المدرسة كما نعرفها انتهت منذ عشر سنوات... ولم يخبرنا أحد
هناك جملة قد تبدو صادمة، وربما مستفزة، لكنها تستحق أن نتوقف أمامها طويلاً: المدرسة التي عرفناها طوال القرن الماضي انتهت بالفعل... ونحن ما زلنا نتصرف كأنها حية.
ما زلنا نبني مدارس على شكل الفصول نفسها، ونضع الطلاب في صفوف متراصة، ونشرح الدرس بالطريقة نفسها، ونطلب الحفظ بالطريقة نفسها، ثم نضع ورقة امتحان في النهاية لنسأل الطفل: ماذا تذكر؟
لكن العالم من حولنا تغيّر. والأغرب أننا لم ننتبه.
لم تعد المشكلة أن المدرسة تحتاج إلى "تطوير". هذه العبارة أصبحت لطيفة أكثر مما ينبغي. نحن أمام شيء أكبر بكثير: نحن نحاول تحديث نظام تعليمي ينتمي إلى عالم لم يعد موجوداً.
اقرأ أيضاً
أحمد كريمة: أطالب النائب العام بمحاكمة مكفري المولد النبوي بتهمة ازدراء الأديان وانتحال الصفة
خبير قانوني يوضح أثر تعاطي المخدرات على المسؤولية الجنائية في جرائم القتل.. ماذا قالت محكمة النقض؟
إيهاب محمود: توجيهات الرئيس السيسي خارطة طريق متكاملة للنهوض بالتعليم
النائب سمير الخولي: توجيهات الرئيس السيسي تؤكد أن دعم التعليم في مقدمة أولوياته
وزير التعليم: إلزام طلاب البكالوريا بإنجاز 60% من التقييمات والأداءات والاختبارات الشهرية
موعد بدء الدراسة 2026.. التعليم تكشف حقيقة تأجيل العام الدراسي الجديد
أيمن الشريعي يهاجم حكم مباراة الأهلي والشرقية إنبي ويطالب بمراجعة قراراته
النائبة عبير عطا الله: تطبيق البكالوريا المصرية رسالة واضحة بأن تطوير التعليم خيار استراتيجي لبناء الإنسان
برلمانية: تطوير التعليم الجامعي والبكالوريا المصرية يؤكدان توجه الدولة لبناء كوادر تناسب سوق العمل
نائب رئيس شعبة مخابز بورسعيد: نطالب بتسويات واضحة وآلية عاجلة لمعالجة أخطاء السيستم
نجلاء العسيلي: توجيهات الرئيس السيسي تعزز حماية المواطن وتضع التعليم والتمويل أمام رقابة أكثر حسمًا
قيادى بالوفد: توجيهات الرئيس تضع تطوير التعليم على مسار أكثر انضباطًا وارتباطًا باحتياجات المستقبل
المدرسة التقليدية ولدت في عصر كانت فيه المعلومة نادرة، والكتاب ثميناً، والمعلم هو بوابة المعرفة، والشهادة هي الدليل شبه الوحيد على ما يعرفه الإنسان.
أما اليوم؟ المعلومة تجلس في هاتف طفل صغير. والشرح موجود في آلاف المصادر. والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يشرح الفكرة نفسها لعشرة طلاب بعشر طرق مختلفة، وفي اللحظة التي يحتاجون إليها. إذن السؤال لم يعد: كيف نُحسّن المدرسة؟
بل السؤال الأكثر خطورة: هل ما زلنا بحاجة إلى المدرسة بالشكل الذي نعرفه؟
الامتحان... ربما كان يسأل السؤال الخطأ
لسنوات طويلة أقنعنا أنفسنا بأن الامتحان يقيس الطالب. لكن ماذا لو كان الأمر معكوساً؟ ماذا لو كانت ورقة الامتحان في الحقيقة مرآة للنظام الذي صنعها؟
طالب لم يفهم درساً لا يعني بالضرورة أنه ضعيف، كما أن طالباً حصل على الدرجة النهائية لا يعني بالضرورة أنه أصبح قادراً على استخدام ما تعلمه في الحياة. قد يحفظ الطالب عشرات القوانين، ثم يقف عاجزاً أمام مشكلة حقيقية لا تحمل رقم السؤال ولا تعليماته. قد يكتب تعريفاً ممتازاً للابتكار، لكنه لا يستطيع ابتكار شيء. وقد يحفظ معنى "التفكير النقدي"، ثم يقضي حياته يصدق أول منشور يراه على هاتفه.
هنا تظهر المفارقة: نحن أحياناً لا نقيس قدرة الطفل على التفكير، بل نقيس قدرته على اجتياز اللعبة التي صممناها له.
والمنهج؟ ماذا لو كان يعلمنا كيف ننسى؟
هناك طفل يذاكر طوال الليل... يحفظ... يكرر... يسترجع... يدخل الامتحان... يكتب... يحصل على الدرجة.
ثم بعد أيام قليلة يبدأ كل شيء في الاختفاء.... لماذا؟
لأن المعرفة التي لم تتحول إلى تجربة، أو سؤال، أو مشكلة، أو موقف حقيقي، غالباً ما تبقى معرفة مؤقتة.
لقد أصبح بعض الطلاب خبراء في التخزين المؤقت للمعلومات. لكن الحياة لا تمنحنا ورقة أسئلة في كل موقف... الحياة تقول لك: أصلح هذا... ابتكر حلاً... اتخذ قراراً... اكتشف لماذا فشل الأمر... حاول مرة أخرى.
وهنا لا ينفعك كثيراً أن تتذكر صفحة 47 من كتاب العلوم إذا كنت لا تعرف ماذا تفعل عندما يتعطل الشيء أمامك.
ثم ظهر منافس لم نتوقعه
في الماضي كان الطالب يحتاج إلى المعلم لكي يصل إلى المعرفة. ثم جاء الإنترنت، فأصبح يستطيع الوصول إلى المعرفة. ثم جاء الهاتف، فأصبحت المعرفة في جيبه. ثم جاء الذكاء الاصطناعي، فأصبح يستطيع أن يسأل المعرفة ويحاورها ويطلب منها أن تعيد الشرح وتغير المثال وتبسط الفكرة. وهنا حدث التحول الحقيقي... لم يعد السؤال: أين أجد المعلومة؟ بل:.. ماذا أفعل بالمعلومة؟ ... وهذا يغير وظيفة المدرسة بالكامل.
فالمدرسة التي كانت مهمتها الأساسية نقل المعرفة، أصبحت مطالبة بمهمة أكثر صعوبة: صناعة الإنسان القادر على استخدام المعرفة.
الذكاء الاصطناعي لا يقتل المعلم... بل يكشف المدرسة القديمة
الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل المعلم مفهوم، لكنه يخطئ في تحديد المعركة... المعلم الجيد لن يصبح بلا قيمة... بل ربما يصبح أكثر قيمة من أي وقت مضى.... الذي يتراجع هو دور المعلم باعتباره "مصدر الإجابة الوحيد".
أما المعلم الذي يستطيع أن يوقظ الفضول، ويصنع سؤالاً عظيماً، ويكتشف موهبة طفل، ويعلمه كيف يختلف باحترام، وكيف يفشل دون أن ينكسر، وكيف يحول المعرفة إلى فعل... فهذا المعلم لن تستبدله آلة بسهولة. الذكاء الاصطناعي لا يلتهم المعلم؛ إنه يلتهم الطريقة القديمة التي كانت تجعل المعلم يحمل عبء المعرفة كلها فوق كتفيه.
والأخطر من ذلك أنه يكشف لنا سخافة فكرة أن يتعلم مئة طفل بالطريقة نفسها، وفي الوقت نفسه، وبالسرعة نفسها، لمجرد أنهم وُلدوا في العام نفسه.
وماذا لو أصبح الخطأ معلماً؟
هناك شيء غريب في المدرسة... نحن نعاقب الطفل عندما يخطئ... ثم نطلب منه بعد سنوات أن يصبح مبتكراً... لكن الابتكار نفسه لا يولد إلا من منطقة مليئة بالأخطاء... العالم الحقيقي لا يعمل بنظام: إجابة صحيحة = نجحت.
العالم يعمل غالباً هكذا: حاولت... فشلت... فهمت لماذا... عدّلت... حاولت مرة أخرى... فشلت بطريقة مختلفة... ثم وصلت.
لهذا ربما يكون أخطر سؤال يمكن أن نطرحه على التعليم اليوم: كم خطأ سمحتَ لطفلك أن يرتكبه وهو يتعلم؟
فالطفل الذي يخاف الخطأ سيتعلم كيف يخفي جهله. أما الطفل الذي يشعر أن الخطأ جزء طبيعي من الطريق، فسيتعلم كيف يكتشف.... وهناك فرق هائل بين الاثنين.
ماذا عن الشهادة؟
ربما لا تختفي الشهادات غداً... وربما تظل مهمة في كثير من المهن والأنظمة... لكن شيئاً يتغير ببطء: قيمة الورقة وحدها تتراجع أمام قيمة القدرة الحقيقية.
في عالم يستطيع فيه أي شخص تقريباً الوصول إلى قدر هائل من المعلومات، لن يكون السؤال الأهم: " ماذا درست؟" بل سيصبح بصورة متزايدة: "ماذا تستطيع أن تفعل؟" هل تستطيع أن تحل مشكلة؟ هل تستطيع أن تبني شيئاً؟ هل تستطيع أن تقود فريقاً؟ هل تستطيع أن تتعلم بسرعة؟ هل تستطيع أن تتعامل مع الفشل؟ هل تستطيع أن تميز بين الحقيقة والوهم؟ هذه هي الشهادة الجديدة التي لا تُطبع على ورق.
لكن هل يعني هذا أن نترك الأطفال في الغابة؟
بالتأكيد لا.... فالتعلم الحر ليس معناه الفوضى، و"التعلم غير المنظم" ليس وصفة سحرية تصلح لكل طفل أو لكل مرحلة. الطفل يحتاج إلى بيئة، وإلى توجيه، وإلى معلم، وإلى مجتمع، وإلى معرفة أساسية، وإلى حماية. لكن الفرق كبير بين أن تقود الطفل نحو المعرفة وأن تجره إليها بالقوة.
المدرسة الجديدة التي نحتاجها ليست مدرسة بلا معلم، ولا مدرسة بلا منهج، ولا مدرسة بلا نظام. إنها مدرسة تعيد تعريف هذه الأشياء جميعاً. منهج أقل ازدحاماً وأكثر معنى. معلم أقل تلقيناً وأكثر توجيهاً. امتحان أقل اعتماداً على الذاكرة وأكثر ارتباطاً بالأداء. فصل لا يكون مجرد غرفة، بل مختبراً للتجربة. وطفل لا يكون مجرد "متلقٍ"، بل يصبح شريكاً في بناء تعلمه.
المدرسة لم تمت... لكنها لم تعد كما كانت
ربما كانت المدرسة التقليدية عظيمة في زمنها. لقد ساعدت المجتمعات على نشر التعليم، وتوحيد المعايير، وإعداد أعداد ضخمة من البشر لعالم صناعي يحتاج إلى الانضباط والتخصص. لكن المشكلة ليست فيما فعلته المدرسة بالأمس. المشكلة أننا نطلب منها أن تفعل الشيء نفسه غداً. وهنا يجب أن نكون شجعاناً بما يكفي للاعتراف: التعليم لا يحتاج إلى نسخة أحدث من المدرسة القديمة فقط؛ بل يحتاج إلى تصور جديد لمعنى المدرسة نفسها.
قد تبقى الجدران... قد يبقى المعلم... قد تبقى الكتب... وقد تبقى الامتحانات... لكن الروح يجب أن تتغير...من مدرسة تسأل الطفل: "ماذا حفظت؟" إلى مدرسة تسأله: "ماذا فهمت؟"
ثم:"ماذا صنعت بما فهمت؟".. ثم السؤال الأهم:" ماذا تستطيع أن تتعلم بنفسك عندما لا يكون هناك أحد ليشرح لك؟"
ربما هنا تبدأ المدرسة الحقيقية. وربما... هنا تحديداً تنتهي المدرسة التي عرفناها.
تحدي هذا الأسبوع
اختر شيئاً واحداً يثير فضولك.
إصلاح جهاز بسيط، تعلم لغة، تجربة برمجية، صناعة شيء بيديك، أو حتى حل مشكلة حقيقية في منزلك. ولا تبدأ هذه المرة بكتاب أو كورس. ابدأ بالسؤال. جرّب. أخطئ. افشل. غيّر الطريقة. جرّب مرة أخرى. ثم اكتب في نهاية الأسبوع شيئاً واحداً: ليس ماذا تعلمت فقط... بل كم مرة أخطأت حتى تعلمت.
لأننا ربما نكتشف في النهاية أن الطفل الذي أخطأ عشرين مرة ولم يستسلم، تعلم أكثر من الطفل الذي حفظ عشرين إجابة صحيحة من المرة الأولى.
فالمدرسة القادمة لن تكون المكان الذي نضع فيه الطفل كي نعلّمه كل شيء... بل المكان الذي نعلّمه فيه كيف يتعلم عندما لا نكون موجودين.
بقلم الخبير التربوي الدكتور ناصر الجندي




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
المستشار محمد حسن عبده يهنئ عائلتي بدوي وأبو بريش بزفاف رحمة بدوي...
”انتهى وقت الأعذار” حسم رئاسي ينهي معاناة حاجزي الوحدات السكنية
15 عمرة هدية من النائب رمضان بطيئة لأهالي المنتزه.. فرحة تكتمل في...
الكاتب الصحفي خالد فؤاد يعزي المهندس ياسر إدريس في وفاة والدته