حرب المسيّرات الصامتة: كيف تستخدم إيران «حزب الله» كورقة ضغط قبل المفاوضات؟
عبدالعزيز محسن
في الحروب الحديثة، لم تعد القوة العسكرية تُقاس فقط بعدد الطائرات المقاتلة أو الصواريخ الباليستية.
ثمة سلاح آخر بات يفرض نفسه على خرائط الصراع: الطائرات المسيّرة.
سلاح منخفض التكلفة، مرتفع التأثير، وقادر على إرباك جيوش تملك أكثر أنظمة الدفاع تطوراً في العالم.
خلال الأسابيع الأخيرة، عادت المسيّرات المرتبطة بـ«حزب الله» إلى واجهة المشهد الأمني على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، لتثير تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر نحو أبعاد سياسية واستراتيجية أكثر تعقيداً.
اقرأ أيضاً
الأحوال الشخصية 2026: قانون جديد أم نسخة من أزمة قديمة؟
نحن أبناء الحكايات الخفية: كيف نرث أنماط الحياة والتفكير والجروح”أفدنة المزارعين تحترق.. والونش غائب!”.. من يتستر على تقصير مسؤولين بالوادي الجديد؟
بين العدالة والاستقرار.. لماذا تحتاج القوانين إلى مرجعية؟
مهرجان ”كان”.. هل أصبحت السينما مرآة للواقع السياسي المضطرب؟
نادي الشيخ زايد.. صندوق أسود من الأسرار أم مجرد اتهامات تنتظر الحقيقة؟
لماذا سُمي جبل عرفات بهذا الاسم؟.. عالم أزهري يكشف
روشتة ذهبية للدكتورة ميرفت السيد ”اللحوم من الذبح إلى المائدة، كيف نتعامل مع اللحوم بطريقة آمنة خلال عيد الأضحى”
الطلاق في مصر: نهاية الزواج أم بداية حرب ؟
«زلزال ”بيزنس” الطب الفاخر.. كيف كسر المفتش الصحي ”حصانة المليارات” بـ ”مستشفى دار الفؤاد”؟»
لماذا يندفع المرضى وكبار السن نحو مكة بقلوب فرحة؟.. عالم أزهري يُجيب
لماذا إسماعيل هو الذبيح وليس إسحاق؟.. عالم بالأوقاف يحسم الجدل التاريخي
فهل نحن أمام تطور ميداني منفصل، أم أمام رسالة إيرانية محسوبة التوقيت على وقع التعثر المستمر في الملف النووي؟
تشير تقديرات أمنية وعسكرية متداولة في الإعلام الغربي والإسرائيلي إلى أن «حزب الله» يعمل منذ فترة على إعادة بناء قدراته الجوية غير المأهولة، مستفيداً من الخبرات المتراكمة في النزاعات الإقليمية، ومن التطور السريع في تقنيات المسيّرات منخفضة الكلفة.
اللافت أن طبيعة التهديد نفسها تبدو في طور التحول.
فبدلاً من التركيز الحصري على الصواريخ الدقيقة باهظة الثمن، تتجه العقيدة القتالية الحديثة نحو استخدام أسراب من المسيّرات الصغيرة القادرة على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم والاستنزاف في آن واحد.
وهي معادلة أثبتت فعاليتها في أكثر من ساحة صراع حول العالم خلال السنوات الأخيرة.
في هذا السياق، تبدو إيران أكثر اقتناعاً من أي وقت مضى بأن أدوات النفوذ غير التقليدية تمنحها هامشاً أكبر للمناورة السياسية.
فالمسيّرات لا تحقق فقط أهدافاً عسكرية، بل تؤدي دوراً ردعياً ونفسياً وسياسياً في الوقت ذاته، خصوصاً عندما تتزامن مع مراحل حساسة من التفاوض مع الولايات المتحدة والقوى الغربية.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل تستخدم طهران التصعيد المحدود على الجبهة اللبنانية كورقة ضغط غير مباشرة لتحسين شروطها التفاوضية؟
لا توجد أدلة معلنة وحاسمة تثبت وجود ارتباط ميكانيكي بين كل جولة تفاوض وكل تصعيد ميداني، لكن تزامن الأحداث يدفع كثيراً من المحللين إلى الاعتقاد بأن الجبهات الإقليمية أصبحت جزءاً من أدوات إدارة التفاوض وليست مجرد ساحات مستقلة للصراع.
المعضلة بالنسبة لصناع القرار في واشنطن وتل أبيب تكمن في أن أي اتفاق محتمل قد يعالج جانباً من الملف النووي، لكنه لا يضمن بالضرورة معالجة القدرات العسكرية المتنامية للحلفاء الإقليميين لإيران.
وهنا يظهر التناقض بين الرغبة في احتواء الأزمة النووية وبين استمرار المخاوف الأمنية المرتبطة بالمسيّرات والصواريخ ووكلاء النفوذ في المنطقة.
الأرجح أن الأشهر المقبلة لن تشهد حرباً شاملة، بل استمراراً لما يمكن وصفه بـ«الحرب المجمدة»: ضربات محدودة، رسائل متبادلة، وتصعيد محسوب لا يصل إلى نقطة الانفجار الكبير.
غير أن هذا النوع من الصراعات يحمل دائماً خطراً كامناً، إذ قد يؤدي حادث واحد أو خطأ في التقدير إلى تغيير المشهد بالكامل.
لقد أصبحت المسيّرات اليوم أكثر من مجرد أدوات قتالية.
إنها لغة سياسية جديدة تُكتب في السماء، ورسائل استراتيجية تتجاوز حدود الميدان.
وبينما تستمر المفاوضات خلف الأبواب المغلقة، قد تكون المسيّرة التي تحلق فوق الحدود جزءاً من حوار غير معلن بين العواصم المتصارعة.
وفي عالم تتزايد فيه قيمة الحروب منخفضة التكلفة، يبدو أن مستقبل الصراعات لن يُحسم دائماً بالصواريخ الأكبر، بل أحياناً بالطائرات الأصغر.


