أوزبكستان مصر حوار الحضارات والتراث بالمتحف المصري الكبير
في رحاب المتحف المصري الكبير، ذلك الصرح الذي يختزل عبقرية المكان وذاكرة الزمان، وبحضورٍ رفيع المستوى من قيادات البلدين، جاءت فعالية "أوزبكستان - مصر.. حوار الحضارات والتراث" لتؤكد أن الدبلوماسية الثقافية تظل الجسر الأمتن بين الأمم. ومن هنا، لم تكن هذه الأمسية الاستثنائية لقاءً بروتوكولياً عابراً، بل جاءت تجسيداً حيّاً للعلاقات التاريخية الراسخة التي تجمع بين دولتين تفتخران بإرثهما الحضاري، وتتطلعان معاً إلى مستقبلٍ قوامه التعاون المثمر والاحترام المتبادل.
ضمن هذا المشهد المهيب، غمرني شرف حضور هذه الفعالية الاستثنائية، حيث وقفت متأملة الكلمات وهي تُنسج بعناية فائقة، كأنها خيوط حرير تصل الماضي العريق بالحاضر الواعد. هناك، ومن على منصة الحدث، صدح صوت الأستاذ فردوس عبد الخالقوف، مدير المركز الإسلامي في أوزبكستان، حاملاً إلينا تحية صادقة من أرض ما وراء النهر، ليرسم بصورة آسرة ملامح العلاقة الفريدة بين بلدينا. وقد تجلى هذا العمق حين وصف مصر بأنها "الكتاب الكبير لذاكرة الإنسانية"، وما إن استقر هذا الوصف في الوجدان، حتى أردفه بعمق قائلاً إن أوزبكستان قد خطّت بدورها بعضًا من أبرز فصول ذلك الكتاب. وفي هذا التصوير البليغ، تكشّف الجوهر الحقيقي لهذا اللقاء؛ إذ لم نكن إزاء دولتين فحسب، بل كنا أمام وريثتين شرعيتين لحضارتين عظيمتين أسهمتا، كل بطريقتها، في صياغة تاريخ الفكر الإنساني وتقدمه. إنهما حضارتان جمعت بينهما، منذ قرون، قوافل العلماء والمخطوطات والأفكار، قبل أن تُوثّق هذا الوصل اليوم بروتوكولات الدبلوماسية الحديثة وإرادة القيادة السياسية الحكيمة.
ولم يكد يخفت أثر تلك الكلمات، حتى تلتها كلمة معالي السيد بختيار سعيدوف، وزير خارجية أوزبكستان، التي حملت في طياتها تقديرًا رفيعًا لمصر. وأكد معاليه أن مصر "تحتل مكانة فريدة في تاريخ الحضارة الإنسانية"، تلك المكانة التي جعلت منها منارةً شاهقة للمعرفة والإبداع، وملتقىً للحضارات التي ربطت قارات العالم القديم. كان لصوته وقعٌ خاص، وهو يستحضر ظلال المفكرين والنسّاخ، وأصداء حلقات العلم التي أضاءت سمرقند وبخارى والقاهرة، تلك المراكز الفكرية التي شكلت عصب الحضارة الإسلامية، وألهمت العالم بأسره. وفي تناغم بديع مع هذا المعنى، جاءت كلمة معالي الأستاذ شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري، لتؤكد الرؤية ذاتها، مشدداً على أن الروابط العميقة بين الشعبين تسبق السياسة، وهي راسخة في حركة العلماء وتبادل المعرفة. وبناءً على هذا الإرث الخالد، أبرز معاليه أن البلدين، بقيادة فخامة الرئيسين شوكت ميرضيايف وعبد الفتاح السيسي، يتطلعان اليوم إلى استثمار هذا الزخم في بناء مستقبل من التعاون المستدام، حيث الثقافة جسر، والتراث رسالة سلام وتنوير.
وإذا كانت الكلمات قد رسمت خارطة الروح، فإنها سرعان ما تجسدت في "مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان"، الذي عُرض في هذه الأمسية ليكون التجسيد المعماري الحي لتلك الروح. ذلك الصرح، الذي دخل موسوعة غينيس كأكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم، مثّل تقديمه إلينا في رحاب المتحف المصري الكبير لحظةً استثنائية. فقد بدا المشهد أشبه بمرآة حضارية عملاقة تعكس الوجه الواحد للحضارة الإسلامية، ولكن بعينين اثنتين: عين تروي حكاية النيل الخالدة، وأخرى تروي حكاية جيحون وسيحون، وكلتاهما تبصران النور نفسه، وتؤمنان بأن الحفاظ على إرث الماضي هو استثمار نبيل في مستقبل الأجيال القادمة.
أما أنا، ومن موقعي كشاهدة على هذا الوصل الحضاري المتجدد، فإني أرى أن طموحنا المشترك يجب أن يتجاوز حدود اللقاءات الرسمية، مهما بلغت من ألق، ليترسخ في مشروعات ملموسة تلامس حياة الناس، وتعمّق الفهم المتبادل. ومن هذا المنطلق، فإننا نطمح إلى أن نرى قريباً معارض أثرية كبرى متبادلة تحط رحالها في طشقند والقاهرة، تحكي لزوارها فصولاً من تاريخنا الواحد. كما نتطلع إلى برامج بحثية مشتركة تعكف على تحقيق المخطوطات النادرة التي جمعت بين علماء الأزهر الشريف ومدارس ما وراء النهر العريقة، فضلاً عن تفعيل مسارات سياحية وثقافية تتتبع خطى الرحالة والمتصوفة والتجار الذين نسجوا، بكل صبر ومحبة، خيوط هذه الحضارة الممتدة بين بخارى والإسكندرية. والحق أن أوزبكستان ومصر قادرتان معاً، من خلال هذه المشروعات، على تقديم نموذج راقٍ للدبلوماسية الثقافية، نموذج تُستثمر فيه عراقة التاريخ في صياغة هوية متصالحة مع العالم، وتُفتح فيه أبواب المتاحف كفصول للسلام والحوار، لا مجرد خزائن للآثار.
وهكذا، وبعد أن أسدل الليل ستاره على هذه الأمسية البهية، خرجت وقد ترسخ لديّ يقين راسخ بأن قوة العلاقات بين الأمم لا تُقاس بكمّ الاتفاقيات الموقعة وحدها، بل تُقاس بمدى قدرتها على استنهاض الذاكرة الجمعية للإنسانية، وجعلها وقوداً لحوار مثمر يحترم الخصوصية ويحتفي بالمشترك. وعلى هذا الدرب، سنمضي معاً، حاملين كتاب مصر الكبير، ومتصفحين فصول أوزبكستان الخالدة، لنكتب معاً، وبمداد من نور، الفصل القادم من حوار الحضارات.
























العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
المستشار أحمد إبراهيم يُرزق بالمولودة “مسك”.. وتهنئة خاصة من أسرة “الميدان” ورجل...
” الميدان ” يهنئ خالد عمارة بزفاف نجله عبد الرحمن على الآنسة...
”الكلاب الضالة في الإسكندرية.. أزمة تبحث عن حل بين أمان المواطنين وحقوق...
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة...