هل تعيد العلاقات المصرية التركية تشكيل مستقبل الشرق الأوسط؟
بقلم : د.شروق شعبان
تشهد الساحة الإقليمية اليوم تحولات استراتيجية كبرى، وفي قلب هذه التحولات تقف العلاقات المصرية التركية كأحد أبرز الملفات التي تعيد رسم ملامح الاستقرار في الشرق الأوسط. فما بين القاهرة وأنقرة، بدأت صفحة جديدة من الشراكة والتعاون، تعكس إرادة سياسية صادقة لتجاوز مرحلة الجمود، وبناء مستقبل يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في مشهد يعيد الأمل إلى شعوب المنطقة التي تتطلع إلى تعاون إقليمي يعزز الأمن والتنمية.
تمثل تركيا اليوم قوة إقليمية صاعدة، تمتلك حضوراً دبلوماسياً لافتاً على الساحة الدولية، جسدته استضافتها لمؤتمر حلف الناتو بحضور قادة العالم، إلى جانب مسيرتها التنموية التي شملت مشاريع عملاقة في البنية التحتية والتعليم والصحة، انعكست إيجاباً على حياة المواطنين ورفعت من مكانة البلاد. وفي المقابل، تقف مصر بثقلها العربي والأفريقي والمتوسطي، كركيزة أساسية للأمن القومي العربي، وشريك لا غنى عنه لأي ترتيبات إقليمية تهدف إلى الاستقرار والازدهار. ومن هنا، يدرك الجانبان أن تعاونهما ليس خياراً تكميلياً، بل ضرورة استراتيجية تفرضها مصالح الشعبين والتحديات المشتركة.
ولقد تجسدت هذه الإرادة المشتركة بوضوح في الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى القاهرة ولقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث عُقد الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، ليؤكد الرجلان معاً أن العلاقات الثنائية دخلت عهداً جديداً يقوم على التعاون البناء والتنسيق المستمر، وأن مصلحة الشعبين الشقيقين هي البوصلة التي لا تحيد عنها السياسات المشتركة.
ولم تقف هذه الشراكة عند حدود اللقاءات السياسية، بل امتدت بسرعة إلى مجالات حيوية متعددة تعكس عمق التعاون المتجدد. ففي مجال الأمن والدفاع، شهدت الفترة الأخيرة تطوراً لافتاً تمثل في تنفيذ مناورات عسكرية وجوية مشتركة جمعت القوات المصرية والتركية، في رسالة واضحة على عمق التنسيق الاستراتيجي بين البلدين، وتجاوزهما إلى شراكة شاملة تضمن أمن واستقرار المنطقة بأسرها، وتؤكد أن الجيشين المصري والتركي قادران على العمل معاً لحماية مصالح بلديهما.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تعكس الأرقام نمواً مطرداً يبعث على التفاؤل، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 3 مليارات دولار خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الحالي، مع توقعات طموحة بأن يصل إلى 9 مليارات دولار بنهاية العام، لتؤكد هذه المؤشرات أن مصر ستظل الشريك التجاري الأكبر لتركيا في القارة الأفريقية، وأن الاقتصاد هو المحرك الأساسي والمتين لهذه العلاقات المزدهرة، مع توقيع مذكرات تفاهم لتعزيز التعاون في الممرات الإقليمية والدولية التي تربط الأسواق وتسهل حركة التجارة بين البلدين.
ولعل ما يمنح هذه الشراكة زخماً إضافياً هو إدراك البلدين العميق للتحديات الإقليمية الراهنة، فالملفات الساخنة التي تعج بها المنطقة، من القضية الفلسطينية إلى ملفي ليبيا والسودان، تتطلب تنسيقاً وتشاوراً مستمرين بين القاهرة وأنقرة، فاستقرار الشرق الأوسط بأكمله مرهون بتعاون قوتيه الكبرى، وهما تدركان تماماً أن أمن مصر جزء لا يتجزأ من أمن تركيا، والعكس صحيح، مما يجعل التعاون بينهما ضرورة حتمية وركيزة أساسية لتحقيق السلم الإقليمي المنشود.
إن استعادة العلاقات المصرية التركية لزخمها القوي، بعد فترة من الجمود، تحمل في طياتها رسائل عديدة للمنطقة والعالم، فهي تؤكد أن الحكمة السياسية قادرة على تجاوز الخلافات، وأن المصالح الكبرى للشعوب هي الأساس الذي تقوم عليه الدول، وأن الشرق الأوسط قادر على إعادة تشكيل مستقبله عبر تحالفات إقليمية واعية تقوم على التعاون لا التناحر، والشراكة لا الصراع.
وهكذا، تقف مصر وتركيا اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من العلاقات، تضع فيهاان مصلحة الشعبين والمنطقة فوق كل اعتبار، وتؤكدان معاً أن المستقبل يصنعه المتحابون المتعاونون، وأن التعاون المصري التركي سيكون نموذجاً يحتذى به في العلاقات الدولية، وقصة نجاح تعكس مستقبلاً أكثر إشراقاً واستقراراً للشعبين الشقيقين وللمنطقة بأسرها.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
النائب محمد جبريل يكرم قداسة البابا تواضروس الثاني خلال تدشين كنيسة الأنبا...
الإعلامية آمال عبد الله تهنئ النائبة مروة بريص بعيد ميلادها
في ليلة من ليالي العمر.. عائلة البرلسي تحتفل بزفاف الأستاذ أحمد والأستاذة...
الكاتب الصحفي محمد يوسف رئيس تحرير جريدة الميدان وأسرة التحرير ينعون والدة...