قراءة في تصحيح مفهوم ” تجديد الخطاب الديني”
بقلم : د.شروق شعبان
لا يُعاب على التاجر أن يُغلف بضاعته بأجمل الأغلفة، وإنما يُعاب عليه أن يبيع سلعةً مغلفةً لا تناسب أيدي الزبائن وعيونهم؛ فليس عيباً أن يتغير ثوب الداعية وأسلوب البيّاع، بل العيب أن يتغير الدين بتغير الأثواب.
وبين جمود الأساليب القديمة التي تنفر السامع، وتطاول أهل الأهواء على الثوابت الذين يريدون هدم الجوهر، يقف "التجديد الأسلوبي" كجسر ذهبي يحفظ الجوهر الإلهي ويواجه متغيرات العقل البشري بذكاءٍ واقتدار.
غير أن الحديث عن "تجديد الخطاب الديني" قد تحوّل في عقول الكثيرين إلى كابوس يهدد الثوابت، أو إلى نافذة يريد البعض من خلالها تهريب العلمانية تحت غطاء إصلاحي. وهنا تكمن المغالطة الكبرى التي نريد تفنيدها: ليست المغالطة في التجديد ذاته، بل في سوء فهم مقصده، وفي الخلط بين "جوهر السلعة" و"أسلوب تسويقها"، بل وفي غياب أدوات تطبيقه الواقعي التي تحمي الموروث من الانكسار، وتحمي الحاضر من التيه.
وسأحاول في هذا المقال أن أعيد صياغة المفهوم من جذوره، مستعينة بقاعدة ذهبية، وهي قول الحق تبارك وتعالى: "ألا إن سلعة الله غالية".
نعم، هي غالية الثمن، نزلت من عند العلي القدير، ولكن -هنا تكمن سنّة الله في الكون- السلعة الغالية، وإن كان جوهرها نفيساً لا يُعلى عليه، تظل بحاجة إلى "مسوّق شاطر" وبياع فطن" يستطيع أن يضعها في يد الزبون (الإنسان المعاصر) بطريقة تجعله يشتهيها، لا أن ينفر منها.
أولاً: تصحيح المغالطة الجوهرية (العرض لا الجوهر):
ومادام الأمر كذلك، فلا بد من التمييز القاطع بين أمرين: فالدين ليس سلعة دنيوية تباع وتشترى، لكن المثل هنا يُستخدم لفهم آلية العرض لا لفهم الذات. فالنص القرآني والسنّة الثابتة هما تلك "السلعة" الربانية التي لا تطرأ عليها تغييرات، ولكن طريقة عرضها، وصياغتها، وأسلوب مخاطبة الناس بها، هي التي تحتاج إلى تجديد مستمر. وهذا التجديد ليس قطيعة مع الماضي، بل هو "إعادة إنطاق" للماضي بما يتناسب مع مصوغات الحاضر وإحداثياته.
المغالطة التي وقع فيها كثير من المثقفين والناشئة، هي ظنهم أن "تجديد الخطاب" يعني تجديد النص ذاته، أو نبذ التراث الفقهي والعقدي، أو الاستهانة بأصول الدين. وهذا هراء منطقي وخطير، لأنه يعني هدم البناء من أساسه. التجديد الحقيقي هو تجديد في "العباءة" التي نلبس بها الجوهر، لا تغيير في الجوهر نفسه. نحن لا نُحدث في "أن الله هو الإله الحق"، لكننا نُحدث في طريقة إقناع الملحد المعاصر بهذه الحقيقة. نحن لا نُحدث في حرمة الزنا أو الربا، لكننا نُحدث في الأسلوب البلاغي الذي يشرح لماذا هذا التحريم هو عين الرحمة بمجتمع يعاني من التفكك الأسري والانهيار الاقتصادي.
ثانياً: لماذا علينا الآن مخاطبة "العقول قبل القلوب" في عصرنا الحاضر؟
(الانتقال من الأولوية القديمة إلى الجديدة):
هذا وبعد أن رسّخنا أن التغيير يقتصر على قوالب العرض، يبرز سؤال محوري: كيف نعرض اليوم؟ وما هي أولوية الخطابة في زمن الضجيج المعرفي؟
هنا نصل إلى لبّ الآلية الجديدة. كان أسلافنا الصالحون -في زمن الفطرة السليمة وقلة الشبهات- يخاطبون القلوب أولاً، لأن القلوب كانت مهيأة، وكانت الآذان مصغية، وكان الإيمان فطرياً. أما اليوم، فسمة العصر هي "المادية المفرطة" و"العقلانية الجافة" التي بنت مئات الحواجز الأسمنتية بين العقل والقلب. الإنسان اليوم لا يسمح لأي خطاب أن يمر إلى قلبه قبل أن يمرره عبر فلتر عقله النقدي، الذي شُبع بالشكوك، والتطور العلمي، والنظريات الفلسفية المعقدة.
فإذا أتيت اليوم لتحدث الناس عن "خشية الله" و"حب الجنة" مباشرةً (مخاطباً القلب)، سيقاطعك عقله قائلاً: "ومن أين أثبت لي وجود هذا الإله أصلاً؟". لذا، أصبح التجديد الأسلوبي يستلزم تقديم الإقناع العقلي (المنطق، والعلم التجريبي، وفلسفة الأخلاق، والرد على الشبهات الإلحادية) كجسر عبور، حتى إذا ما نضج العقل وذابت الحواجز، استقر المعنى في القلب واستقر معه السكينة والإيمان. هذا ليس تفريطاً في القلب، بل هو "حماية للقلب" من أن يُصدم بالشبهات قبل أن يتحصن باليقين العقلي.
ثالثاً: آلية التنفيذ (كيف نُعيد إنطاق الماضي بمنهجية عملية):
وحين نقرر هذه الأولوية الجديدة (العقل أولاً)، تبرز حتمية وجود آليات تنفيذية واضحة، تضمن لهذا الخطاب الأسلوبي الجديد النجاح دون الانزلاق إلى التفريط أو التكلف. ولكي لا يبقى الكلام نظرياً، إليك الآليات التنفيذية لهذا التجديد:
فك الاشتباك بين "الزمني" و"الأبدي": التراث الإسلامي مليء بالآراء الفقهية التي كانت اجتهادات لأئمة أجلاء استجابوا لواقعهم الجغرافي والتاريخي. التجديد الأسلوبي يتطلب جرأة أدبية وعلمية لفصل هذه الآراء (التي هي ثمرة جهد بشري) عن النصوص القطعية. عندما نعيد تقديم الرأي الفقهي في "البيع" أو "الزواج" أو "السياسة"، يجب أن نعرضه ضمن سياقه التاريخي ثم نبرز المقصد الأبدي منه، ثم نترجم هذا المقصد إلى صياغة معاصرة.
هذا ليس "قطيعة مع التراث" بل هو "إحياء لمنهجية التراث" في الاجتهاد والنظر في المصالح.
2. استعارة لغة العصر (السبق اللغوي لا اللغو): لا يمكن لخطيب مفوه أن يؤثر في جمهور اليوم باستعارات البادية وقصص الخيل والليل، لأن واقع الجمهور الآن هو "الذكاء الاصطناعي" و"البورصات" و"حقوق الإنسان". التجديد يعني أن نحمل المعنى الديني القديم في قوالب لغوية جديدة. بدلاً من أن نقول "اتقوا الله"، نقول بطريقة تؤثر في نفس المدير التنفيذي: "الضمير الحي هو رأس مال لا يخسر". ليس تغييراً في المعنى، بل تجديداً في القالب الذي يصل به المعنى إلى الذائقة العصرية.
3. التدرج في الخطاب (سياسة النزول إلى واقع المستمع): لا يصح أن نلقي على عامة الناس خطاباً فلسفياً عميقاً، ولا أن نخاطب نخبة المثقفين بخطاب وعظي بسيط. التجديد الأسلوبي يقوم على "التنويع"، وهو احترام للعقول، بأن يعرف الداعية أو الكاتب كيف يصوغ الفكرة الواحدة بألفاظ تختلف باختلاف الطبقة المخاطبة.
رابعاً: ردع شبح "قطيعة الماضي" (التأكيد على الامتداد لا الانقطاع):
وهذه الآليات، وإن كانت مستحدثة في صياغتها، فهي ليست منبتة الصلة عن أصولنا؛ لذا أريد أن يكون هذا المقطع فاصلاً وحاسماً في هذه النقطة: التجديد الأسلوبي لا يمس الأصولية الدينية بمعنى "أصول العقيدة" (الإيمان بالله، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره) ولا يمس "أصول الفقه" الثابتة في أدلة الأحكام (الكتاب والسنة والإجماع والقياس).
بل على العكس، نحن نتمسك بهذه الأصول تمسكاً أشد، لأنها هي المصباح الذي يضئ لنا الطريق. وما نقوم به هو مجرد "عدسة مكبرة" أو "مرشح ضوئي" نضعه أمام هذا المصباح كي يتلاءم ضوءه مع ظلام هذه المرحلة الخاصة. نحن نعيد "إنطاق" ابن تيمية والغزالي والشافعي، بمعنى أن نقرأ أقوالهم في ضوء أسئلة العصر، ونسأل: ماذا كان سيقول هؤلاء الأئمة لو عايشوا ثورة المعلومات؟ إنهم بالضرورة كانوا سيستخدمون أدوات عصرهم، وهذا بالضبط ما نفعله نحن: نستخدم أدواتنا الحالية لإيصال رسالتهم الأزلية.
الخاتمة:
إذاً، تجديد الخطاب الديني ليس بدعة ولا خيانة، بل هو "فريضة مرحلية"، وهو عين حكمة "لكل زمان كتاب" و"لكل مقام مقال". إنها عملية إعادة ترويض للغة، وإعادة ترتيب للأولويات في الإقناع، وإعادة اكتشاف للقواسم المشتركة بين النص والواقع. هي سلعة الله الغالية التي لا تتغير، مع مسوقين يغيرون طرق عرضها، وأكياس تغليفها، وقنوات بثها، كي تصل إلى المستهلك المعاصر الذي تحصن بأسوار العقلانية المفرطة، لنفتح له أبواب القلوب من أوسع أبواب العقل. وهكذا، يظل الماضي حاضراً في روحه، والحاضر متصلاً بجذوره، والمستقبل مطمئناً إلى ثبات الجوهر ومرونة القالب. فالتجديد أسلوب، والأصالة منهج، والله الموفق إلى سواء السبيل.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
حفل زفاف الكابتن أحمد جوهر يشهد أجواء من البهجة والفرح
الحاج عادل شحاتة ينجح في إنهاء خصومة بين عائلتين امتدت لسنوات بالهرم
أسرة الميدان تتقدم بخالص التهاني وأصدق المباركات إلى الحاج طارق محمد...
المستشار أحمد إبراهيم يُرزق بالمولودة “مسك”.. وتهنئة خاصة من أسرة “الميدان” ورجل...