الأحد 20 سبتمبر 2026 12:37 صـ 6 ربيع آخر 1448هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

    آراء وكتاب

    الكاتب أشرف منير رمزي

    الهوية المغلقة وتداعياتها

    مازال فضيلة الدكتور عبد الراضي رضوان يُطّلُ علينا من نافذة الوعي مُستكمِلاً الهجوم على مثقفي مصر وفلاسفتها الأجلاء بمقال تحت عنوان ( يوم الفزع اللاديني الأكبر ) وهو عنوان يحمل دلالة تقسيم الكتلة الوطنية على أساس الدين .
    ولأن السؤال الرئيسي الذي يسعى فضيلة الدكتور أن يُقدِم إجابة عليه هو : ما هى هويتنا وكيف نحميها؟! لهذا تكون الصورة النفسية لفزع اللادينيين تخدم حالة إقصائهم خارج إطار الهوية العربية الإسلامية التي يُبشِّر بها . وللاسف الشديد ينعت فضيلة الدكتور مثقفي مصر وفلاسفتها الذين قدموا نقداً موضوعياً على قرارات وزير التربية والتعليم بصفتهم لادينيين ، ولا يُخفى الخلط الكبير بين الحالة الثقافية والحالة الدينية ، ولكن إستخدام هذا الخلط يخدم حالة بناء الحاجز النفسي لدى القارئ حتى يبتعد عن هؤلاء المثقفون . و لكن يجب أن نقف على مضمون هذا المقال حتى نفهم كيف يفكر كل مَن يعمل على ترويج مشروع ( الهوية الحضارية ألإسلامية ) .

    أولاً : مفهوم الهوية الحضارية

    يُقدِّم الاستاذ الدكتور عبد الراضي دفاعاً عن مشروع الهوية الحضارية في مواجهة ( منظومات الإرضاع التضليلي بأجنحتها اللادينية واللاأخلاقية ) التي تعمل على ( مسخ هويتنا... وتزييف وعينا... وهدم ثوابتنا... والنخر كالسوس في تقاليدنا المجتمعية والأخلاقية... وبيع الهوى بغث وأجوف طبول الكلام ) وجميعها إتهامات لا يقوم عليها دليل، ولكنها تخدم الهدف الذي يريده فضيلة الدكتور عبد الراضي وهو بث الخوف والفزع في نفس القارئ لكي يُستلَب عقله وعندها يمكن للدكتور أن يضع مفاهيمه المعرفية بدون مقاومة فكرية من القارئ المُستلَب .

    ولكن ما هو مفهوم الهوية الحضارية بحسب مفهوم فضيلته ؟ والإجابة لا تأتينا من داخل هذا المقال بل نجدها في مقال سابق تحت عنوان ( حُرّاس الهوية ) حيث انه في سياق قراءته لمشروع دكتور طه عبد الرحمن الإسلامي أطلق عليه ( مشروع حراسة الهوية ) كما إنه لخص هذا المشروع في النقاط التالية :
    ١. التجديد على قاعدة الهوية الأخلاقية للفكر الإسلامي : فقد انطلق الدكتور طه عبد الرحمن من أن جوهر الهوية الإسلامية هو الأخلاق، فدعا إلى تأسيس فكر إسلامي معاصر يقوم على تجديد الفكر الأخلاقي لا على تقليد الغرب وتقاليعه الفكرية والفنية والأدبية والاجتماعية والاقتصادية.

    ٢. تحصين ذات الأمة من الاستلاب الفكري مهدِّد الهوية ، فقد حذّر من التبعية والانبهار بمنتجات الحداثة الغربية مؤكدًا ضرورة الانفتاح الواعي الرشيد من باب إفادة الأنداد بالاقتباسات الطبيعية الضرورية في إطار من تراكمية المعارف والعلوم ، وليس من موقع التبعية الدونية والذوبان والإملائية القسرية واحتكار أحقية التوجيه والقيادة بدعوى أسبقية التحضر والتمدين.

    ٣. إعادة تأصيل المفاهيم بتفكيك الطروحات والمنهجيات الغربية وإعادة بناء العديد منها من منظور إسلامي ، مثل الحرية والعقل والهوية والحداثة ، لتحييد طغيانها غير المستحق والمبنيّ على غير عُمُدٍ من براهين العقل وضروراته أو حتميات المعارف وقواعد العلوم أو مجربات الوقائع وتاريخية الأحداث.

    وبالنظر إلى هذا التصور عن مفهوم الهوية يتضح لنا أنها هوية إسلامية تتخذ موقف معادي لمنتجات الغرب العقلية حتى إنها تسعى إلى إعادة إنتاج المفاهيم المعرفية بمنظور إسلامي، أي إنها حالة أسلمة المعارف، والفن، والادب، والاقتصاد.

    وهنا نضع سؤالاً أمام فضيلته أليس هذا ما تقوله الجماعات السلفية المتطرفة ؟!! ألم تقف هذه الجماعات المتطرفة من العلوم الحديثة الغربية موقف المُنتفِع منها لأن الله سخّر الغرب لخدمة المسلمين ؟!!

    ثانياً : ركائز هذه الهوية

    ١ - ( الدين ) يرى فضيلة الدكتور عبد الراضي أن التربية الدينية تجعل المعرفة الدينية قوة داخلية تضبط السلوك عندما يغيب الرقيب الخارجي ، كما أن الدين يحفظ صلة الإنسان بمنظومة القيم .

    - ويؤسفني أن أقول أن هذا التصور لا يضع هذه القاعدة تحت الاختبار العملي والاجتماعي فبحسب إحصائيات عالمية يُعَد الشعب المصري من أكثر شعوب العالم تديناً ، ومع هذا يسجل معدلات عالية في التحرش الجنسي، والدخول على المواقع الإباحية، وممارسة الرشوه، وتلويث البيئة.
    وعلي النقيض من هذا السلوك المجتمعي نجد شعب اليابان أنه قمة في الرقي والتحضر وحفظ منظومة القيم الأخلاقية الرفيعة وكل هذا بدون وازع ديني بل بوازع إنساني .
    قضايا القتل على الشرف فى مجتمعنا لماذا لم يستطع الدين القضاء عليها ؟!!

    وتقابلنا إشكالية أكبر هى إختلاف منظومة القيم الأخلاقية بين الديانات المختلفة، على سبيل المثال قضية الحجاب وهي تدخل ضمن منظومة الأخلاق في المشروع الإسلامي ولكنها ليست كذلك في الوعي المسيحي .

    كما تقابلنا إشكالية التعاطي مع المختلف دينياً، هل يُنظر إلى المؤمن المسلم بإعتباره مواطن كامل الأهلية وهويته مكتملة ، ويُنظر إلى غير المسلم بإعتباره مواطن غير مكتمل الأهلية ( ذمي ) بالمفهوم الفقهي القديم داخل سياق الحضارة الاسلامية التي يريد فضيلة الدكتور إحيائها وحمايتها من الذوبان ؟!!!

    لذلك كيف للدولة أن تفرض منهجاً دراسياً واحداً للدين على جميع الطوائف المسيحية بالرغم من إختلافها لاهوتياً، ومن المؤكد أن هذا المنهج هو إجتهاد اللجنة المنوط بها وضع المنهج فهل تستطيع هذه اللجنة أن ترضى جميع الطوائف على هذا المنهج ؟!!! ومن هو المنوط به تدريس منهج الدين المسيحي هل تستطيع الوزارة تعيين مُدرسين متخصصين من خريجي الكليات اللاهوتية ؟!!! فمن خلال تجربتي الشخصية لم أجد متخصص واحد طوال مسيرة تعلمي يدّرس منهج الدين المسيحي . بل على العكس أتذكر أن مُدرِس مادة الفيزياء كان يقوم بتدريس الدين وكان من خلفية لاهوتية ترفض ( الرهبنة ) فماذا فعل عند درس بعنوان الرهبنة القبطية ؟! رفض سيادته شرح الدرس للطلاب بل تبرع بشرح يؤكد فيه أن الرهبنة بدعة ضد الإنجيل . أليس بهذا تدخل ألمشاحنات الطائفية إلى الحرم المدرسي .

    ثم كيف يتم فرض منهج دين إسلامي سُني على جميع الطلبة أليس بينهم طلبة من الشيعة أو غيرها من الطوائف الإسلامية ؟!!
    أين الحرية التي يكفلها الدستور في حق الإعتقاد التي يتم إنتهاكها بقوة القرار الوزاري الذي يفرض منهجاً دينياً قد لا يتفق مع معتقدات الكثير من الطلبة ؟!!!!
    وكيف يتم إعتبار الدين ركيزة من ركائز الهوية الجامعة التي تضم أبناء مصر جميعاً بالرغم من إختلافهم الديني والعقائدي ؟!!!!

    فلا تزرعوا الفتنة في النفوس البرئية والعقول الغضة بإسم الدين، توقفوا عن هدم الوطن بداعي الخوف على قيم وأخلاق المجتمع.....

    ٢ - ( اللغة العربية ) يقول الدكتور عبد الراضي رضوان [ أن اللغة هى جوهر الهوية... واللغة العربية على وجه الخصوص ليست لغة للتواصل وإنما هى ذاكرة أمة حضارية... إنها للمصري لغة المجتمع ولغة الثقافة ولغة القرآن الكريم ولغة تراثه الأدبي والتاريخي الذي تشكلت من خلاله الشخصية المصرية والعربية .]

    هل حقاً اللغة هى جوهر الهوية ؟!! أم إنها مجرد وعاء للافكار قابل للتطور والتغيير بناءاً على السياق الاجتماعي والثقافي والحضاري ؟!! هل مازالت لغة العرب القدامى هي نفسها لغة اليوم ؟!! هل يستطيع القارئ العربي المعاصر أن يفهم قصائد الشعر الجاهلي بدون الرجوع إلى معجم لغوي يشرح ما غمض فهمه ؟!!
    فاللغة معالي الدكتور تتغير بفعل التراكم المعرفي وبفعل قدرة اللهجة العامية للشارع على الدخول إلى بنية اللغة الفصحى ، وكما إن إستخدام اللهجة العامية في الأدب والفكر والثقافة يساهم بقدر كبير في خفوت وهج اللغة الفصحى . وإنني لست بصدد تقييم اللغة العربية الفصحى أو العامية كوسيط معرفي ولكنني أوضح أن اللغة ليست جوهر الهوية بسبب إختلاف الوسائط اللغوية في المجتمع الواحد. فنأخذ مثال هل قصائد أمير الشعراء أحمد شوقي تعبر عن الهوية الحضارية بينما قصائد صلاح جاهين أو قصائد أحمد فؤاد نجم أقل قيمة ولا تعبر عن الهوية الحضارية ؟!!

    وماذا عن تغيير لسان المجتمع كلياً، فهل تحول الاقباط من اللسان القبطي إلى اللسان العربي أدى إلى فقدان الهوية الحضارية المصرية ؟!!!
    على العكس تماماً فقد سجل التاريخ الأدبي واللاهوتي لمسيحي مصر أسماء لامعة من اللاهوتيين الذين كتبوا باللغة العربية لشرح الإيمان المسيحي حتى إنهم أضافوا إلى اللغة العربية حمولة لاهوتية جديدة علي اللغة العربية وكل هذا دون أن يفقدوا هويتهم وإنتمائهم لحضارتهم وإيمانهم .

    فضيلة الدكتور عبد الراضي يقوم بتقديس اللغة العربية بإعتبارها لغة القرآن الكريم . ونحن نعلم من خلال تاريخ أوروبا الوسيط أن تقديس اللغة اللاتينية جعل العقل الأوروبي في حالة تخلف مرعب . فهل يريد فضيلته إستنساخ هذه الحالة الأوروبية للعقل المتخلف ؟!!!
    نعم إن تقديس اللغة العربية يخدم مشروع الهوية الحضارية إلاسلامية الذي يروج له . لكن هذا سوف يضع حاجز وهمياً على كل عقل يفكر من داخل هذا السياق اللغوي والمعرفي المغلق .

    الوقائع والأحداث والحياة في تاريخ مصر تسبق اللغة العربية، فكيف جاز لسيادتك أن تجعل اللغة العربية هي مركز الهوية الحضارية المصرية ، في حين أن التاريخ المصري القديم كله مُسجَل باللغة الهيروغلفية لغة المصريين القدماء ولغة كل إنجازاتهم الحضارية . فهل فقد المجتمع المصري المعاصر إنتماءه وهويته الحضارية التليدة لأنه لا يتحدث لغة أجداده ؟!!!

    وانا هنا لا أنادي بالتنكر لقيمة اللغة العربية ولكنني أنادي بعدم تقديسها، فقط نضعها في سياقها اللغوي بإعتبارها رافد معرفي وثقافي وليست أساس للهوية الحضارية المصرية .

    ٣ - ( التاريخ ) تقوم أهمية التاريخ عند دكتور عبد الراضي أن التاريخ يجيب عن سؤال الجذور والامتدادات الحضارية التي تشكل وجهة المستقبل المجتمعي الذي يجب أن نصنعه.

    وهنا أتفق مع سيادتكم ولكن بأي طريقةٍ يتم تقديم التاريخ للطالب، هل عن طريق التلقين، وتقديم المديح المجاني لأبطال التاريخ ؟!! أم يجب علينا مُساءلة التاريخ لإستنباط الرؤى القادرة على مغادرة الماضي والإنطلاق ناحية المستقبل ؟!!!

    ودعني أسألك فضيلة الدكتور عبد الراضي هل يتم تدريس الحقبة الإسلامية ورموزها بإعتبارها حقبة إحتلال على شاكلة الاحتلال الروماني، أم بإعتبارها حقبة مجيدة في تاريخ مصر مع تمجيد رموزها العرب وإعتبارهم قدوة للمصريين ؟!!!

    الخلاصة :
    الهوية المغلقة قادرة على صناعة فاشية إرهابية وتكون ركائزها أيضاً الدين واللغة والتاريخ ، وتاريخ ألمانيا يشهد بظهور فاشية مغرقة في الكراهية إلى حد تدمير العالم وإبادة ملايين البشر من خلال صناعة الحرب العالمية الثانية .

    لذلك وجب على كل مثقف حقيقي وفليسوف أمين للإنسان والعقل أن يتصدى لمحاولات خلق هوية مغلقة تستلهم الدين والاستعلاء باللغة والتاريخ .

    التدين. الهوية. فلسفة

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    الأحد 12:37 صـ
    6 ربيع آخر 1448 هـ 20 سبتمبر 2026 م
    مصر
    الفجر 04:15
    الشروق 05:42
    الظهر 11:49
    العصر 15:17
    المغرب 17:55
    العشاء 19:13