الخميس 29 أكتوبر 2026 05:36 مـ 17 جمادى أول 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

    عرب و عالم

    غاندي وقضايا العرب والمسلمين» في ندوة توقيع الكتاب بمؤسسة الأهرام


    ليست قيمة الشخصيات التاريخية الكبرى في ما أنجزته خلال حياتها فحسب، بل في الأسئلة التي تتركها للأجيال التالية، وفي قدرتها على إثارة نقاش يتجاوز حدود الزمان والمكان. والمهاتما غاندي واحد من هؤلاء الذين لا تزال تجربتهم تستدعي التأمل؛ فقد ارتبط اسمه بالمقاومة السلمية والتحرر من الاستعمار، لكن إرثه يظل أوسع من صورة الزعيم الذي قاد الهند نحو الاستقلال، وأعمق من الشعارات التي اختزلت فلسفته في اللاعنف.


    من هنا تبرز أهمية كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين»، للكاتب والمفكر البحريني عبدالنبي الشعلة، الذي شهدت مؤسسة الأهرام ندوة لمناقشته وحفل توقيع طبعته القاهرية الأولى، مساء الأحد 25 أكتوبر، بقاعة هيكل، بالتعاون مع سفارة الهند بالقاهرة وجمعية الصداقة المصرية الهندية وصالون «في حضرة الإبداع».


    وقد اكتسب اللقاء أهمية خاصة بحضور نخبة من الشخصيات الدبلوماسية والثقافية، من بينهم الدكتور منجي بدر، الوزير المفوض بجامعة الدول العربية، والوزير المفوض حيدر طارق الجبوري، في مناسبة أعادت فتح ملف العلاقة بين الفكر والتاريخ، وطرحت قضية تستحق اهتمامًا عربيًا أوسع: كيف ننظر إلى الشخصيات العالمية من زاوية قضايا منطقتنا، وكيف نقرأ مواقفها بعيدًا عن التقديس المطلق أو الرفض المسبق؟


    في رأيي، لا تكمن أهمية هذا الكتاب في أنه يتناول غاندي وحده، وإنما في أنه يدعونا إلى إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها التاريخ، وفي قدرتنا على التعامل النقدي مع الشخصيات التي صنعت تأثيرًا عالميًا.
    غاندي.. أكثر من رمز للمقاومة السلمية
    اعتاد كثيرون أن يتذكروا غاندي باعتباره قائدًا للمقاومة السلمية، ورمزًا للتحرر الوطني، وصاحب تجربة ألهمت حركات سياسية واجتماعية في أنحاء مختلفة من العالم. وهذه مكانة مستحقة في تاريخ القرن العشرين، لكنها لا ينبغي أن تكون سببًا في إغلاق باب البحث في بقية جوانب تجربته.


    فالشخصيات الكبرى لا تُفهم من خلال المواقف التي صنعت شهرتها وحدها، بل من خلال شبكة أفكارها وعلاقاتها ومواقفها من القضايا المختلفة. وكلما اتسعت شهرة الشخصية، ازدادت الحاجة إلى قراءتها قراءة متأنية تميز بين ما هو ثابت في سيرتها، وما يخضع للتفسير والتأويل والنقاش.


    وُلد غاندي عام 1869 في مدينة بوربندر الهندية، وقاد مسارًا من النضال السياسي اعتمد على المقاومة السلمية والعصيان المدني في مواجهة الاستعمار البريطاني.

    وأسهمت تجربته في الحركة الوطنية الهندية، التي انتهت إلى استقلال البلاد عام 1947. واغتيل في يناير 1948، لكن أفكاره بقيت حاضرة في النقاشات المتعلقة بالحرية والعدالة والتسامح.


    غير أن السؤال الذي يهمنا هنا ليس فقط: كيف نجح غاندي في أن يصبح رمزًا عالميًا؟ بل أيضًا: كيف تعامل مع قضايا المسلمين، وما طبيعة رؤيته للعلاقات بين الأديان، وكيف يمكن فهم مواقفه من القضية الفلسطينية في سياق عصره؟


    هذه الأسئلة هي التي تمنح كتاب عبدالنبي الشعلة قيمته، وتجعله مدخلًا لحوار يتجاوز السيرة التقليدية إلى فحص المواقف والوقائع التاريخية.


    لماذا تهمنا علاقة غاندي بقضايا العرب والمسلمين؟


    قد يرى البعض أن دراسة مواقف قائد هندي من قضايا العرب والمسلمين شأن تاريخي محدود، لكنني أعتقد أن الأمر يتجاوز ذلك بكثير.

    فالعالم لم يكن يومًا مجموعة جزر منفصلة، والتجارب الوطنية الكبرى تتقاطع مع قضايا الشعوب الأخرى، سواء من خلال المصالح السياسية أو المبادئ الإنسانية أو العلاقات الثقافية والدينية.


    والهند، بما تملكه من تاريخ حضاري متنوع، وبما عاشته من تفاعل بين الهندوس والمسلمين، تقدم نموذجًا غنيًا لفهم تحديات التعدد الديني والاجتماعي. كما أن تجربة تقسيم شبه القارة الهندية وقيام باكستان تطرح أسئلة لا تزال ذات صلة بكثير من المجتمعات:

    هل تستطيع الدولة احتواء اختلافات مواطنيها؟ وما حدود تأثير الهوية الدينية في بناء الهوية الوطنية؟ وكيف تتحول الخلافات السياسية إلى انقسامات مجتمعية عميقة؟


    يتناول كتاب الشعله أوضاع المسلمين في الهند وجنوب أفريقيا، والعلاقات بين الهندوس والمسلمين، فضلًا عن الخلافات التي أحاطت بمستقبل شبه القارة الهندية. كما يناقش قضية تقسيم الهند، ويقارن بين مواقف غاندي ورؤية محمد علي جناح.
    وهذه الموضوعات لا تكتسب أهميتها من بعدها التاريخي وحده، بل من قدرتها على دفعنا إلى التفكير في واقعنا العربي، حيث تظل أسئلة المواطنة والتنوع والحقوق والعيش المشترك من القضايا التي تتطلب حوارًا جادًا ومسؤولًا.


    والدرس الذي يمكن استخلاصه هنا هو أن التعايش لا يتحقق بالشعارات وحدها، وإنما يحتاج إلى مؤسسات عادلة، وقوانين تحمي الحقوق، وثقافة عامة تعترف بالتنوع وتمنع تحويل الاختلاف إلى مبرر للإقصاء.


    القضية الفلسطينية.. اختبار للمبادئ الإنسانية


    تحتل القضية الفلسطينية مكانة مهمة في الوعي العربي، ولذلك فإن البحث في مواقف الشخصيات العالمية منها ليس مجرد اهتمام بالسيرة التاريخية، بل محاولة لفهم كيفية تعامل الفكر الإنساني مع واحدة من أكثر قضايا المنطقة تعقيدًا واستمرارًا.


    ويتناول كتاب الشعلة موقف غاندي من القضية الفلسطينية ضمن اهتمامه بقضايا العرب والمسلمين، وهو جانب يستحق الدراسة في ضوء السياق التاريخي والسياسي الذي عاش فيه.


    وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه الدراسات لا تتمثل في البحث عن أسماء عالمية تؤيد مواقفنا فحسب، وإنما في فهم الحجج والمبادئ والسياقات التي شكلت تلك المواقف، والتمييز بين التعاطف الإنساني من ناحية، والتصورات السياسية المتعلقة بحل النزاعات من ناحية أخرى.
    فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى الاكتفاء باستدعاء المواقف التاريخية، بل تحتاج إلى معرفة دقيقة بالوقائع، وإلى قراءة مستمرة للتحولات السياسية والقانونية والإنسانية. كما أن الاستناد إلى التاريخ ينبغي أن يكون وسيلة لتعميق الفهم، لا بديلًا عن التفكير النقدي.


    ومن هنا، فإن مناقشة علاقة غاندي بالقضية الفلسطينية تفتح المجال أمام سؤال أوسع: ما المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق المفكرين والقادة تجاه معاناة الشعوب وحقوقها؟ وكيف يمكن للمبادئ الإنسانية أن تتحول إلى مواقف عملية تتجاوز حدود الجغرافيا والانتماء؟


    بين احترام الرموز وحرية النقد
    أحد التحديات التي تواجه كتابة التاريخ هو الميل إلى تقسيم الشخصيات إلى نماذج مثالية لا تخطئ، أو شخصيات سلبية لا تستحق سوى الإدانة. وهذه النظرة الثنائية قد تكون سهلة في الخطاب العام، لكنها لا تساعد على فهم التجارب الإنسانية في تعقيدها الحقيقي.
    غاندي، مثل غيره من القادة التاريخيين، يستحق أن تُدرس تجربته في سياقها، وأن تُفحص مواقفه على أساس الوقائع والمصادر، وأن تُناقش الجوانب المختلفة من فكره من دون أن يؤدي تقدير إنجازاته إلى تعطيل النقد، أو أن يقود الاختلاف معه إلى تجاهل دوره التاريخي.
    وهنا تبرز أهمية الكتاب الذي يستند إلى مصادر ووقائع تاريخية، ويحاول تسليط الضوء على جوانب من علاقة غاندي بالعرب والمسلمين لا تحظى دائمًا بالاهتمام الكافي في الكتابات العامة عن سيرته.
    لكن من الضروري أيضًا أن تظل القراءة التاريخية مفتوحة للمراجعة والمقارنة بين المصادر، لأن فهم الماضي عملية متجددة، تتطور كلما ظهرت وثائق جديدة أو طُرحت أسئلة مختلفة. ولا ينبغي أن يتحول أي كتاب، مهما بلغت أهميته، إلى كلمة نهائية في موضوع واسع ومعقد.
    إن احترام الشخصيات التاريخية لا يعني وضعها فوق النقد، بل يعني منح تجاربها ما تستحقه من دراسة جادة وإنصاف معرفي.
    مؤسسة الأهرام ودور الثقافة في بناء الوعي
    جاءت استضافة مؤسسة الأهرام لهذه الندوة لتؤكد أهمية المؤسسات الثقافية والإعلامية في إتاحة المجال أمام النقاش الجاد حول التاريخ والفكر. وقد تحدث جميل عفيفي، مدير مركز الأهرام للترجمة والنشر ومدير تحرير الأهرام، عن دور المركز في إثراء المكتبة العربية ونشر المعرفة، مستندًا إلى خبرة ممتدة تقارب نصف قرن.
    وفي تقديري، فإن أهمية هذه الفعاليات لا تقاس بعدد الحضور أو الاحتفاء بصدور كتاب جديد فقط، بل بقدرتها على تحفيز القراءة وإطلاق الأسئلة وتوسيع دائرة الحوار. فالمؤسسة الثقافية التي تكتفي بتقديم الكتب دون مناقشتها تفقد جزءًا من رسالتها، أما التي تجعل من الكتاب مناسبة للتفكير والتبادل المعرفي، فإنها تسهم في بناء وعي أكثر عمقًا واستقلالًا.
    وقد أعرب عبدالنبي الشعلة عن سعادته بصدور الطبعة القاهرية من كتابه، مشيرًا إلى مكانة القاهرة بوصفها منارة للفكر والثقافة. وهي مكانة لم تأتِ من فراغ؛ فقد ارتبطت المدينة بتاريخ طويل من التأليف والترجمة والنشر، وظلت مساحة للتفاعل بين الأفكار العربية والعالمية.
    صدر الكتاب للمرة الأولى عن الدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت في أغسطس 2018، في 259 صفحة من القطع الكبير، ثم تُرجم إلى الإنجليزية والهندية والأوردو والمالايالامية، ودُشنت الترجمات في المنامة عام 2022. ويعكس انتقال الكتاب بين اللغات والثقافات أهمية الترجمة في جعل الأفكار موضوعًا للحوار خارج الحدود الوطنية واللغوية.
    أما الشعلة، فقد تولى منصب وزير العمل والشؤون الاجتماعية في البحرين بين عامي 1995 و2005، كما ترأس مجلس إدارة مؤسسة البلاد الإعلامية، وهو ما يضيف إلى تجربته الفكرية خلفية من العمل العام والإعلامي.
    ما الذي يمكن أن نتعلمه من هذه التجربة؟
    في النهاية، أرى أن أهم ما يقدمه كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» هو دعوة القارئ إلى تجاوز المعرفة السطحية بالشخصيات التاريخية، والبحث عن المواقف التي تكشف تعقيد تجاربها وصلتها بقضايا الشعوب.
    إن قراءة غاندي من منظور عربي لا ينبغي أن تكون محاولة لامتلاك تجربته أو إخضاعها لأحكام مسبقة، بل فرصة لفهم أوسع للعلاقات بين المجتمعات، وللتأمل في المبادئ التي يمكن أن تجمع البشر رغم اختلاف ثقافاتهم ومعتقداتهم ومصالحهم.
    كما أن استعادة تجربته تذكرنا بأن المقاومة السلمية ليست شعارًا عاطفيًا، وأن العدالة لا تتحقق بمجرد إعلان الإيمان بها، وأن التعايش يحتاج إلى إرادة سياسية واجتماعية تحمي الحقوق وتواجه التمييز.


    وفي ختام الفعالية، وجّه عبدالنبي الشعلة الشكر إلى مؤسسة الأهرام ومركز الأهرام للترجمة والنشر، وسفارة الهند بالقاهرة، وجمعية الصداقة المصرية الهندية، وصالون «في حضرة الإبداع»، تقديرًا لجهودهم في تنظيم اللقاء وإتاحة الفرصة لمناقشة الكتاب.


    لقد انتهت الندوة، لكن الأسئلة التي أثارتها تظل مفتوحة. فالتاريخ لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما في الطريقة التي نفهم بها حاضرنا ونحدد بها خياراتنا للمستقبل. وربما تكون أهم رسالة يمكن أن نستخلصها من هذه الأمسية أن الأمم التي تحسن قراءة تاريخ الآخرين، كما تقرأ تاريخها، تصبح أكثر قدرة على فهم العالم، وأكثر استعدادًا للحوار، وأقل ميلًا إلى اختزال القضايا الكبرى في أحكام نهائية.
    ومن هذه الزاوية، لا يبدو كتاب «غاندي وقضايا العرب والمسلمين» مجرد إضافة إلى المكتبة العربية، بل دعوة إلى قراءة أكثر وعيًا للتاريخ، وإلى حوار لا يبحث عن إجابات سهلة بقدر ما يسعى إلى فهم أعمق مباشر.


    28e8dafdbc31.jpg
    82d670119e08.jpg
    862c8babc6b6.jpg
    9ed624b47869.jpg
    afc0e279910e.jpg
    d4b2bcc73a20.jpg
    ⇧

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    الخميس 05:36 مـ
    17 جمادى أول 1448 هـ 29 أكتوبر 2026 م
    مصر
    الفجر 04:39
    الشروق 06:06
    الظهر 11:39
    العصر 14:47
    المغرب 17:11
    العشاء 18:29