرر عدم الضغط على زر التفجير
وهذه النهاية، في تقديري، من أهم مفاتيح القراءة الأخلاقية للنص؛ فالرواية التي بدأت بالغضب والثأر تصل في لحظتها الحاسمة إلى الضمير
الثامن عشر: أقوى لحظات الرواية.. لحظة التراجع
إذا أردنا البحث عن أكثر لحظة نضجًا من الناحية الدرامية والفكرية في «الصراع»، فإننا سنجدها في المشهد الأخير المتعلق بالتفجير
لقد كان عزالدين قد وصل إلى ذروة القوة .أصبح قادرًا على القضاء على قيادات خصمه .ووضعت المتفجرات، وكان زر التفجير تحت إصبعه، لكن هنا تستدعي الذاكرة صور الأطفال والنساء والجنود والضحايا، ويستعيد مشاهد الألم .التي عاشتها البلاد، ثم يتراجع هذه اللحظة تعيد تعريف البطولة، فالبطل ليس فقط من يستطيع الضغط على الزر، بل ربما يكون البطل الحقيقي هو من يملك القدرة على الضغط ثم يمتلك الشجاعة الأخلاقية لعدم الضغط، وهنا تنتقل الرواية من منطق القوة إلى منطق الإنسانية.
التاسع عشر: الزمن في الرواية
الزمن في «الصراع» ليس زمنًا واحدًا
هناك الماضي.. يظهر في استدعاء التاريخ والذاكرة، ومنها استدعاء عام 1967 ومآسي الجنود في سيناء
والحاضر.. يظهر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، والإعلام، والحروب النفسية، .والاقتصاد العالمي
والمستقبل .. وهو المجال الذي تتحرك فيه الرواية بوصفها تصورًا افتراضيًا لمستقبل الصراع
وبذلك تتحرك الرواية بين ثلاثة أزمنة
ذاكرة الماضي - أزمة الحاضر - احتمال المستقبل
وهذا البناء يمنح الرواية صفة استشرافية واضحة.
العشرون: المكان في الرواية
المكان في الرواية ليس مجرد خلفية
فهناك: المكتب والمنزل والمستشفى والمقهى والشارع والحديقة والمؤتمر والقصر والمقر السري والوطن وأوروبا، وكل مكان يؤدي وظيفة دلالية:
المكتب: مكان التخطيط
البيت: مكان الأسرة والدفء
المقهى: مكان المجتمع البسيط
المستشفى: مكان الضعف والانتظار
المؤتمر: مكان الحوار العالمي
القصر: مكان الترف والخيانة
المقر السري: مكان المؤامرة
وهذا التوزيع المكاني يساعد في بناء الثنائية الأساسية بين عالمين: عالم البناء وعالم الهدم
الحادي والعشرون: اللغة والأسلوب
لغة الرواية تنتمي إلى السرد المباشر، وتغلب عليها اللغة الحماسية والانفعالية :ويستخدم الكاتب بكثافة
علامات التعجب وعلامات الاستفهام والجمل القصيرة والحوارات المباشرة والتكرار والأوصاف الانفعالية والتشبيهات والصور الحركية وهو أسلوب يتناسب مع طبيعة الموضوع الذي يختار الحرب والصراع والانفعال مادة له
ومن أبرز السمات الأسلوبية اعتماد الكاتب على الخطاب المباشر؛ فكثير من الأفكار تأتي عبر الحوارات، لا عبر الوصف وحده، وهذا يمنح النص سرعة في الحركة، لكن من زاوية نقدية، فإن كثافة علامات التعجب والاستفهام، وكثرة الجمل الانفعالية، قد تؤدي أحيانًا إلى رفع منسوب الخطابية على حساب الاقتصاد اللغوي
كما أن بعض الأفكار التي يمكن تركها للقارئ ليستنتجها من الأحداث تُقال بصورة مباشرة .على لسان الشخصيات
وهنا يحتاج النص، في المراجعة الفنية، إلى قدر أكبر من الإيحاء بدل التقرير
فالأدب الأكثر تأثيرًا لا يقول للقارئ دائمًا ماذا يفكر، بل يضع أمامه الحدث والصورة والموقف، ثم يترك له مساحة لاكتشاف المعنى
الثاني والعشرون: الحوار..
استخدم الكاتب الحوار لتقديم:
الأفكار السياسية والرؤى الاجتماعية والمواقف الأخلاقية والعلاقات الشخصية والمعلومات والخطط الصراعات، والميزة الواضحة في الحوار أنه سريع ومباشر، ولا يترك القارئ طويلًا خارج دائرة الأحداث، لكن الملاحظة النقدية الأساسية أن بعض الحوارات تبدو في أحيان كثيرة أقرب إلى المقال السياسي منها إلى الحوار الروائي، فالشخصيات تتحدث أحيانًا بلغة فكرية متماسكة جدًا، وكأنها تقدم محاضرة أو بيانًا سياسيًا، وهذا لا ينتقص من قيمة الأفكار، لكنه يخفف أحيانًا من الإيهام بواقعية الشخصية، والحل الفني هنا ليس حذف الأفكار، وإنما توزيعها على مواقف وأحداث وصراعات، بحيث تتولد الفكرة من الحدث بدل أن تأتي جاهزة في الحوار
الثالث والعشرون: الجانب السياسي
لا يمكن قراءة «الصراع» بعيدًا عن بعدها السياسي
فالكاتب هنا يناقش التالي:
الحرب
الإرهاب
الاحتلال
الخيانة
الإعلام
السياسة الدولية
الحروب النفسية
الاقتصاد
العملات
الوحدة العربية
السلام العالمي
وهذا الاتساع يجعل الرواية أقرب إلى الرواية الفكرية السياسية
لكن هذا النوع من الروايات يواجه تحديًا كبيرًا، وهو كيفية المحافظة على التوازن بين الفكرة والفن
فحين تسيطر الفكرة بصورة كاملة، قد تتحول الرواية إلى خطاب .وحين يسيطر الفن وحده، قد تضيع القضية
وتكمن قوة «الصراع» في أنها تحاول الجمع بين الاثنين، لكنها تحتاج في بعض المواضع إلى زيادة المسافة بين المؤلف والشخصية، بحيث تصبح الشخصيات أكثر استقلالًا في التعبير عن رؤاها..
الرابع والعشرون: الرواية بوصفها رواية أفكار
يمكن تصنيف «الصراع» ضمن ما يسمى رواية الأفكار؛ لأن الكاتب لا يريد فقط أن يحكي ماذا حدث، وإنما يريد أن يناقش كيف تنتصر الأمم؟ كيف تنهار؟، ما دور التعليم؟، ما دور الإعلام؟، كيف تُستغل الانقسامات؟، هل الوحدة ضرورة؟، هل القوة العسكرية وحدها كافية ما قيمة الإنسان في زمن الحرب؟، وهذه الأسئلة هي التي تمنح الرواية قيمتها الفكرية
الخامس والعشرون: البعد الديني والأخلاقي..
الحضور الديني في الرواية ليس هامشيًا
فهو يظهر في الدعاء، وفي الحديث عن الله، وفي قيمة الرضا، وفي احترام الوالدين، وفي الصلاة، وفي مفهوم الجنة، وفي المرجعية الدينية الوسطية التي يقترحها عزالدين ضمن مجلس الأمة
ويأتي مشهد العجوز ليجسد الدين بوصفه مصدرًا للرضا والسكينة، لا مجرد خطاب نظري
كما أن نهاية الرواية تمنح البعد الأخلاقي أهمية أكبر، إذ يصبح استدعاء صور الضحايا سببًا في منع استمرار دائرة القتل
ومن هنا يمكن القول إن الرسالة النهائية للرواية لا تنتهي عند «الانتصار»، وإنما عند الإنسان الذي يجب ألا يفقد إنسانيته أثناء الصراع.
السادس والعشرون: الرموز في الرواية
تزخر الرواية بمجموعة من الرموز:
-الصراع
.رمز لاستمرار التناقض الإنساني والتاريخي
-الصندوق
.رمز للسر والحكمة والضمير والمخرج من المأزق
-الرجل العجوز
.رمز للخبرة والحكمة وربما صوت الضمير
-المطر
.رمز للتطهير والتخفيف واستعادة الحياة
-القهوة.
تتكرر في لحظات التأمل، وكأنها مرتبطة بالهدوء وإعادة ترتيب الأفكار
-القلم
رمز للوعي والمعرفة والصوت الحر
-العلم
رمز للمستقبل
الخريطة
رمز للوطن العربي بوصفه فضاءً سياسيًا واحدًا في رؤية الكاتب
الطفل
رمز للبراءة التي يدفع ثمنها الكبار
والطفل تحديدًا يحتل مكانة مهمة في البنية الأخلاقية للرواية؛ لأن صور الأطفال هي التي تمنع عزالدين من التحول الكامل إلى منطق الانتقام
السابع والعشرون: ثنائية الخير والشر
تعتمد الرواية بصورة واضحة على ثنائية عزالدين / عمران، وهي ثنائية تساعد القارئ على فهم البناء الأخلاقي للنص
عزالدين يختار الوطن وعمران يختار المال
عزالدين يبني وعمران يهدم
عزالدين يحب وعمران يخون
عزالدين يتحمل الألم وعمران يهرب
لكن القيمة الأهم تظهر عندما يتجاوز عزالدين ثنائية «الخير والشر» إلى منطقة أكثر تعقيدًا، فيرفض في النهاية تفجير المقر رغم كونه مقرًا لخصومه، وهنا تصبح الشخصية أكثر إنسانية.
الثامن والعشرون: نقاط القوة الفنية
يمكن تلخيص أبرز نقاط القوة في الرواية في الآتي .أولًا: وضوح القضية المركزية
ثانيًا: اتساع الرؤية من المحلي إلى العالمي .ثالثًا: الجمع بين السياسي والاجتماعي والإنساني.
رابعًا: بناء بطل يمتلك مشروعًا لا مجرد مغامرة
خامسًا: وجود شخصيات متقابلة دلاليًا، مثل عزالدين وعمران
سادسًا: توظيف الرموز، خصوصًا الصندوق والرجل العجوز والقلم والطفل
سابعًا: وجود عنصر التشويق والمطاردة والمؤامرة.
ثامنًا: الانتقال من التفكير إلى التنظيم ثم إلى المواجهة
تاسعًا: الاهتمام بالبناء الاقتصادي والتعليمي، وليس العسكري فقط .
عاشرًا: النهاية الأخلاقية التي تعيد تعريف مفهوم البطولة
التاسع والعشرون: ملاحظات نقدية على البناء الروائي
مع تقدير المشروع الفكري الذي تحمله الرواية، فإن القراءة النقدية الموضوعية تقتضي الإشارة إلى بعض المساحات التي يمكن تطويرها فنيًا
أولًا: زيادة العمق النفسي للشخصيات
الشخصيات الرئيسية تحتاج إلى مساحات أكبر من الصراع النفسي الداخلي، بحيث لا تظهر في صورة الخير المطلق أو الشر المطلق
ثانيًا: تقليل المباشرة
بعض الأفكار السياسية والاجتماعية يمكن تحويلها من خطب وحوارات مباشرة إلى أحداث ومواقف
ثالثًا: تنويع مستويات اللغة
يمكن منح كل شخصية لغتها الخاصة، بحيث نميز لغة الضابط عن لغة الرجل البسيط وعن لغة الخائن وعن لغة الشاب الأوروبي
رابعًا: زيادة حضور الشخصيات النسائية
سارة والأم تؤديان أدوارًا إنسانية، لكن يمكن توسيع أدوارهما لتصبحا أكثر فاعلية في الأحداث
خامسًا: تعميق شخصية عمران
عمران يؤدي وظيفته بوصفه نموذجًا للخيانة، لكن تعميق دوافعه النفسية والاجتماعية كان سيجعله أكثر تعقيدًا وإقناعًا
سادسًا: توسيع العالم الروائي
بما أن الرواية ذات طابع مستقبلي واستشرافي، فإن رسم ملامح العالم المستقبلي بصورة أكثر تفصيلًا سيزيد من قوتها.
الثلاثون: الرواية بين الواقع والمتخيل
واحدة من أهم خصائص «الصراع» أنها لا تفصل تمامًا بين الواقع والمتخيل
فالكاتب يبدأ من فكرة مستقبلية افتراضية، لكنه يضع داخلها أحداثًا وقضايا ومخاوف يعرفها القارئ من واقعه، وبذلك تتحول الرواية إلى نوع من المرايا المستقبلية للحاضر :فهي تقول للقارئ بصورة غير مباشرة إذا استمرت أسباب الضعف، فماذا سيكون المستقبل؟، وإذا أعيد بناء الإنسان، فماذا يمكن أن يكون المستقبل؟ وهذا السؤال هو أحد أهم أسباب أهمية الرواية
الحادي والثلاثون: فلسفة المقاومة في الرواية
المقاومة في «الصراع» ليست ذات مستوى واحد
إنها تبدأ من مقاومة الجهل، ثم مقاومة الانهيار الأخلاقي ثم مقاومة الفقر والضعف الاقتصادي ثم مقاومة الصورة النمطية ثم مقاومة العدوان ثم المواجهة العسكرية، وهذا التدرج مهم جدًا؛ لأنه يقول إن الحرب الحقيقية لا تبدأ من ساحة القتال، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير
الثاني والثلاثون: فلسفة النصر
من اللافت أن الرواية لا تجعل النصر عسكريًا فقط
فحين يحقق عزالدين وأصدقاؤه تقدمًا في الاقتصاد والزراعة والتعليم، يصبح ذلك جزءًا من الانتصار وبالتالي فإن الكاتب يقدم مفهومًا مركبًا للنصر
النصر العسكري + النصر الاقتصادي + النصر الفكري + النصر الأخلاقي
وهذا من أكثر الجوانب التي يمكن البناء عليها نقديًا في الرواية.
الثالث والثلاثون: سؤال الإنسان
رغم كل ما في الرواية من حديث عن السياسة والحرب والمؤامرات، فإن السؤال الأعمق فيها يظل سؤالًا إنسانيًا، ماذا يبقى من الإنسان عندما يطول الصراع؟، فهل يتحول إلى آلة؟هل يصبح الانتقام غايته؟، هل يفقد قدرته على الرحمة؟، هل يصبح الطفل مجرد رقم في تقرير عسكري؟، والرواية تجيب في نهايتها إجابة واضحة: لا ينبغي للإنسان أن يفقد إنسانيته مهما بلغ حجم الصراع، وهذه الفكرة هي التي تمنح النهاية قيمتها الأخلاقية.
الرابع والثلاثون: الرؤية النقدية العامة
يمكن النظر إلى «الصراع» باعتبارها محاولة روائية لبناء يوتوبيا مقاومة؛ أي مجتمع يتخلص من أسباب ضعفه، ويعيد بناء مؤسساته، ويستعيد ثقته بنفسه، ويواجه خصومه
لكن هذه اليوتوبيا لا تقدم في صورة عالم مثالي كامل؛ فالصراع يظل قائمًا، والعدو لا يختفي بسهولة، والخيانة تستمر، والمواجهة لا تنتهي
وهذا يتوافق مع فكرة الكاتب الأولى بأن الصراع قديم قدم الوجود، وأنه سيستمر ما دامت الحياة قائمة ومن هنا يمكن قراءة الرواية على مستويين
المستوى الأول: رواية أحداث ومواجهة
المستوى الثاني: رواية سؤال فلسفي عن طبيعة الصراع نفسه، وفي المستوى الثاني تكمن القيمة الأكبر للنص
الخامس والثلاثون: «الصراع» كرواية تحذير
الرواية في أحد أوجهها رواية تحذيرية إنها تحذر من الاتي:
التفكك
الجهل
تراجع التعليم
انهيار الأخلاق .الخيانة
ضعف الاقتصاد
الانقسام
الاستسلام
ترك الإعلام للآخرين
غياب الوعي
والكاتب يرى أن هذه العناصر إذا اجتمعت، فإنها تجعل المجتمع عرضة للانهيار، لكن الرواية في المقابل تقدم العلاج كما يتصوره الكاتب:
التعليم، والوعي، والوحدة، والاقتصاد، والأخلاق، والتنظيم، والقدرة على الدفاع، والتمسك بالإنسانية.
السادس والثلاثون: القيمة الأدبية والفكرية
تكمن قيمة «الصراع» في أنها رواية لا تريد أن تكون حكاية للتسلية فقط
إنها رواية ذات رسالة:
والرواية ذات الرسالة تظل مطالبة دائمًا بأن تحقق التوازن بين ما تريد قوله وكيف تقوله
وقد نجح راشد الفزاري في بناء مساحة واسعة للأفكار، وربطها بشخصية مركزية وبسلسلة من الأحداث المتصاعدة، كما نجح في إدخال الجانب العاطفي والإنساني إلى جانب الجانب السياسي.
أما المساحة التي تحتاج إلى مزيد من الاشتغال الفني فتتمثل في تعميق الشخصيات، وتقليل المباشرة، وإعطاء القارئ فرصة أكبر لاكتشاف الأفكار من خلال الحدث، وتنويع الإيقاع السردي واللغوي.
وهذه ليست ملاحظات تقلل من قيمة التجربة، وإنما هي ملاحظات يمكن أن تسهم في تطويرها وتعميقها، خصوصًا إذا اتجه الكاتب إلى إصدار طبعة منقحة أو عمل روائي جديد في السياق نفسه.
الخاتمة:
في نهاية هذه القراءة، يمكن القول إن رواية «الصراع» لراشد الفزاري هي نص ينتمي إلى الكتابة التي ترى في الرواية أكثر من مجرد حكاية؛ فهي محاولة لطرح رؤية حول الإنسان والوطن والمجتمع والمستقبل
لقد اختار الكاتب «الصراع» عنوانًا لروايته، لكنه في الحقيقة كتب عن أشياء كثيرة تتجاوز الصراع العسكري المباشر
كتب عن الإنسان حين يخاف، وعن الوطن حين يتعرض للخطر، وعن المجتمع حين تتآكل قيمه، وعن الخيانة حين تتحول إلى تجارة، وعن الحب حين يصطدم بالواجب، وعن العلم حين يصبح هدفًا للعداء، وعن القلم حين يتحول إلى سلاح للوعي، وعن الاقتصاد حين يصبح جزءًا من معركة البقاء، وعن الوحدة حين تصبح ضرورة تاريخية، وعن السلام حين .يصطدم بمن لا يؤمنون به
والرواية، في جوهرها، لا تقول إن القوة غير مهمة؛ بل تقول إن القوة تحتاج إلى إنسان .يعرف كيف يستخدمها، وهنا تأتي أهمية المشهد الأخير، فقد كان بإمكان عزالدين أن ينهي الصراع بضغطة واحدة على زر التفجير، وأن يحسم المواجهة وفق منطق القوة، لكنه توقف توقف لأن صور الأطفال عادت إليه، توقف لأن الذاكرة الإنسانية كانت أقوى من لحظة الغضب، توقف لأنه أدرك، ولو بصورة ضمنية، أن الإنسان إذا قتل ضميره أثناء قتاله عدوه، فقد انتصر في المعركة وخسر نفسه، وهذه، في تقديري، هي الخلاصة الفلسفية الأعمق للرواية إن أعظم انتصار لا يتمثل فقط في إسقاط الخصم، وإنما في ألا تسمح لخصمك أن يحولك إلى .نسخة منه
فالعدو قد يمتلك السلاح، وقد يمتلك المال، وقد يمتلك الإعلام، وقد يمتلك النفوذ، لكن أخطر ما يمكن أن يفعله بالإنسان هو أن ينتزع منه إنسانيته، ومن هنا فإن قرار عزالدين بالتراجع عن التفجير يمكن أن يُقرأ باعتباره لحظة انتصار أخلاقي، وربما يكون أقوى من أي انتصار عسكري حققه طوال الرواية، وهكذا تبدأ الرواية بفكرة أن الصراع قديم قدم الوجود، وتنتهي عند سؤال أكثر أهمية كيف يمكن للإنسان أن يخوض الصراع دون أن يخسر إنسانيته؟، وهذا السؤال يظل مفتوحًا، فالصراع، كما يرى الكاتب، لن ينتهي بسهولة، لكن الإنسان يستطيع أن يختار كيف يصارع، ولماذا يصارع، ومتى يتوقف، وهنا تنتقل الرواية من كونها حكاية عن وطن يواجه عدوًا، إلى كونها حكاية عن الضمير في مواجهة العنف.
إن «الصراع» بهذا المعنى ليست رواية عن الحرب فقط، وإنما رواية عن إرادة البقاء، وإرادة البناء، وإرادة استعادة الإنسان لذاته
وإذا كان راشد الفزاري قد اختار أن يضع شخصية عزالدين في قلب هذا العالم المضطرب، فإن القيمة الرمزية لهذه الشخصية لا تكمن فقط في كونها ضابطًا أو قائدًا أو مخططًا، وإنما في كونها تمثل حلم الإنسان الذي يريد أن يرى وطنه قويًا دون أن يفقد الرحمة، وأن يرى مجتمعه متقدمًا دون أن يفقد قيمه، وأن يرى أمته موحدة دون أن تفقد إنسانيتها ولذلك فإن الرواية في قراءتها النهائية تقف على ثلاث كلمات كبرى وهي: الوعي... والقوة... والضمير، فالوعي يمنع الهزيمة والقوة تمنع الاستسلام، أما الضمير، فهو الذي يمنع الانتصار من أن يتحول إلى هزيمة أخرى
ومن هذه الزاوية يمكن القول إن «الصراع» رواية تحمل مشروعًا فكريًا واضحًا، ورؤية وطنية وإنسانية، وتسعى إلى تحويل الأدب إلى مساحة للتأمل في مستقبل الإنسان والمجتمع والأمة، وربما تكون أهم رسالة يمكن أن يخرج بها القارئ من هذا العمل أن بناء الأوطان لا يبدأ من ميادين القتال، وإنما يبدأ من بناء الإنسان؛ من المدرسة، والكتاب، والأسرة، والقيمة، والاقتصاد، والوعي، والعدل، والقدرة على التمييز بين الصديق والعدو، وبين المقاومة والانتقام، وبين القوة والقسوة.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائب وسيم عثمان يهنئ رجل الأعمال عماد بريش بمناسبة زفافه
أهالي الهرم ورجال الأعمال يهنئون عائلتي «بدوي» و«بريش» و«صن بيراميدز جروب» بزفاف...
الكاتب الصحفي حازم الملاح يهنئ المهندس أحمد عبد السلام بمناسبة زفاف كريمته
نرمين ميشيل تنعى شقيق الدكتور نزيه رزق رئيس مجلس أمناء مؤسسة «تكفيك...