المغرب وإسبانيا أمام اختبار الشراكة.. نيويورك تفتح نافذة جديدة للحوار وتعيد ملف الهجرة إلى صدارة المشهد
من نيويورك.. رسائل متعددة في لقاء واحد
لم يكن اللقاء الذي جمع وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، بنظيره الإسباني خوسي مانويل ألباريس، على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل جاء في توقيت تحمل فيه العلاقات المغربية الإسبانية مجموعة من الملفات المتشابكة، من الشراكة والتعاون إلى الهجرة ونقاط الاختلاف.
ومن قلب نيويورك، اختارت الرباط أن تقدم رؤيتها للعلاقة مع مدريد عبر ثلاث رسائل متكاملة: التمسك بأسس الشراكة، رفض تحويل الخلافات إلى أزمات، والإصرار على أن يبقى الحوار والتشاور وحسن الجوار الطريق لمعالجة الملفات الحساسة.
وفي المقابل، برز ملف الهجرة باعتباره أحد أكثر الاختبارات العملية حساسية، خصوصًا فيما يتعلق بعودة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين الموجودين في سبتة.
أبريل 2022.. مرجعية لا تزال حاضرة
أكد بوريطة أن العلاقات المغربية الإسبانية تقوم وستظل قائمة على مبادئ البيان المشترك الصادر في أبريل 2022، عقب مباحثات الملك محمد السادس ورئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز.
وتقوم هذه المرجعية، وفق التصريحات المغربية، على الشراكة والاحترام المتبادل والحوار، فضلًا عن تفادي فرض الأمر الواقع أو القيام بتصرفات غير متوقعة يمكن أن تؤثر في مسار العلاقات.
وهذه الإشارة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا؛ فهي تعكس تمسك الرباط بوجود قواعد تحكم العلاقة، بحيث لا تتحول أي قضية خلافية إلى سبب لإعادة صياغة مجمل العلاقات الثنائية.
فالمغرب، وفق الرسالة التي حملتها تصريحات وزير خارجيته، يميز بين الخلاف حول ملف محدد وبين مستقبل الشراكة ككل.
الهجرة.. عندما تتحول الشراكة إلى اختبار عملي
إذا كانت البيانات والاتفاقات ترسم الإطار السياسي للعلاقات، فإن ملف الهجرة يمثل الجانب العملي الأكثر حساسية في هذه المرحلة.
فالموضوع يتجاوز كونه قضية حدودية، ليشمل المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين، وما يرتبط بذلك من ترتيبات قانونية وأمنية وإنسانية.
وخلال تصريحاته في نيويورك، أكد بوريطة أن المغرب يتعامل مع مسألة العودة في إطار التعاون مع إسبانيا، بينما أثار مسألة مسؤولية الجانب الإسباني عن أي عراقيل أو تأخر في تنفيذ عمليات العودة، وفق ما نقلته وسائل الإعلام المغربية والإسبانية.
وهنا تظهر إحدى أكثر النقاط حساسية في العلاقة: الاتفاق على مبدأ التعاون شيء، وتحويل هذا التعاون إلى آلية تنفيذية فعالة شيء آخر.
فنجاح أي تفاهم دبلوماسي في نهاية المطاف يقاس بقدرته على إنتاج حلول عملية، وليس فقط بعبارات البيانات الرسمية.
الرباط ترفض أن يصبح الخلاف عنوانًا للعلاقة
وفي الوقت الذي تفتح فيه الرباط الباب أمام الحوار، جاءت تصريحات بوريطة لتنتقد ما وصفه بالمرافعات التي لا أساس لها والخطاب العقيم بشأن العلاقة بين البلدين.
وتكشف هذه النقطة عن محاولة مغربية للفصل بين النقد السياسي الذي يمكن مناقشته عبر المؤسسات والقنوات الدبلوماسية، وبين الخطابات التي ترى الرباط أنها لا تخدم طبيعة الشراكة القائمة.
فالعلاقة المغربية الإسبانية، بحكم موقع البلدين وتداخل المصالح بينهما، تبدو أكبر من أن تختزل في ملف الهجرة وحده، أو في قضية واحدة مهما بلغت حساسيتها.
ولهذا ركز الوزير المغربي على ضرورة النظر إلى الصورة الأوسع، والبحث عن المساحات التي يمكن للبلدين أن يحققا فيها تقدمًا مشتركًا.
ما يجمع الرباط ومدريد أكبر من نقاط الخلاف
الرسالة الأكثر وضوحًا في تصريحات بوريطة كانت التأكيد على وجود العديد من الملفات التي يتفق حولها المغرب وإسبانيا، ويمكن إحراز تقدم بشأنها.
وهذا الطرح يضع العلاقات الثنائية أمام مفهوم مختلف لإدارة الأزمات؛ فبدل أن يؤدي الاختلاف في ملف إلى تجميد بقية الملفات، يمكن مواصلة التعاون في المجالات التي تتوافر فيها المصالح المشتركة، مع تخصيص مسار منفصل للتفاوض حول نقاط الخلاف.
ومن الناحية الدبلوماسية، فإن هذا النهج يتيح للطرفين المحافظة على قنوات الاتصال مفتوحة، ويقلل من احتمالات انتقال الخلاف من ملف إلى آخر.
حسن الجوار.. قاعدة لإدارة الاختلاف
لم يكن مفهوم حسن الجوار مجرد عبارة وردت في التصريحات، وإنما بدا عنصرًا أساسيًا في الرؤية التي قدمها بوريطة.
فالمغرب وإسبانيا دولتان متجاورتان، وما يجمعهما من ملفات سياسية واقتصادية وأمنية وإنسانية يجعل التواصل بينهما ضرورة مستمرة.
ولهذا أكد الوزير المغربي أن نقاط الاختلاف ينبغي أن تخضع للحوار والتشاور، مع الاسترشاد بروح حسن الجوار والتعاون.
وتحمل هذه الرسالة بعدًا يتجاوز الأزمة الحالية؛ إذ تضع العلاقة في إطار طويل المدى، حيث لا يفترض أن يؤدي اختلاف المواقف في قضية معينة إلى إلغاء المصالح المشتركة أو تعطيل آليات الاتصال.
سبتة.. ملف حساس في قلب المشهد
وفي قلب هذه الصورة تأتي مدينة سبتة باعتبارها إحدى النقاط التي تلتقي فيها ملفات الحدود والهجرة والتنسيق الأمني والإنساني.
وقد تناول لقاء بوريطة وألباريس في نيويورك موضوع إعادة المهاجرين الموجودين في سبتة، بما في ذلك القاصرون غير المصحوبين، وفق ما أوردته مصادر إعلامية إسبانية.
ويكشف طرح هذا الملف على مستوى وزيري الخارجية عن طبيعته السياسية الحساسة، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن القضايا المعقدة تحتاج إلى اتصال مباشر بين الحكومتين.
فحين تتعدد الجهات والمؤسسات المعنية، تصبح القنوات السياسية والدبلوماسية عاملًا أساسيًا لتنسيق المواقف وتحديد المسؤوليات والوصول إلى ترتيبات عملية.
بين الحزم والمرونة.. الدبلوماسية المغربية تختار الحوار
المتابع لتصريحات بوريطة يلاحظ الجمع بين نبرتين تبدوان للوهلة الأولى مختلفتين، لكنهما تعملان في اتجاه واحد.
النبرة الأولى تؤكد موقف المغرب من الملفات التي يرى أنها تمس مصالحه، وترفض تحميله مسؤولية عراقيل لا يعتبرها ناتجة عنه.
أما النبرة الثانية فتؤكد استمرار الحوار والتشاور، والحرص على تطوير ما يجمع الرباط ومدريد.
وهذا يعني أن الحوار، في التصور المغربي الذي عكسته تصريحات الوزير، لا يعني التخلي عن المواقف، كما أن الدفاع عن الموقف لا يعني إغلاق باب التفاوض.
إنها معادلة دبلوماسية تقوم على التمسك بالمصالح مع إبقاء قنوات التفاهم مفتوحة.
مدريد والرباط.. شراكة تحتاج إلى إدارة مستمرة
العلاقات بين دولتين متجاورتين لا يمكن أن تكون خالية من الملفات الحساسة. لكن الفارق يكمن في طريقة إدارة هذه الملفات.
وفي الحالة المغربية الإسبانية، تبرز أهمية البيان المشترك لعام 2022 باعتباره مرجعية سياسية، بينما يمثل ملف الهجرة اختبارًا لمدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهم السياسي إلى تعاون عملي.
ومن هنا تبدو اجتماعات المسؤولين والاتصالات المباشرة ذات أهمية خاصة، لأنها تمنح الطرفين مساحة لتجاوز التصريحات المتبادلة والانتقال إلى البحث في الحلول.
نيويورك.. منصة لإعادة ترتيب الأولويات
اختيار نيويورك منصة لهذا اللقاء يمنح الرسائل الصادرة عنه بعدًا إضافيًا.
فالجمعية العامة للأمم المتحدة ليست فقط ساحة لمناقشة القضايا الدولية الكبرى، وإنما تشكل أيضًا فرصة للقاءات الثنائية التي تبحث خلالها الدول ملفاتها المشتركة.
وفي هذا السياق، شكل الاجتماع المغربي الإسباني مناسبة لإعادة طرح الملفات الحساسة على طاولة الحوار، وفي مقدمتها الهجرة، بالتزامن مع التأكيد المغربي على المرجعية السياسية للعلاقات بين البلدين.
وهكذا اجتمع في مكان واحد ثلاثة مستويات من الرسائل: رسالة سياسية تؤكد استمرار الشراكة، ورسالة عملية تتعلق بملف الهجرة، ورسالة دبلوماسية تدعو إلى الحوار وحسن الجوار.
الشراكة أمام اختبار التنفيذ
المشهد الذي خرج من نيويورك يحمل اختبارًا مزدوجًا للرباط ومدريد.
فمن جهة، تؤكد التصريحات المغربية أن الشراكة لها أسس ومرجعيات لا ينبغي تجاوزها، ومن جهة أخرى، فإن الملفات العملية، وفي مقدمتها الهجرة، تحتاج إلى آليات تنفيذ وتنسيق مستمر.
وبالتالي، فإن قوة العلاقة لا تقاس فقط بعدد اللقاءات والبيانات، وإنما بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، وإدارة الخلافات دون السماح لها بتعطيل المجالات التي تشهد تعاونًا.
رسالة المغرب: الاختلاف لا يلغي الشراكة
في النهاية، تبدو الرسالة المغربية من نيويورك واضحة في خطوطها العامة: المغرب يريد الحفاظ على الشراكة مع إسبانيا، لكنه يريد في الوقت نفسه أن تُدار هذه الشراكة وفق قواعد الاحترام المتبادل والحوار وحسن الجوار، وأن تتم معالجة الملفات الخلافية بعيدًا عن الاتهامات والمزايدات.
أما ملف الهجرة، فقد أصبح اختبارًا عمليًا لهذه المعادلة، خصوصًا مع تأكيد الرباط استعدادها للتعاون بشأن عودة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين غير المصحوبين، وطرحها لمسألة المسؤولية عن أي تعثر في التنفيذ.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تبدو مرتبطة فقط بما يقوله الطرفان، وإنما بما سيتم إنجازه على الأرض.
فالمغرب يطرح الحوار بدل التصعيد، والتشاور بدل الاتهام، والتعاون بدل المزايدات، مع التأكيد في الوقت ذاته على مصالحه ومواقفه في الملفات الحساسة.
وبين الحزم في الدفاع عن الموقف، والحرص على إبقاء باب الحوار مفتوحًا، تتشكل ملامح مرحلة جديدة في العلاقات المغربية الإسبانية، عنوانها الأبرز إدارة الاختلاف دون التضحية بمساحات التعاون.
وهنا تبدو الرسالة القادمة من نيويورك واضحة: الخلافات موجودة، لكن الحوار هو المسار المطروح لإدارتها، والشراكة تظل الإطار الأوسع الذي يتحرك داخله الطرفان.






















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
القبض علي الدجال المعالج عبدالرحمن ترك بالإسكندرية اتهامه بالترويج للدجل عبر...
حنفية الصدقة بشوارع الإسكندرية القديمة عمرها أكثر من 100 عام
«الميدان» تهنيء ” محمد و رنا” بمناسبة ”عقد القران”
النائب كمال وسيم يشارك ال عكيرش أفراحهم بالتهنئة