تمضي أيامٌ وشهور، وتمر سنوات بين ماضٍ وحاضرٍ ومستقبل، فتتوه النفس بين ثنايا ماضٍ قد جاهدت نفسك في إتقانه، وبذلت كل ما بوسعك من أجله، تحرث وتزرع، وتروي بدمائك وأيامك وسنين عمرك. وحاضرٍ لا تعلم له أساسًا ولا أسبابًا، ومستقبلٍ لا يعلمه إلا الله.
رحلة صنعت ماضيها بكل الحب والعطاء، انتظارًا لمستقبلٍ ما زال بعيد المنال، لتجني ما نثرت من بذور.
ولأن ذاكرتك لا تحمل كافة لحظات عمرك، عليك أن تعي أنك لا تتذكر كل شيء، وأن هناك ما سقط منها. وكذلك لا تدرك كل الحقائق، وليس كل ما وصل إليك تعلم تفاصيله أو أسبابه، فهناك أحداث تطغى على أحداث أخرى، وما تبقى بذهنك من أحداث قد يكون الماضي قد شوّهها أو أخفى معالمها، ولم تعد تتذكر منها إلا القشور، وقد تكون الحقيقة قد طُمرت في طياتها.
سنوات لها معالم ودلالات تراها أنت ويراها آخرون، فهل سقطت سهوًا أم أنك تبتعد عن الحقيقة عن عمد، لتعيش أيامًا على أطلال ذكريات كاذبة لا تعلم للواقع سبيلًا؟
الحياة رحلة طويلة، ولا بد أن يكون للنسيان فيها دور كبير.
سنوات أخفت بمرورها أحداثًا وأحاديث ومواقف، فما كان حقيقةً واضحةً في وقتٍ ما أصبح الآن ظلًّا لها.
ترابطت أواصر وانقطعت أخرى، واقتربت قلوب وابتعدت أخرى، وجف نهر الكلمات ليحل محله صمت موجع يقطع أوتار القلوب، انتظارًا للحظة انفجار البركان.
دائرة لا تعلم أين بدايتها، ولا تدري ما نهايتها.
وحينما تهتز أمام عينيك كل الأحداث، وترتعش يدك بكتابة الكلمات، وترى شريط ذكرياتك يسير في كل الاتجاهات، ويختلط الشك والظنون باليقين، وتهتز ثقتك بكل ما حولك، وبكل مبادئك ومواقفك وأفعالك، فتذكر أن هناك حقيقة غائبة، لكنها لا تحتمل أي مجال للشك، وهي أنك قلب لا يزال حتى الآن يخفق بالحب لكل كائن على هذه الأرض، ولا يحمل ذرة كره لإنسان، مهما كان عطاؤه أو بخله. قلب قاوم كثيرًا، وتحدى الكثير، لتكون نهايته كما أرادها.
فكل ما تسعى إليه، وإن كان غير معلن أو غير مدرك، أن تكون معنى في الأذهان، وشاهدًا لك لا عليك.
وحينما تتذكر الماضي، ويعتصر قلبك أنين الذكرى ولهيبها، تذكر الحاضر، وأنك دائمًا كنت خارج حدود اهتماماتهم وتفكيرهم، وأنك أنت من صنعت بخيالك ما لم يكن له وجود إلا في مخيلتك وحدك.
عالم مادي، بوصلته لا تعلم لها قبلة، نُسجت خيوطه بالكذب، عالم لا مكان فيه إلا للمصالح، وتُقاس فيه الأمور بمبدأ المكاسب والخسائر. عالم لا مكان فيه للحق، والعدالة فيه غائبة ومشوهة، مختلطة بأهواء أصحابها، والميزان ليس أساسه أن تتساوى فيه الكفتان، طالما كانت العيون مغمضة، أو تنظر في اتجاه آخر.
متى ينفك ذلك الأسر، وتنحل تلك القيود، ليخرج ذلك الفارس ممتطيًا جواده، ويجري به منطلقًا أينما أراد؟ يطير بجناحيه، ويسبح في الفضاء، وتحلق روحه أينما شاء، دون أثقال، في فضاء رحب لا تنازع فيه ولا تصارع، متصالحًا ومتسامحًا مع كل من في هذا الكون.
سلام…
كلمة قبل أن يكون لها معنى، لها مذاق وإحساس، حالة تضفي على صاحبها سكينة وجمالًا ورضًا.
فلتقسُ إن شئت، ولتحنُ إن أردت،
فإن غدًا لناظره قريب.
فإن كان ذلًّا فليكن لك وحدك، وإن كان عزًّا فليكن بك.