المكسيك تعيد تعريف الدبلوماسية من بوابة المساواة.. القاهرة تناقش تجربة رائدة في «الدبلوماسية النسوية»
لم تعد السياسة الخارجية في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بحجم النفوذ السياسي أو القوة الاقتصادية أو القدرة العسكرية، بل باتت تُقاس أيضًا بمدى التزام الدول بقيم العدالة والمساواة وحقوق الإنسان. ومن هذا المنطلق برز مفهوم «الدبلوماسية النسوية» باعتباره أحد أكثر المفاهيم تطورًا في الفكر الدبلوماسي الحديث، وهو النهج الذي تبنته المكسيك لتصبح من أوائل دول العالم التي وضعت المساواة بين الجنسين في صميم سياستها الخارجية.
وفي هذا السياق، نظم مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية، بالتعاون مع سفارة جمهورية المكسيك بالقاهرة، ندوة موسعة بعنوان «المكسيك والدبلوماسية النسوية»، ضمن أنشطة برنامج شؤون أمريكا اللاتينية، وذلك بالتزامن مع إصدار وزارة الخارجية المكسيكية المبادئ التوجيهية لسياستها الخارجية النسوية، في خطوة تعكس اهتمامًا متزايدًا بفتح آفاق جديدة للحوار بين مصر ودول أمريكا اللاتينية حول القضايا الدولية المعاصرة.
لم تكن الندوة مجرد لقاء أكاديمي أو دبلوماسي، بل تحولت إلى منصة للنقاش حول مستقبل الدبلوماسية العالمية، وكيف يمكن للسياسات الخارجية أن تصبح أكثر شمولًا وعدالة، وأن تضع الإنسان في قلب عملية صنع القرار.
حضور دبلوماسي يعكس أهمية الموضوع
شهدت الندوة مشاركة واسعة من السفراء والدبلوماسيين وممثلي البعثات الأجنبية، حيث حضرت السفيرة لوز دي لا مورا، سفيرة جمهورية كولومبيا لدى مصر، إلى جانب ممثلين عن سفارات بيرو وبوليفيا وتركيا والجزائر وغانا، فضلًا عن مشاركة نخبة من الخبراء والباحثين عبر تقنية الاتصال المرئي، يتقدمهم محمد عبد الوهاب، نائب السفير المصري لدى فنزويلا.
هذا الحضور المتنوع أكد أن الحديث عن الدبلوماسية النسوية لم يعد نقاشًا نظريًا، وإنما أصبح جزءًا من الحوارات الدولية التي تبحث عن أدوات جديدة لمواجهة التحديات العالمية، وتعزيز التعاون بين الدول على أسس أكثر إنصافًا.
المرأة شريك في صناعة السياسة الخارجية
في كلمته الافتتاحية، أكد اللواء الدكتور عادل مصطفى، عضو مجلس أمناء مركز الحوار، أن العالم يشهد تغيرًا حقيقيًا في طبيعة العمل الدبلوماسي، مشيرًا إلى أن المرأة أصبحت لاعبًا رئيسيًا في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، بعدما أثبتت كفاءتها في مختلف مواقع المسؤولية.
وأوضح أن التجربة المكسيكية تمثل محطة مهمة في تطوير مفهوم الدبلوماسية، لأنها تربط بين السياسة الخارجية وقيم العدالة الاجتماعية، بما يعكس تحولًا نوعيًا في طريقة إدارة العلاقات الدولية.
وأضاف أن مصر تمتلك بدورها تجربة ثرية في تمكين المرأة داخل وزارة الخارجية، وهو ما يجعل الحوار مع التجربة المكسيكية فرصة لتبادل الخبرات والاستفادة من أفضل الممارسات الدولية.
المكسيك... رؤية جديدة للعلاقات الدولية
وقدمت السيدة سامنتا جاريدو كاستيو، القائم بأعمال سفير المكسيك بالإنابة، عرضًا متكاملًا حول السياسة الخارجية النسوية لبلادها، موضحة أن هذه السياسة لا تستهدف المرأة وحدها، بل تسعى إلى بناء مؤسسات أكثر عدالة وشفافية، وإلى ضمان مشاركة متكافئة في صناعة القرار.
وأكدت أن استمرار الفجوات بين الرجال والنساء في العديد من المجتمعات يعكس وجود تحديات هيكلية تتطلب معالجات جذرية، مشيرة إلى أن السياسة الخارجية النسوية تقوم على إزالة هذه العوائق، وتحويل الدبلوماسية إلى أداة لتحقيق التنمية والسلام والمساواة.
وأوضحت أن المكسيك تنظر إلى المساواة باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأمن والاستقرار الدوليين، وأن نجاح أي سياسة خارجية يرتبط بقدرتها على تمثيل جميع فئات المجتمع دون تمييز.
الذكاء الاصطناعي والدبلوماسية الحديثة
من جانبها، قدمت السفيرة جيلان علام، مساعد وزير الخارجية الأسبق، رؤية مصرية للتطورات التي يشهدها العمل الدبلوماسي، مؤكدة أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي يفرضان على المؤسسات الدبلوماسية تطوير أدواتها باستمرار.
وأشارت إلى أن التكنولوجيا أصبحت شريكًا في صنع القرار، سواء من خلال تحليل البيانات أو إدارة الأزمات أو قراءة المتغيرات الدولية، مؤكدة أن نجاح أي دبلوماسية حديثة يتطلب الجمع بين الخبرة السياسية والتطور التكنولوجي.
كما أشادت بما حققته المرأة المصرية في مجال العمل الدبلوماسي، مؤكدة أن حضورها في مواقع القيادة يعكس تطورًا مهمًا في مسيرة الدولة المصرية.
نقاشات تثري الحوار
تميزت الندوة بتنوع المداخلات التي عكست ثراء الموضوع، حيث دعت الأستاذة نيفين عبيد، مدير مؤسسة المرأة الجديدة، إلى توسيع آفاق التعاون بين مصر والمكسيك في مجال تمكين المرأة، وإطلاق مبادرات مشتركة لتبادل الخبرات وتنظيم المؤتمرات والبرامج التدريبية.
وأكد الإعلامي علي عبد الرحمن أن وسائل الإعلام تلعب دورًا محوريًا في التعريف بالتجارب الدولية الناجحة، مشيرًا إلى أن الإعلام يمكن أن يكون شريكًا في ترسيخ ثقافة المساواة وتعزيز الوعي المجتمعي.
أما الصحفي محمد حربي، فقد تناول التجربة المكسيكية من زاوية إدارة التنوع المجتمعي، موضحًا أن احترام حقوق المرأة يسهم في تعزيز الاستقرار والسلام داخل المجتمعات.
وأكد الكاتب الصحفي محمد شلبي أن مثل هذه الندوات تمثل قيمة مضافة للحوار الثقافي والدبلوماسي، بينما أشارت كريمة حفناوي، الخبيرة في الشأن اللاتيني، إلى أن استمرار الحوار مع دول أمريكا اللاتينية يفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات حقوق الإنسان وتمكين المرأة.
الثقافة قوة ناعمة
وسلطت أميرة زكريا الضوء على الدور الذي تقوم به المراكز الثقافية المكسيكية في مصر، مؤكدة أن الثقافة تعد من أهم أدوات التقارب بين الشعوب، وأن الأنشطة الثقافية والفنية تسهم في بناء جسور التفاهم وتعزيز الحوار الحضاري.
كما استعرضت الدكتورة سها إبراهيم الدور المتزايد للمرأة في مواجهة التحديات العالمية، خاصة في مجالات الأمن الغذائي والتغيرات المناخية والتنمية المستدامة، مؤكدة أن المرأة أصبحت شريكًا أساسيًا في صياغة الحلول للقضايا الدولية.
توافق على أهمية تطوير الدبلوماسية
وشارك في المناقشات السفير عبد الفتاح عز الدين، مساعد وزير الخارجية الأسبق، والسيد محمد عباس، نائب رئيس البعثة بسفارة غانا، حيث أكدا أن مستقبل العلاقات الدولية يتطلب تبني سياسات أكثر شمولًا، تقوم على احترام التنوع والاستفادة من جميع الكفاءات، مع تعزيز التعاون الدولي لتحقيق أهداف التنمية والسلام.
مركز الحوار... نافذة على أمريكا اللاتينية
وفي ختام الندوة، أكد محمد ربيع، مقرر برنامج شؤون أمريكا اللاتينية ونائب مدير مركز الحوار، أن هذه الفعالية تأتي ضمن سلسلة من الأنشطة التي ينظمها المركز للتعريف بالتجارب الدولية الرائدة، وتعزيز الحوار مع دول أمريكا اللاتينية، بما يسهم في توسيع آفاق التعاون السياسي والثقافي والبحثي بين مصر وهذه الدول.
وأشار إلى أن التجربة المكسيكية في الدبلوماسية النسوية أصبحت نموذجًا عالميًا يستحق الدراسة، لما تقوم عليه من مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والمساواة، وهي قيم باتت تشكل جزءًا أساسيًا من مستقبل العمل الدبلوماسي.
لقد أكدت الندوة أن الدبلوماسية الحديثة لم تعد مجرد إدارة للعلاقات بين الحكومات، بل أصبحت وسيلة لبناء مجتمعات أكثر عدالة وتوازنًا، وأن تمكين المرأة داخل مؤسسات السياسة الخارجية يمثل استثمارًا في مستقبل أكثر استقرارًا وسلامًا. كما عكست الفعالية عمق العلاقات المصرية المكسيكية، وحرص الجانبين على توسيع مجالات التعاون الفكري والثقافي والدبلوماسي، بما يعزز التفاهم بين الشعوب ويواكب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم.



المستشار محمد عبدالهادي














العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائب محمد جبريل يكرم قداسة البابا تواضروس الثاني خلال تدشين كنيسة الأنبا...
الإعلامية آمال عبد الله تهنئ النائبة مروة بريص بعيد ميلادها
في ليلة من ليالي العمر.. عائلة البرلسي تحتفل بزفاف الأستاذ أحمد والأستاذة...
الكاتب الصحفي محمد يوسف رئيس تحرير جريدة الميدان وأسرة التحرير ينعون والدة...