عبد الحليم قنديل يكتب: ”ترامب” ينتقم من الخليج
حتى وقت كتابة هذه السطور ، لم يكن قد تم بعد توقيع "الاتفاق الإطارى" أو "مذكرة التفاهم" لوقف الحرب بين واشنطن وطهران ، وبحسب أغلب التسريبات عن نص الاتفاق ، فإن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على الرئيس الأمريكى المقاول "دونالد ترامب" فى فن إبرام الصفقات ، كما قالت نصا صحيفة "فايننشيال تايمز" الاقتصادية البريطانية ذائعة الصيت ، ووفق التسريب الأكثر رواجا الذى نشره موقع "أكسيوس" الأمريكى وثيق الصلة بمسئولى البيت الأبيض ، تتضمن مذكرة التفاهم اتفاقا على وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما ، ووقف الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان ، ومبادرة إيران إلى فتح "مضيق هرمز" تدريجيا وإزالة الألغام فى مجراه ، على أن يجرى بالتزامن إنهاء الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وإزاحة ملف مفاوضات الملف النووى الإيرانى إلى مرحلة لاحقة ، وتأكيد إيران على عدم رغبتها فى صناعة أسلحة نووية ، واستعدادها للتفاوض فى جوانب تعليق تخصيب اليورانيوم ، وحل مشكلة يورانيوم التخصيب العالى بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ومقابل الإفراج عن أموال إيران المجمدة ، وإزالة العقوبات المفروضة على طهران ، وسحب كافة الحشود الحربية الأمريكية من المنطقة مع التوصل إلى اتفاق نهائى .
ومن الوهلة الأولى ، تبدو المطالب والأولويات الإيرانية راجحة فى مقترح المذكرة ، ثم عززت إيران هجومها التفاوضى بطلب الحل التدريجى لقضية أموالها المجمدة قبل التوقيع أو فور حدوثه ، وهو ما أبرزته زيارة "محمد باقر قاليباف" رئيس الوفد الإيرانى المفاوض ومعه وزير خارجية طهران "عباس عراقجى" إلى "الدوحة" ، التى دخلت على خط الوساطة الباكستانية بنشاط ظاهر ، وكانت قضية الإفراج عن الأموال المجمدة أهم ماجرى بحثه ، والمعروف أن "الدوحة" كانت مستقرا مختارا لأول دفعة إفراج عن أموال إيران المجمدة ، وتقديراتها الكلية تصل إلى نحو 120 مليار دولار ، وكان الرقم الذى دخلت "الدوحة" طرفا مسهلا فيه نحو سبعة مليارات دولار من "كوريا الجنوبية" ، وبحسب اتفاق بين طهران وواشنطن على عهد الرئيس الأمريكى السابق "جو بايدن" ، وقيل أن طهران تطلب اليوم الإفراج عن 24 مليار دولار كدفعة أولى .
وتبدى إدارة "ترامب" ترددا ظاهرا فى القصة كلها وفى مبدأ التوقيع ، فقد تعرض "ترامب" لهجمات من داخل حزبه الجمهورى نفسه تتهمه بالتراجع والضعف أمام الإيرانيين ، خصوصا بعد أن أبدى "ترامب" مرونة علنية لافتة فى ملف يورانيوم التخصيب العالى ، واحتمال موافقته على المطلب الإيرانى ، الذى يقضى بتخلص إيران ذاتيا من نسبة التخصيب العالى بكمية 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، واستعدادها لتخفيف وترقيق نسبة التخصيب فوق أراضيها ، ورفضها بالطبع لرغبة "ترامب" الأصلية فى تسليم يورانيوم التخصيب العالى إلى واشنطن ، وإن أبدت طهران تجاوبا ضمنيا فى نقل كمية يورانيوم التخصيب العالى إلى الصين أو روسيا ، وإعادته إليها فى صورة كعكة صفراء ووقود نووى لتشغيل مفاعلاتها ومحطاتها النووية ، وتصر إيران على استبقاء حقها المبدئى فى التخصيب ، وترفض تماما كل مطالب تفكيك منشآت برنامجها النووى ، وهو ما أثار خلافا بين "ترامب" و"بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو "الإسرائيلى" ، خصوصا أن مقترح الاتفاق يتضمن وقفا لحرب "إسرائيل" على لبنان و"حزب الله" ، بينما "نتنياهو" يريد تعميق الحرب على لبنان ، إضافة لاستئناف الحرب على "غزة" مع عملية استهداف "محمد عودة" القائد العام لكتائب القسام بعد اغتيال سابقه القائد "عز الدين الحداد" .
وفيما تبدو رغبات وتصرفات "نتنياهو" مفهومة ، فهو يريد أن تظل الحروب دائرة وساخنة حتى موعد الانتخابات "الإسرائيلية" المبكرة فى سبتمبر المقبل ، ويريد الاختباء وراء غبار الحروب من انتقادات حادة لخصومه الانتخابيين ، ومن إعلام وجمهور التجمع "الإسرائيلى" ، الذى يتهم "نتنياهو" بالخضوع لأوامر "ترامب" ، وبالفشل الذريع فى كل الحروب التى خاضها على مدى ثلاثين شهرا مضت ، من "غزة" إلى "لبنان" إلى "إيران" ، والعجز عن تحقيق أى هدف وعد به ، فلم يتم القضاء على "حماس" فى "غزة" ، ولا على "حزب الله" فى لبنان ، ولم يسقط النظام الإيرانى طبعا ، ولم تؤد اغتيالات القادة إلى تراجع حركات المقاومة ، وبدت كأنها مجرد "فرقعات" عسكرية وإعلامية عابرة ، ورغم انتقادات صاخبة ضد "نتنياهو" فى الداخل الإسرائيلى ، فإن "ترامب" بدا فى الموقف المعاكس تماما ، وخضع لصيحات وضغوط الموالين للوبى الصهيونى فى حزبه الجمهورى ، وبينهم السيناتور "ليندسى جراهام" الأكثر صهيونية وتطرفا من "نتنياهو" نفسه ، وقد طالب بإلزام الدول العربية والإسلامية القريبة من أجواء التفاوض والاتفاق مع إيران بالدخول فى مسار "الاتفاقات الإبراهيمية" ، والتطبيع الفورى الكامل مع "إسرائيل" ، بل والدخول فى تحالف معها يحارب إيران ، وسرعان ما زايد "ترامب" نفسه على "جراهام" وأشباهه من الموالين التابعين للوبى "الأيباك" الصهيونى فى واشنطن ، وكشف "ترامب" عن طرحه للمطلب "الإبراهيمى" فى اتصال هاتفى مشترك مع قادة دول عربية وإسلامية ، وأنه طلب التزام دول بينها السعودية وقطر وباكستان بالدخول الإلزامى فى مجرى المعاهدات "الإبراهيمية" ، وعلى طريقة ما فعلت "الإمارات" و"البحرين" و"المغرب" وغيرها ، وجرى التركيز على "السعودية" بالذات ، التى بادرت إلى معارضة التطبيع مع "إسرائيل" ، واشترطت وجود "مسار لا رجعة فيه إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة" ، فيما أعلنت باكستان رفضها للخطوة "الإبراهيمية" بسبب تعارضها مع "الأيديولوجيات الأساسية" المنشئة لوجود باكستان نفسه ، فيما لم تبد "قطر" وغيرها اهتماما بالموضوع من أصله .
وهكذا بدا "ترامب" أحرص على "نتنياهو" ، الذى تشكل تحالف "يائير لابيد" و"نفتالى بينيت" لإسقاطه فى الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة ، بينما يواصل "ترامب" ضغوطه على الرئيس الإسرائيلى "هيرتزوج" لاستصدار عفو عاجل عن "نتنياهو" فى قضايا الفساد وخيانة الأمانة ، ويعبر عن إعجابه بمجرم الحرب المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية ، ويوافق ضمنا وصراحة على اختراقاته لوقف إطلاق النار فى لبنان وفى "غزة" ، رغم أن اتفاقات وقف النارالمعنية جرت بوساطات أمريكية وبرعاية معلنة من "ترامب" شخصيا ، وإضافة لكل ذلك ، يضغط "ترامب" بكامل الثقل الأمريكى لتقديم هدايا إضافية إلى "نتنياهو" ، وفى صورة السعى لتعميم الاتفاقات "الإبراهيمية" سيئة الصيت .
وهكذا تتضح ملامح الصورة الكاملة لما جرى فى الثلاثة شهور الأخيرة ، فلم تكن الحرب على إيران بهوى أمريكى خالص ، بل بدأت بتحريض وتشجيع وتزيين من "نتنياهو" فى أذن "ترامب"، وكانت حربا إسرائيلية جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، ولم يكن هدف إسقاط النظام الإيرانى مطلوبا لذاته ، ولا لتصفية برامج إيران النووية والصاروخية وعلاقات طهران مع حركات المقاومة ، بل كان ذلك كله موصولا بالهدف الأشمل ، وهو جعل منطقة الشرق الأوسط كلها خاضعة للقيادة "الإسرائيلية" ، وإزالة عقبة عداء إيران للكيان "الإسرائيلى" ، وأن يخلو وجه المنطقة كلها لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" وحده ، ومن هنا نفهم شرط "ترامب" لوقف الحرب مع إيران ، وهو أن تسلم دول أخرى خاصة فى الخليج ، قيادها لكيان الاحتلال وحده ، وإلا واجهت هذه الدول "عواقب وخيمة" بنص كلام "ليندسى جراهام" ، أو تكون خالفت "إلزام" الرئيس الأمريكى ، وما يترتب على هذه المخالفة من عقوبات انتقامية .
ومع اكتمال الصورة ، بدا أن "ترامب" يريد الانتقام من دول الخليج العربية بالذات ، وأن تطبع جبرا مع "إسرائيل" وتتحالف معها ، وإلا تركتها واشنطن فريسة لعواقب استمرار الحرب الأمريكية على "إيران" ، وتعريضها لردود فعل إيرانية عسكرية ضارية ، وللخنق اقتصاديا باستمرار غلق "مضيق هرمز" نافذة تصدير البترول والغاز الطبيعى الخليجى إلى العالم ، وبدا "التنمر" الأمريكى عقابا لدول خليجية ، رفضت وترفض التورط مع "إسرائيل" فى شن الحرب على إيران ، ودون أن يلحظ أحد حماسة للحطيئة إلا من دول الاتفاقات "الإبراهيمية" ، خصوصا تلك التى جاهرت أو كادت باستضافة قوات ومعدات "إسرائيلية" على أراضيها ، بعد أن سقطت دعوى الحماية الأمريكية الجاهزة ، ونجحت إيران فى تدمير 16 قاعدة أمريكية بالمنطقة خلال حرب الأربعين يوما ، وثبت مجددا أن "المتغطى بالأمريكان عريان" .
ومحصلة ماجرى إلى اليوم ، أن الاستقلال والنهوض الإيرانى نجح فى تحدى الطغيان الأمريكى "الإسرائيلى" ، وفوجئ الجميع بالصمود الإيرانى المذهل فى ميادين السلاح والتفاوض ، بينما الذين وضعوا "كل بيضهم" وتريليونات الدولارات فى السلة الأمريكية ، رأوا أن المطلوب ليس فقط رضا ودعم وعطف واشنطن ، بل الانصياع الكامل لخطط ورغبات كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، وكسب قلب "نتنياهو" وحكومته الأكثر تطرفا وإجراما ، والتنصل الكامل من حقوق الشعب الفلسطينى والشعوب العربية المحتلة بعض أراضيها ، وتنصيب "إسرائيل" إلها معبودا فى كل المنطقة ، وهو ما يتصور "ترامب" وأشياعه أنه هدفهم الأسمى أيضا ، وأنه الرابط المقدس بين "اليمين التوراتى" فى "إسرائيل" و"اليمين الصهيونى المسيحى" فى أمريكا ، وبين مجرمى الحرب "نتنياهو" و"ترامب" ، وهكذا سقطت كل الأقنعة دفعة واحدة .





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
عبدالسلام عبدالله يوجه الشكر لمدير الحاسب الآلي بالتأمين الصحي بالإسكندرية تقديرًا لجهوده...
تهنئة حارة لسارة حسين محمد بمناسبة عيد ميلادها
«من جرجوب للإسكندرية».. النائب محمد جبريل يشيد بطفرة النقل ويطالب بـ«كوبري حياة»...
محمد يوسف ولطفي السقعان وأسرة جريدة «الميدان» ينعون والدة الناقد الرياضي عادل...