الخميس 18 أغسطس 2022 10:59 مـ 21 محرّم 1444هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

دكتور حسين علي أستاذ المنطق وفلسفة العلوم

رؤيتنا للأشياء انتقائية

د . حسين على

 

العين ليست آلة صماء كالكاميرا تُصَوِّر الواقع كما هو، وتنقله بحذافيره إلى المخ، بل إنها مصبوغة بلون معين؛ لون بيئتها (أى بيئة صاحبها، ومعتقده الديني، وتربيته، ومستواه الثقافى، ودرجة تعلمه، وطبقته الاجتماعية...إلخ). ووفقًا لهذا اللون الذى يصبغ أعيننا، نرى أشياءً دون أشياء، رغم تجاور هذه وتلك أمام ناظرينا!! إننا لا نرى كل ما هو ماثل أمام أعيننا، بل نرى ما نرغب فى رؤيته فحسب. بعبارة أكثر دقة يمكننا القول: إننا لا نرى ما هو ماثل أمام أعيننا، وإنما نرى ما هو كامن وراءها، أى نرى الواقع كما تصوره لنا الأفكار التى تم غرسها داخل رءوسنا وتم حشوها بها.

إننا لا ندرك كل شيء حولنا، إننا ننتقى ما نريد إدراكه، ونترك ما عداه حتى وإن كان ماثلًا أمام أعيننا، وقد يبدو هذا القول غريبًا أو محيرًا للوهلة الأولى، ولكن الواقع المعيش والتجارب التى أجريت أثبتت صحة ذلك، وتُعْرَف هذه الحالة فى علم الأعصاب المعرفى باسم «عمى التغيير» Change Blindness وهى ظاهرة من ظواهر الإدراك الحسى تقع عندما يحدث تغيير فى المشهد لا يستطيع المرء ملاحظته. وهذه العملية لا تجرى طوعًا، بل تحدث دون وعى أو انتباه من جانبنا. وغالبًا ما ينصب اهتمامنا ويتركز على شيء أو أشياء محددة تهمنا، وينصرف انتباهنا عن الأشياء الأخرى رغم كثرتها؛ أو قد يكون بسبب كثرتها. ومن ثمَّ نفشل فى إدراك التغيرات التى تطرأ على المشهد المحيط بنا. ويُعَد الفيلسوف الأمريكى «وليم جيمس» (1842- 1910) أول من ذكر عدم القدرة على الكشف عن التغيرات فى كتابه «مبادئ علم النفس» (1890).

لقد قام عالمان من جامعة هارفارد، وهما «دان سايمانز» و«كريس» بتجربة علمية توضح كيف أن عمل الدماغ يختلف قليلًا عما تراه العين فى الحقيقة، وهى تجربة طريفة. فطلبا من شابين القيام بتجربة على عدد من المتطوعين الذين شاركوا دون علمهم بطبيعة التجربة - تم الكشف عنها لهم لاحقًا - وأثناء تعبئة المتطوعين لنموذج يقوم أحد الشابين بالانحناء تحت الطاولة ليقوم صاحبه الذى كان مختبئًا بالوقوف، وهكذا بالتناوب. وأسفرت نتيجة هذه التجربة عن أن 75% من المتطوعين لم يلحظوا أن الشاب الآخر ليس هو نفسه الشاب الأول، أى أن أعين المشاهدين لم تلحظ الفرق الكبير فى الأشياء التى أمامها، وهو ما فسره العالمان على أن العين لا ترى كل ما هو ماثل أمامها؛ لأن تركيز كل متطوع كان منصبًا على النموذج المراد تعبئته، لا على الشابين، وما إذا كانا هما شخصًا واحدًا أم شخصين. كانت دهشة المتطوعين كبيرة حين اكتشفوا أن من استقبلهم عند قدومهم شابان وليس واحدًا، وأنهم لم يلحظوا هذا الفرق الكبير بين الشابين الأول والثاني!

ترى كم عدد الأشياء الحاضرة أمام أعيننا يوميًا ولا نراها؟!

فى حياتنا اليومية تتوافر أمثلة كثيرة لظاهرة «عمى التغيير»، فإذا كنت على موعد مع أحد الأشخاص وتنتظره فى مكان ما، فإنك تترقب قدومه، ولا ترى سواه، فإذا كنت تعلم أنه سيأتى راكبًا سيارته، فلن ترى سوى نوع وحجم ولون سيارة من أنت فى انتظاره، أما بقية السيارات، بأنواعها وألوانها وأحجامها المختلفة فلن تلتفت إليها وكأنها غير موجودة بالشارع. أما إذا كنت تعلم أنه سوف يأتى مترجلًا، فسوف تتفحص كل من يماثل من تنتظره فى قوامه وهندامه وطريقته فى السير، لدرجة أنه لو مر بك أحد أصدقائك أو زملائك أو جيرانك ملوحًا لك بالتحية فلن تنتبه؛ لشدة استغراقك فى التركيز على فحص من يماثل الشخص الذى تنتظر. هذه تجربة نعايشها مرارًا فى حياتنا، وهى تدعم ظاهرة «عمى التغيير».

فى إحدى دورات التنمية البشرية، كنت أقوم بشرح ظاهرة «عمى التغيير»، وكيف أننا لا ندرك كل شيء حولنا بدقة، بل نتصور أشياء فى أذهاننا، ونظن أنها حقيقية، ونسقطها على الواقع، ونتعامل معها بوصفها وقائع حقيقية. وبعد انتهائى من الشرح طلبت متدربة شابة، وكانت طبيبة ومتزوجة، الكلمة للتعقيب على ما جاء فى المحاضرة، فقالت: إنها وزوجها ذهبا بالسيارة إلى أحد المحلات فى وسط البلد لاستبدال قطعة ملابس تم شراؤها فى يوم سابق من المحل نفسه، قالت لزوجها، انتظرنى داخل السيارة ولن يطول غيابي، سأعود إليك فى الحال، بخاصةٍ أن الجو رطب وشديد الحرارة. بالفعل لم تتأخر، جاءت مسرعة، وألقت بنفسها داخل السيارة، وأغلقت الباب بقوة، وقالت هامسة وهى تتنهد بارتياح شديد:

- «اطلع بينا على البيت بسرعة أنا سوف أموت من الحر».

فصعقت فزعًا حين سمعت صوتًا أجش يقول:

- «يا فرج الله.... السيارة تصطاد البنات لوحدها يا جدعان».

قفزت من السيارة وهى تصرخ مهرولة لا تلوى على شيء، فتلقفها زوجها - الذى أتى إليها مسرعًا - بين ذراعيه؛ لأنه فوجئ بركوبها السيارة البيضاء التى تشبه سيارتهما. وقد غرق زوجها فى ضحك هستيري، وانخرطت هى فى بكاء مرير.

كلنا مصابون بـ «عمى التغيير»، لكن بدرجات متفاوتة، إننا نعجز عن رؤية أشياء ماثلة أمام أعيننا، فكيف نحكم على وقائع تمت منذ مئات السنين؟ أو أحداث جرت على بُعد آلاف الكيلو مترات؟ إن ما يمكن استخلاصه من ظاهرة «عمى التغيير» هو أن هناك أشياء قائمة وماثلة أمام أعيننا الآن ولا نستطيع أن نراها. ومع ذلك نتعارك ونتحارب ونتقاتل ونختلف ونتخاصم حول أشياء لم نرها، لأنها حدثت منذ أكثر من ألف سنة، نتعارك ونتحارب ونتقاتل حولها وكأننا رأيناها وعايشناها.. هل ثمَّة حماقة أكبر وأفظع من الاقتتال حول مسائل عرقية ومذهبية: سنة وشيعة.. علويون ودروز .. مسلمون ومسيحيون .. عرب وفرس .. سيخ وهندوس .. . إلخ؟! وقائع حدثت منذ مئات السنين لم نرها؛ لأننا ببساطة لم نكن موجودين أصلًا حين حدثت، ومع ذلك تسيل الآن- ونحن فى القرن الحادى والعشرين- دماؤنا أنهارًا، وكأننا على دراية بمن على حق ومن على باطل!!

لا بد أن نعرف أن دائرة إدراكنا محدودة، وهذا يصل بنا إلى نتيجة بالغة الأهمية، تقول بضرورة أن يكون تسامحنا عظيمًا، وتواضعنا أعظم، علينا أن نتسامح مع الآخر، ونكون أكثر تواضعًا معه.

 

فلسفة المستقبل. المنطق.الانسان.حسين علي

استطلاع الرأي

أسعار العملات

العملةشراءبيع
دولار أمريكى​ 18.261718.3617
يورو​ 20.049520.1629
جنيه إسترلينى​ 24.092624.2337
فرنك سويسرى​ 19.610919.7204
100 ين يابانى​ 15.004215.0901
ريال سعودى​ 4.86824.8951
دينار كويتى​ 59.968760.4519
درهم اماراتى​ 4.97124.9996
اليوان الصينى​ 2.86492.8842

أسعار الذهب

متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
عيار 24 1,103 إلى 1,126
عيار 22 1,011 إلى 1,032
عيار 21 965 إلى 985
عيار 18 827 إلى 844
الاونصة 34,299 إلى 35,010
الجنيه الذهب 7,720 إلى 7,880
الكيلو 1,102,857 إلى 1,125,714
سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى

مواقيت الصلاة

الخميس 10:59 مـ
21 محرّم 1444 هـ 18 أغسطس 2022 م
مصر
الفجر 03:51
الشروق 05:24
الظهر 11:59
العصر 15:35
المغرب 18:34
العشاء 19:57