الطلاق في مصر: نهاية الزواج أم بداية حرب ؟
عبدالعزيز محسن
ثمة لحظة خفية انهار فيها شيء ما داخل فكرة الأسرة المصرية.
لم يكن الانهيار صاخبًا كالحروب، ولا مرئيًا كانهيار المباني، بل تسلل بهدوء إلى النصوص، وإلى قاعات المحاكم، وإلى اللغة نفسها التي صرنا نصف بها الأب والأم والطفل بعد الطلاق.
في تلك اللحظة، لم يعد الأب أبًا كامل الحضور، بل “ملزمًا بالنفقة”. ولم تعد الأم شريكة في بيت انهار، بل “حاضنة في خصومة”.
ولم يعد الطفل روحًا ممزقة بين قلبين، بل “محل نزاع” تتداوله الأحكام والطلبات والمذكرات القضائية.
اقرأ أيضاً
دعم وتكريم أبطال مصر الدوليين الحاصلين على بطولات العالم بالإسكندرية
قيادي بـ”حماة الوطن”: تشديد الرقابة على الأسواق قبل عيد الأضحى ضرورة قصوى لحماية الأمن الغذائي للمواطنين
”إرادة جيل”: نطالب بـ ”غرفة طوارئ” مستمرة لمتابعة الأسواق وتوفير منافذ بديلة للمواطنين خلال عيد الأضحى
رفعت فياض يكتب: جامعة مصرية بمواصفات عالمية في صعيد مصر
رأفت هندي يبحث مع Foundever خطط التوسع في مصر وإنشاء مركز جديد بالجيزة
«زلزال ”بيزنس” الطب الفاخر.. كيف كسر المفتش الصحي ”حصانة المليارات” بـ ”مستشفى دار الفؤاد”؟»
تعليق وفيق نصير على قرار الأمم المتحدة الجديد للمناخ
أشرف محمود: نشر صور هدايا الصين في القمامة يهدم الأعراف الدبلوماسية
أشرف محمود: وصول احتياطي النقد الأجنبي لـ 53 مليار دولار شهادة صريحة بأننا نسير في الطريق الصحيح
خبير أمني: الأجهزة الإلكترونية المهداة قد تحمل ثغرات تهدد الأمن القومي في الصميم
لماذا يندفع المرضى وكبار السن نحو مكة بقلوب فرحة؟.. عالم أزهري يُجيب
لماذا إسماعيل هو الذبيح وليس إسحاق؟.. عالم بالأوقاف يحسم الجدل التاريخي
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية:
حين يتحول القانون من محاولة لإنقاذ ما تبقى من الأسرة… إلى جهاز رسمي لإدارة حطامها.
في السنوات الأخيرة، نشأ خطاب حقوقي وإعلامي يتعامل مع الرجل بوصفه “المتهم الطبيعي” داخل أي نزاع أسري.
ومع الوقت، لم تعد هذه مجرد نبرة ثقافية، بل تسربت إلى الوعي القانوني ذاته، حتى بدا أحيانًا أن الأب يدخل محكمة الأسرة محملًا بعبء إثبات أخلاقه قبل إثبات حقوقه.
هكذا، بهدوء بارد، تحوّل الأب من إنسان إلى شبهة.
حين يصبح الفقر جريمة
في بلد يئن تحت الضغوط الاقتصادية، يمكن لرجل فقد عمله أو سقط مشروعه أو التهم المرض قدرته على الكسب أن يجد نفسه فجأة مهددًا بالحبس بسبب النفقة.
لا لأنه هرب من المسؤولية، بل لأنه تعثر تحت ثقل الحياة نفسها.
لكن النصوص الجامدة لا تفهم هشاشة البشر.
إنها تسأل فقط:
“دفعت أم لم تدفع؟”
أما كيف عاش هذا الرجل؟
كيف انهار؟
كيف صار عاجزًا عن النجاة أصلًا؟
فذلك ليس شأن القانون.
وهكذا يتحول الأب المعسر إلى متهم، لا لشيء سوى أنه خسر معركته الاقتصادية في زمن قاسٍ.
يدخل السجن، فتخسر الأسرة مصدر رزقها، وتخسر الأم النفقة التي كانت تنتظرها، ويخسر الطفل ما تبقى من صورة أبيه.
الجميع يغرق… بينما يظل النص واقفًا على الشاطئ يتحدث عن العدالة.
أي عدالة هذه التي تعاقب العجز كما لو كان جريمة أخلاقية؟
إن الدولة التي تسجن الأب المعسر لأنها لم تجد طريقة أكثر إنسانية لتحصيل النفقة، تشبه طبيبًا يكسر عظام المريض لأنه فشل في علاجه.
آباء على مقاعد الانتظار
لكن أكثر المشاهد قسوة لا تحدث داخل الزنازين، بل داخل مراكز الرؤية.
هناك، يجلس آباء يحملون ألعابًا صغيرة ووجوهًا متعبة، ينتظرون دقائق معدودة مع أطفال صاروا يكبرون بعيدًا عنهم.
أب يحاول أن يبدو طبيعيًا وهو يسأل طفله عن المدرسة، بينما يعرف في داخله أنه لم يعد يعرف تفاصيل حياته الحقيقية، ولا مخاوفه الصغيرة، ولا حتى مقاس حذائه الجديد.
أي اختزال مهين هذا الذي حوّل الأبوة إلى “موعد أسبوعي” تحت إشراف إداري؟
الطفل لا يحتاج إلى أب يدفع فقط، بل إلى أب يعيش معه الزمن اليومي:
صوته في الصباح، غضبه العابر، ضحكته، حضوره العادي الذي لا تعوضه الأموال ولا الأحكام.
لكن بعض التطبيقات القانونية اختزلت الأب إلى وظيفة مالية، وكأن دوره الوجداني يسقط تلقائيًا بسقوط الزواج.
وهنا يصبح القانون – دون أن يشعر – شريكًا في إنتاج اليُتم العاطفي.
الاتهام بوصفه عقوبة
لا أحد ينكر أن العنف الأسري جريمة، وأن النساء اللواتي يتعرضن للإيذاء يستحققن حماية كاملة وسريعة.
لكن المأساة تبدأ حين يتحول مبدأ الحماية إلى مناخ من الاشتباه الدائم، ويصبح الاتهام نفسه نوعًا من الإدانة المسبقة.
في بعض النزاعات الأسرية، يكفي بلاغ واحد حتى يخسر الرجل سمعته أو عمله أو حقه في الاقتراب من أطفاله، قبل أن يقول القضاء كلمته النهائية.
وهنا لا يعود السؤال:
“هل حدث العنف فعلًا؟”
بل يصبح:
“كيف يثبت الرجل أنه ليس وحشًا؟”
هذه أخطر لحظة يمكن أن يصل إليها أي نظام قانوني:
حين يتراجع افتراض البراءة أمام ضغط التعاطف الأيديولوجي.
فالعدالة التي تنطلق من صورة مسبقة عن الضحية والجاني ليست عدالة، بل إعادة توزيع للعاطفة السياسية في هيئة قانون.
الأسرة بين العدالة والاستيراد
الأزمة الأعمق أن جزءًا من النقاش حول قوانين الأسرة في مصر لم يعد نابعًا فقط من الواقع المصري، بل من تصورات مستوردة نشأت في مجتمعات مختلفة تمامًا في تاريخها وثقافتها وفهمها للعلاقات الإنسانية.
هناك فلسفات اجتماعية كاملة تنظر إلى الأسرة التقليدية باعتبارها بنية يجب تفكيكها، وإلى الأب باعتباره رمزًا لسلطة تاريخية ينبغي تحجيمها.
وحين تُنقل هذه الرؤى إلى مجتمعاتنا بلا تفكير نقدي، يتحول القانون من وسيلة لتنظيم المجتمع إلى أداة لإعادة تشكيله قسرًا.
لكن مصر ليست نسخة مترجمة من الغرب.
والأسرة المصرية – رغم أزماتها – ليست معمل تجارب لنظريات اجتماعية عابرة للحدود.
نحن لا نحتاج إلى استيراد صراعات الآخرين بقدر ما نحتاج إلى شجاعة مواجهة مشكلاتنا بعيوننا نحن، لا بعيون ممولين وتقارير ومنصات دولية ترى العالم كله من نافذة واحدة.
ما الذي نحتاجه حقًا؟
لا نحتاج قانونًا ينتصر للرجال ضد النساء.
ولا قانونًا ينتصر للنساء ضد الرجال.
نحتاج قانونًا يتذكر أن الأسرة ليست ساحة حرب أصلًا.
قانونًا يفهم أن الطفل ليس غنيمة، وأن الأب ليس ماكينة دفع، وأن الأم ليست خصمًا دائمًا، وأن العدالة لا تتحقق بإذلال طرف لصالح آخر.
فالبيت الذي يسقط بالكراهية… لا تعيده الأحكام القضائية.
والمجتمعات لا تنهار فقط حين تجوع، بل حين يفقد الناس إيمانهم بأن القانون ما زال قادرًا على رؤية إنسانيتهم، لا مجرد ملفاتهم.
في النهاية، قد تنتصر زوجة في دعوى، وقد ينتصر رجل في استئناف، لكن الخاسر الحقيقي في كثير من معارك الأسرة هو ذلك الطفل الذي يكبر بين أبوين حوّلهما القانون من شريكين سابقين إلى خصمين أبديين.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس:
من ربح القضية؟
بل:
ماذا بقي من البيت بعد أن انتصر الجميع؟





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
عبدالسلام عبدالله يوجه الشكر لمدير الحاسب الآلي بالتأمين الصحي بالإسكندرية تقديرًا لجهوده...
تهنئة حارة لسارة حسين محمد بمناسبة عيد ميلادها
«من جرجوب للإسكندرية».. النائب محمد جبريل يشيد بطفرة النقل ويطالب بـ«كوبري حياة»...
محمد يوسف ولطفي السقعان وأسرة جريدة «الميدان» ينعون والدة الناقد الرياضي عادل...