الأحد 30 أغسطس 2026 08:41 مـ 16 ربيع أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

    عرب و عالم

    قمة السيسي وشي جين بينغ.. هل حان وقت الانتقال من الشراكة إلى التصنيع؟

    د.احمد عبداللاه فارس
    د.احمد عبداللاه فارس

    بقلم د.أحمد عبداللاه فارس

    لعل اهتمام المصريين بزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ التى يحل بها ضيفًا عزيزا على القاهرة خلال الساعات القادمة، تعكس مدى أهمية الزائر والزيارة التى تتخطى في جوهرها حدود الأطر البروتوكولية والتبادل التجاري بمفهومه التقليدي؛ لأنها تؤسس لقواعد شراكة أكثر عمقًا تعمل علي تأمين المصالح الحيوية لكلا البلدين، وإرساء نموذج تعاوني في وقت يشهد فيه العالم تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

    وتتضاعف أهمية هذه المحطة الدبلوماسية كونها لا تقف عند رسميات اللقاءات رفيعة المستوى فحسب، بل تُعيد ضخ الدماء في شراكة ممتدة بين حضارتين ضاربتين في عمق التاريخ، تجمعهما اليوم المصالح المتنامية والرغبة المشتركة في تحقيق التنمية والاستقرار. كما تفتح القمة بابًا واسعًا لتعميق التعاون الاقتصادي والتقني، لا سيما مع انضمام مصر الرسمي لتجمع "بريكس" وتزايد ثقل الدور الصيني في الشرق الأوسط.

    وتزداد هذه الزيارة دلالة بالنظر إلى توقيتها؛ فهي تأتي بعد مرور عقد كامل على الزيارة الأولى للرئيس شي إلى القاهرة عام 2016، وفي ظل ظروف جيو-اقتصادية وتحديات إقليمية تفرض مخاطر حقيقية على حركة التجارة الدولية وأمن البحار. ومن هذا المنطلق، تبدو القمة فرصة جادة لتقييم ما أثمرت عنه الشراكة خلال السنوات الماضية، والاتفاق على خارطة طريق عملية لما ينبغي إنجازه في المرحلة المقبلة.

    فالمتابع للمشهد الدولي يدرك أن الزيارات الرئاسية لا تُقرأ بمعزل عن سياقها الزمني؛ ومن هنا تحديدًا يستمد هذا اللقاء وزنه، ليكون بمثابة اختبار عملي لمدى قدرة القاهرة وبكين على الانتقال بالعلاقة من نطاق التفاهمات السياسية والمشاريع الكبرى، إلى مرحلة تشابك أكثر ملاءمة لمستقبل الاقتصاد: التصنيع المحلي، ونقل المعرفة التكنولوجية، وتأمين سلاسل الإمداد، وتوطين الصناعة.

    اقرأ أيضاً

    ولعل من بين ما يمنح هذه الزيارة زخمًا خاصًا، تقاطعها مع مناسبة تاريخية مميزة؛ إذ يحتفل البلدان في عام 2026 بمرور 70 عامًا على تدشين العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهي المسيرة التي ارتقت إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة عام 2014، قبل أن يتفق الطرفان في 2024 على دفعها نحو آفاق أكثر عمقًا.

    البُعد الحضاري والدبلوماسية المتوازنة: أبعاد التقارب بين القاهرة وبكين

    الواقع أن الأرقام الاقتصادية — على أهميتها — لا تختزل وحدها طبيعة العلاقة بين القاهرة وبكين؛ فثمة بعد إنساني وثقافي يمنح هذا التقارب خصوصية ملحوظة، ينبع من كونهما من أقدم الحضارات الإنسانية المتصلة. وقد انعكس هذا التقدير الشعبي والرسمي بوضوح في الشارع المصري، مع انتشار لافتات الترحيب التي جمعت صورتي الرئيسين عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ، في إشارة بصرية تعبر عن مشاعر الود والاهتمام المتزايد بالزيارة.

    ولعل من المشاهد الدالة التي يترقبها المتابعون، تلك الصور المنتظرة للرئيس الصيني — الشغوف بتاريخ الحضارات — في قلب "المتحف المصري الكبير"؛ وهو حدث يجاوز البعد التوثيقي ليرسل رسالة رمزية مفادها أن جسور التواصل الثقافي بين البلدين تزداد صلابة وجاذبية، فضلاً عما يمثله هذا الحدث من قوة دفع مرتقبة لتدفق حركة السياحة الصينية الوافدة إلى مصر بقوة خلال الفترة القادمة.

    وينبع هذا التقارب أيضاً من تقدير مصري أصيل للتجربة الصينية الحديثة ومسارها التنموي، مقابل مكانة توليها الصين لمصر كمركز حضاري وثقل سياسي لا غنى عنه في الإقليم. وتتسق هذه الشراكة مع فلسفة الدبلوماسية المصرية القائمة على تنويع الشراكات وعدم الانحياز؛ فالقاهرة تعير اهتمامًا كبيرًا لعلاقاتها مع واشنطن والدول الأوروبية، وتعتز في الوقت ذاته ببعدها العربي والأفريقي، وتعمل بالتوازي على تطوير علاقاتها مع الصين والقوى الصاعدة دون الدخول في استقطابات حادة، وهي سياسة دولة تعرف مصالحها الاستراتيجية بوضوح.

    في المقابل، تميل الرؤية الصينية إلى بناء علاقات ممتدة تبحث عن الاستقرار والمصالح المتبادلة؛ فمصر بالنسبة لبكين موقع جغرافي وسوق حيوية ومدخل رئيسي لطرق التجارة، فيما ترى القاهرة في بكين شريكًا يملك قدرات تصنيعية وتكنولوجية ضخمة، في إطار من التكامل واستقلالية القرار. وبين هذا التوازن المصري والرؤية الصينية الممتدة، وشعبين تجمعهما مشاعر الود والاحترام، تتشكل فرصة حقيقية لبناء مرحلة جديدة أكثر متانة ونفعًا للطرفين.

    خارطة التحول: الاقتصاد والتكنولوجيا والملفات الإقليمية

    توضح البيانات الرسمية الأخيرة أن النمط الاقتصادي القائم بحاجة إلى مراجعة تخرجه من قالب التبادل التجاري التقليدي؛ فقد بلغ حجم التجارة بين الجانبين نحو 19.52 مليار دولار خلال عام 2025. غير أن هذا الرقم الضخم ينطوي على تباين لافت، يظهر في عجز تجاري غير بترولي قدره 5.43 مليارات دولار لصالح الصين خلال الربع الأخير من عام 2025 وحده.

    وهنا تتجلى الأهمية الاقتصادية للقمة المرتقبة؛ إذ يتلخص الرهان الحقيقي في الانتقال نحو التجميع والتصنيع المحلي، وزيادة المكون المصري، وتأسيس مراكز مشتركة للبحث والتطوير. وهو تحول يمثل أولوية قصوى لمصر، خاصة بعد أن سجلت صادراتها غير البترولية 48.57 مليار دولار في 2025 (بارتفاع 17% عن عام 2024) مقابل واردات إجمالية بلغت 83.01 مليار دولار، مما يجعل تقليل الفجوة عن طريق تعظيم الإنتاج والتصدير خيارًا حتميًا لا مناص منه.

    تُقدم المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نموذجًا تطبيقيًا لما يمكن أن يكون عليه هذا التكامل؛ فقد استطاعت خلال ثلاثة أعوام ونصف جذب استثمارات تقدر بـ 11.6 مليار دولار، بلغت حصة الاستثمارات الصينية فيها نحو 50%. وتبرز منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا» بالعين السخنة كإحدى الركائز الناجحة، باحتضانها أكثر من 200 شركة باستثمارات تقارب 3.8 مليارات دولار، ومبيعات تراكمية تجاوزت 6.6 مليارات دولار، ناهيك عن العقود الجديدة التي شُهدت عام 2025 بقيمة 1.15 مليار دولار في مجالات البوليستر والإطارات والمستلزمات الطبية. وتزداد قيمة هذه القاعدة الإنتاجية ووضوحًا بالنظر إلى التوجه الصيني نحو تطبيق إعفاءات جمركية كاملة على واردات عدد من الدول الأفريقية بحلول مايو 2026؛ وهو معطى يمكن لمصر الاستفادة منه — عبر وجودها في اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) — لتحويل هذه الاستثمارات إلى منصات لتصنيع المنتجات وتصديرها نحو الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

    وعلى الصعيد التكنولوجي والمالي، يتطلب الانتقال لمستقبل أكثر ملاءمة الاستثمار في نقل المعرفة والتدريب التخصصي للمهندسين والباحثين عبر فتح قنوات تعاون بين الجامعات والمراكز البحثية لدى الجانبين في مجالات الذكاء الاصطناعي، تكنولوجيا الاتصالات، الحوسبة السحابية، مراكز البيانات، الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية وبطارياتها. أما القطاعات الأكثر تعقيدًا كصناعة أشباه الموصلات والرقائق، فتتطلب رؤية طويلة الأمد تبدأ خطواتها الأولى بتجميع المكونات، وتأسيس مراكز للاختبار والتصميم لرفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا. وفي الجانب المالي، يمثل توقيع مذكرات التعاون بين البنك المركزي المصري ونظيره الصيني في يوليو 2025 خطوة عملية نحو تطوير البنية المالية المشتركة وتوسيع عمليات مقايضة العملات وتسوية المعاملات بالجنيه واليوان. ورغم أن هذا التوجه يقلل الضغط على الدولار، إلا أن الواقعية تفرض الاعتماد على نظام تسويات متعدد العملات يتيح التعامل بالعملات الوطنية في المعاملات المؤهلة، مع استمرار العمل بالدولار متى اقتضت طبيعة المعاملات التجارية ذلك.

    وأما سياسيًا وأمنيًا، فتتقاطع المصالح السياسية والأمنية للقاهرة وبكين في العديد من الملفات الحيوية؛ إذ يتيح هذا اللقاء مساحة للتنسيق بشأن الأوضاع في غزة والقضية الفلسطينية (ضرورة وقف الحرب، نفاذ المساعدات، ملف إعادة الإعمار، ودعم قيام الدولة الفلسطينية)، إضافة إلى القضايا الإقليمية الممتدة. كما يمنح انضمام مصر لتجمع «بريكس» فرصة للاستفادة من خيارات التمويل المتاحة عبر بنك التنمية الجديد، والمشاركة في حوارات إصلاح المنظومة المالية الدولية. وعلى صعيد متصل، يمثل أمن البحر الأحمر وانتظام حركة الملاحة في قناة السويس قضية رئيسية تمس الأمن الاقتصادي للطرفين؛ فالصين بحاجة لضمان انسياب تجارتها، والقناة تظل مصدرًا حيويًا للنقد الأجنبي لمصر. أما في ملف الأمن المائي وسد النهضة، فتحرص القاهرة على استثمار علاقاتها الجيدة مع بكين لحشد تأييد سياسي ودبلوماسي تؤكد على الاستخدام المنصف والمعقول للمياه والالتزام بالاتفاقيات القانونية المنظمة، مع مراعاة الطبيعة الحذرة للسياسة الخارجية الصينية التي ترغب عادة في تجنب الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية.

    وبعد نحو عشر سنوات من الزيارة الأولى للزعيم الصيني لمصر، تقف القاهرة وبكين اليوم أمام ميلاد عهد جديد في الزيارة الثانية للرئيس شي جين بينغ؛ خصوصًا أن الصين دولة صديقة تحظى بالتقدير في الشارع المصري، وفي المقابل تمتلك مصر المقومات الحضارية والموقع والسوق والثقل الإقليمي الذي يجعل منها بوابة اقتصادية وثقافية لا غنى عنها بالنسبة لبكين. والصداقة الحقيقية لا تعني تنازل أي طرف عن مصالحه، بل البحث عن مساحات التلاقي التي تحقق النفع المتبادل واحترام الأولويات.

    إن الحقائق الاقتصادية والسياسية تُبرهن أن العلاقات المصرية-الصينية أمامها فرصة تاريخية لإعادة صياغة نموذج الشراكة؛ فالقاهرة تهدف إلى أن تكون جزءًا أصيلاً من سلاسل الإنتاج والتكنولوجيا العالمية، وفي المقابل لا تبحث بكين عن مجرد سوق استهلاكية، بل عن رقعة استراتيجية مستقرة وقادرة على التصنيع والتصدير. فالشراكة الحقيقية بين أمتين عريقتين تتجسد في القدرة على تحويل التوافقات السياسية إلى مشروعات تنموية ملموسة، وتأسيس معادلة عمل جديدة ومستدامة

    إن الشراكة الحقيقية بين أمتين عريقتين تتجسد في القدرة على تحويل التوافقات السياسية إلى مشروعات تنموية ملموسة، وتأسيس معادلة عمل جديدة ومستدامة بما يعني أن الصين تنتج وتصنّع في مصر، ومصر تصدّر من أرضها إلى العالم، والتكنولوجيا تتوطن داخل الاقتصاد الوطني، والأسواق الإقليمية تُفتح بشراكة عادلة تعود بالنفع على الشعبين الصديقين.

    زيارة الرئيس شي جين بينغ الرئيس عبدالفتاح السيسي مصر الصين الحضارة الصداقة

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    الأحد 08:41 مـ
    16 ربيع أول 1448 هـ 30 أغسطس 2026 م
    مصر
    الفجر 04:00
    الشروق 05:31
    الظهر 11:56
    العصر 15:30
    المغرب 18:21
    العشاء 19:41