دكتورة فاتن فتحي تكتب : بناء إنسان قادر على الحياة بكرامة.. جوهر العمل الخيري التنمية وليس توزيع مساعدات
حين نتحدث عن العمل الإنساني، غالبًا ما تتجه الصورة الذهنية إلى شاحنة تحمل صناديق غذاء، أو قافلة توزع الأدوية والملابس، أو مساعدات عاجلة تصل إلى أسرة في لحظة احتياج. وهذه الاستجابة ضرورية، بل قد تكون مسألة حياة أو موت في أوقات الكوارث والحروب والأزمات. لكن اختزال العمل الإنساني في «توزيع المساعدات» يختزل الإنسان نفسه في احتياج مؤقت، بينما الهدف الأعمق هو أن يستعيد الإنسان قدرته على الحياة والعمل والتعلم والاعتماد على الذات، وأن يعيش بكرامة لا أن يبقى أسيرًا للمساعدة.
ومن هذه الزاوية تكتسب مهمة السفيرة في منظمة إنسانية معنى مختلفًا؛ فهي ليست مجرد واجهة للتعريف بالمؤسسة أو جمع التبرعات، وإنما يمكن أن تكون صوتًا لفكرة أوسع: أن الاستثمار الحقيقي في الإنسان يبدأ من صحته، ويمر بالتعليم والتأهيل والتدريب، وينتهي بالتمكين الاقتصادي والاجتماعي. فالمساعدة التي تسد جوعًا اليوم مهمة، لكن الرعاية الصحية التي تمنع مرضًا، والتأهيل الذي يعيد القدرة على الحركة، والتعليم الذي يفتح بابًا للمستقبل، والتدريب الذي يقود إلى مهنة، كلها أشكال من العمل الإنساني لا تقل أهمية عن المساعدة العاجلة.
وتكشف الأرقام حجم هذه المسؤولية. فبحسب منظمة الصحة العالمية، يحتاج نحو شخص واحد من كل ثلاثة أشخاص في العالم إلى نوع من خدمات إعادة التأهيل، بينما لا يحصل أكثر من 50% من المحتاجين إلى التأهيل في بعض البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل على هذه الخدمات. وتؤكد المنظمة أن إعادة التأهيل ليست خدمة ثانوية، بل جزء أساسي من الرعاية الصحية، لأنها تساعد الإنسان على استعادة الاستقلالية والمشاركة في التعليم والعمل والحياة اليومية.
وهنا تتضح العلاقة المباشرة بين العمل الإنساني والصحة. فالإنسان الذي نجا من إصابة أو مرض أو كارثة لا تنتهي حاجته الإنسانية بمجرد خروجه من المستشفى. قد يحتاج إلى علاج طبيعي، أو جهاز مساعد على الحركة، أو متابعة نفسية، أو تدريب على مهارة جديدة، أو دعم للعودة إلى المدرسة أو العمل. وفي أزمات النزوح والكوارث، قد يؤدي انقطاع هذه الخدمات إلى مضاعفات صحية وإعاقة طويلة الأمد، بينما يمكن للتدخل المبكر أن يقلل آثار الإصابة ويحافظ على استقلالية الفرد.
ولذلك دعت منظمة الصحة العالمية في عام 2025 إلى دمج خدمات إعادة التأهيل والتكنولوجيا المساعدة بصورة أكبر في الاستجابة الإنسانية للطوارئ، مؤكدة أن استعادة الوظائف والاستقلالية والكرامة ليست رفاهية في أوقات الأزمات، وإنما جزء من الاستجابة الصحية نفسها.
لكن الصحة وحدها لا تكفي لبناء حياة مستقرة. فالطفل الذي يحصل على الغذاء والدواء لكنه يظل خارج المدرسة، والشاب الذي يتلقى العلاج لكنه لا يمتلك مهارة تمكنه من العمل، والمرأة التي تحصل على مساعدة نقدية لكنها لا تجد طريقًا للتدريب أو الإنتاج، جميعهم قد يتلقون دعمًا إنسانيًا حقيقيًا، لكن دائرة الاحتياج قد تستمر إذا لم تتحول الاستجابة من إنقاذ الإنسان في اللحظة الراهنة إلى بناء قدرته على المستقبل.
الأرقام العالمية تؤكد أن التعليم جزء أساسي من العمل الإنساني. فالبنك الدولي يشير إلى أن نحو 244 مليون طفل وشاب تتراوح أعمارهم بين 6 و18 عامًا كانوا خارج المدرسة، كما أن الأطفال ذوي الإعاقة أكثر عرضة بنحو 2.5 مرة لعدم الالتحاق بالمدرسة مقارنة بأقرانهم. وفي عام 2025، بلغ عدد الأطفال الذين احتاجوا إلى مساعدات إنسانية وفق تقديرات اليونيسف نحو 213 مليون طفل، مقارنة بنحو 183.5 مليونًا في 2024، في ظل أزمات متداخلة من النزاعات والنزوح وانعدام الغذاء والصدمات المناخية وتعطل الخدمات الأساسية.
واللافت أن النتائج الإنسانية الفعلية تؤكد أن الاستجابة المتكاملة ممكنة وليست مجرد شعار. ففي عام 2025، ساعدت برامج اليونيسف الإنسانية 9.1 مليون طفل ومراهق في الوصول إلى التعليم، وقدمت خدمات دعم نفسي واجتماعي مجتمعي لنحو 8.8 مليون طفل، كما وصلت خدمات المياه إلى 36.2 مليون شخص، واستفاد 38.7 مليون طفل من التطعيم ضد الحصبة، بينما استفاد 98.8 مليون طفل دون الخامسة من خدمات الكشف المبكر عن الهزال وسوء التغذية وعلاجه.
هذه الأرقام تقول شيئًا مهمًا: العمل الإنساني الحديث لم يعد مسارًا واحدًا يبدأ بالمساعدة وينتهي بتسليمها، بل منظومة تبدأ بحماية الحياة، ثم حماية الصحة، ثم استعادة القدرة، ثم فتح الطريق أمام التعليم والعمل والاعتماد على الذات.
وتزداد أهمية هذا المفهوم عندما نتحدث عن الأشخاص ذوي الإعاقة. فالبنك الدولي يقدّر عدد الأشخاص ذوي الإعاقة بأكثر من مليار شخص، أي نحو 16% من سكان العالم، ويشير إلى ارتباط الإعاقة في كثير من السياقات بارتفاع مخاطر الفقر وضعف فرص التعليم والعمل والحصول على الخدمات. وفي حالات الأزمات الإنسانية والصراعات، قد تكون معدلات الوفيات بين الأشخاص ذوي الإعاقة أعلى بمرتين إلى أربع مرات، وفق البيانات التي يعرضها البنك الدولي.
أما في سوق العمل، فتشير منظمة العمل الدولية إلى أن نحو 1.3 مليار شخص، أي قرابة واحد من كل ستة من سكان العالم، يعانون إعاقة كبيرة، بينما لا يشارك في سوق العمل سوى نحو ثلاثة من كل عشرة أشخاص ذوي إعاقة. كما وجدت دراسة للمنظمة أن العاملين ذوي الإعاقة يحصلون في المتوسط على أجر أقل بنحو 12% في الساعة مقارنة بغيرهم، وترتفع فجوة الأجور إلى نحو 26% في البلدان منخفضة ومنخفضة الدخل.
وهنا يصبح التدريب جزءًا من العلاج الإنساني، لا نشاطًا منفصلًا عنه. فحين نؤهل شابًا لمهنة، أو ندرب امرأة على مهارة إنتاجية، أو نساعد شخصًا من ذوي الإعاقة على اكتساب مهارة تتوافق مع قدراته، فإننا لا نقدم له «مساعدة» بالمعنى التقليدي؛ نحن نزيل أحد الحواجز التي تمنعه من بناء دخله واستقلاله. والفرق بين الأمرين جوهري: المساعدة تستجيب للاحتياج، أما التمكين فيغير قدرة الإنسان على مواجهة الاحتياج مستقبلًا.
ومن هنا يمكن للسفيرة في المنظمة الإنسانية أن تقدم نموذجًا مختلفًا للرسالة الإنسانية؛ نموذجًا لا يكتفي بتصوير لحظة تسليم المساعدة، وإنما يسلط الضوء على رحلة الإنسان كاملة: طفل يحصل على التطعيم ثم يعود إلى المدرسة، مصاب يتلقى العلاج والتأهيل ثم يستعيد قدرته على الحركة، فتاة تتعلم مهارة ثم تتحول إلى مصدر دخل لأسرتها، وشاب يحصل على تدريب مهني ثم يجد فرصة للعمل. هذه القصص لا تقل إنسانية عن صورة المساعدة العاجلة؛ بل ربما تكشف جوهرها الأبعد.
الكرامة هنا ليست كلمة أدبية، وإنما معيار عملي يمكن قياسه. هل يستطيع المريض الحصول على الخدمة الصحية التي يحتاجها؟ هل يستطيع الطفل الوصول إلى التعليم؟ هل يمتلك الشخص ذو الإعاقة وسيلة مساعدة مناسبة؟ هل يستطيع الشاب اكتساب مهارة مطلوبة؟ هل تملك المرأة فرصة حقيقية للإنتاج والعمل؟ وهل يستطيع الإنسان الذي تلقى المساعدة أن يصبح، مع الوقت، أقل اعتمادًا عليها؟
وعندما تصبح هذه الأسئلة جزءًا من تصميم البرامج الإنسانية، تتغير الأولويات. يصبح الاستثمار في العاملين الصحيين والتدريب المهني والمعلمين وأخصائيي التأهيل، وبناء المراكز الصحية والتعليمية، وتوفير التكنولوجيا المساعدة، ودعم المشروعات الصغيرة، جزءًا من منظومة الاستجابة الإنسانية، وليس نشاطًا خارجها.
وهذا لا يعني بالطبع التقليل من قيمة المساعدات المباشرة. ففي الكوارث والحروب والمجاعات، قد يكون الغذاء والماء والدواء والمأوى هو الأولوية المطلقة. لكن الاستجابة الإنسانية التي تتوقف عند مرحلة الطوارئ تترك الإنسان معرضًا للعودة إلى دائرة الاحتياج نفسها. أما الاستجابة التي تستمر من إنقاذ الحياة إلى استعادة القدرة ثم إلى التمكين، فتفتح طريقًا مختلفًا للتعافي.
إن العالم يواجه أزمات أكثر تعقيدًا، والاحتياجات الإنسانية لم تعد منفصلة عن الصحة والتعليم والاقتصاد والحماية الاجتماعية. ولذلك فإن السؤال الأهم لم يعد فقط: «كم صندوقًا وزعنا؟»، وإنما أيضًا: «كم إنسانًا استعاد قدرته على أن يعيش؟ كم طفلًا عاد إلى التعلم؟ كم مريضًا استعاد استقلاليته؟ كم شابًا اكتسب مهارة؟ وكم أسرة أصبحت أكثر قدرة على مواجهة المستقبل؟».
في النهاية، العمل الإنساني الأكثر استدامة هو الذي يرى الإنسان كاملًا، لا يرى جوعه فقط، ولا مرضه فقط، ولا فقره فقط. يراه إنسانًا له جسد يحتاج إلى صحة، وعقل يحتاج إلى تعليم، وقدرات تحتاج إلى تأهيل، ومهارات تحتاج إلى تدريب، وطموح يحتاج إلى فرصة، وحق أصيل في أن يعيش بكرامة.
وهنا يمكن أن تكون رسالة السفيرة الإنسانية أبعد من التعريف بمنظمة أو الترويج لمبادرة؛ يمكن أن تكون دفاعًا عن مفهوم أوسع للعمل الإنساني: أن نعطي الإنسان ما يحتاجه اليوم، نعم، لكن الأهم أن نساعده على امتلاك القدرة التي يحتاجها غدًا. فغاية العمل الإنساني ليست أن يبقى الإنسان محتاجًا إلى يد تمتد إليه، وإنما أن يستعيد قدرته على الوقوف والمشاركة والإنتاج وصناعة حياته بنفسه.





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
القبض علي الدجال المعالج عبدالرحمن ترك بالإسكندرية اتهامه بالترويج للدجل عبر...
حنفية الصدقة بشوارع الإسكندرية القديمة عمرها أكثر من 100 عام
«الميدان» تهنيء ” محمد و رنا” بمناسبة ”عقد القران”
النائب كمال وسيم يشارك ال عكيرش أفراحهم بالتهنئة