تلبيس إبليس..حين يلبس الشر تاج النور
بقلم : د.شروق شعبان
يأخذنا ابن الجوزي في كتابه الخالد "تلبيس إبليس" إلى كشفٍ مدهش: وهو أن العدو الأقدم لا يطرق أبوابنا من جهة المعصية الصريحة، بل يتسلل بخبثٍ من نوافذ الطاعة ذاتها.
إنه يُزيّن الباطل بثوب الحق، ويُلبس الكِبر رداء الخشوع، حتى يهوي العبد في حفرة الغرور وهو ساجد.
لكن عبقرية ابن الجوزي – بفقهه الثاقب في تضاريس النفس البشرية – تجاوزت هذا الفهم، لتصل إلى حقيقة أكثر إيلاماً: وهي أن إبليس ليس سوى "مُلهِمٍ" يهمس بالحيلة، أما "المنفذ الأكبر" لتلبيساته على الأرض فهو الإنسان نفسه.
وهنا نجد أنفسنا ننعطف نحو نمطٍ بشريٍ مرعب:
أولئك الذين لا يكتفون بأن يكونوا ضحايا للتلبيس، بل يتحولون إلى شركاء مؤسسين في صناعته، مبدعين في هندسته، محترفين في تسويقه.
هذا التحول من الضحية إلى الشريك المؤسس هو ما سنغوص في أعماقه في هذا المقال.👇👇👇👇👇👇👇👇
نبدأ أولا: بتوضيح فلسفة "الكذب المقدس”…….
ولكي نفهم هذا النمط تحديداً، علينا أولاً أن نميز بين درجتين من الخداع يبدوان متشابهين ظاهرياً، لكن بينهما هوة وجودية سحيقة:
وهما الكذاب العادي، والمُزَوِّر الوجودي.
الكذاب يخدع غيره وهو على وعيٍ تامٍ بالحقيقة، يعرف أنه يكذب، ويعرف لماذا يكذب.
أما المُزَوِّر الوجودي – وهو النمط الذي نسلط عليه الضوء هنا – فقد وصل إلى مرحلة "التواطؤ مع الوهم" كما لو كان يوقع معاهدات سلام مع أكذوبته.
إنه يُمارس ما أسماه الفيلسوف جان بول سارتر بـ "سوء النية" (Mauvaise foi)، تلك الحالة التي يكذب فيها الإنسان على نفسه ببراعةٍ مذهلة، لا لكي يخدع الآخرين فحسب، بل ليمحو التنافر الموجع بين أفعاله ومُثُله العليا.
هذا المُزَوِّر الوجودي لا يُلبس الباطل ثوب الحق ليُغري العالم الخارجي فحسب، بل لأنه يحتاج ذلك الثوب ليغطي عريه الروحي أمام مرآة نفسه أولاً.
إنه مهندسٌ ماهرٌ يبني سجنًا من ذهب، ثم يُقنع نفسه بأنه قصر، ويدعو الآخرين للإقامة فيه، بينما هو أول السجناء وأكثرهم تصديقاً لجدران الوهم التي تحيط به.
هذا الانزلاق الفلسفي نحو التزوير الوجودي يجد جذوره النفسية في تربةٍ خصبة تدعى "النرجسية الأخلاقية"، وهي – في عمقها – أخبث أنواع النرجسية لأنها لا تتغذى على المال أو الجمال أو السلطة المباشرة، بل تتغذى على الشعور بالتفوق الروحي والأخلاقي.
فعقل هذا الإنسان لا يعمل كبقية العقول، بل يمتلك آليات دفاعية فائقة التعقيد تُسمى "إعادة التفسير الأخلاقي".
ومن ثمّ تأمّلوا معي هذه المفارقة المذهلة: هو يقرأ النص الذي يحذره من أن الشيطان يوقعه في "تسعة وتسعين باب خير ليُدخله من باب شر واحد"، ثم يُخرج لنا تأويلاً معكوساً بالكامل؛ إنه يُحوّل ذلك الباب الواحد للشر إلى "ضرورة أخلاقية" تفرضها المرحلة، ويُصوّر الأبواب التسعة والتسعين للخير على أنها "سذاجة" و"ضعف" لا يليقان بالعظماء.
ومع ذلك فإن المفارقة النفسية الأعمق تكمن هنا في مصدر اللذة: المتمحورة حول شعوره بالنشوة والتي لا تأتي من نتيجة الفعل، بل من عملية التمويه ذاتها.
حيث تمتزج النشوة لديه بقشعريرة الانتصار كلما نجح في إقناع ضميره بأن كذبه "حقٌ أعلى"، وبأن خيانته "وفاءٌ لمبدأ"، وبأن ظلمه "عدلٌ ضروري".
إنه يبيع لنفسه الوهم لا بالتقسيط المريح، بل دفعةً واحدةً نقداً، ويوقع على عقد البيع بدمعةٍ من خشوعٍ مزعوم، في مشهدٍ يمثل ذروة الخداع الذاتي الذي يتقنع بقناع القداسة.
ومن هنا إذا ما أردنا أن نسقط هذا التشريح الفلسفي والنفسي على واقعنا المعاصر في 2026، نجد هذا النمط البشري يتجلى في صورٍ مأساوية متعددة، وكأننا نرى الروح ذاتها ترتدي أقنعة مختلفة:
الديكتاتور الصغير في العمل أو الأسرة، الذي يُلبس قمعه واستبداده ثوب "الحرص على المصلحة"، ويُقنع نفسه ببراعة أنه "أب رحيم" لمن حوله، بينما هو في الحقيقة يُمارس سلطته لإشباع جوعه الأبدي للسيطرة على الآخرين.
المنظّر المتطرف الذي يُحوّل النصوص الدينية أو الأيديولوجية إلى سكين يذبح بها المخالفين، مُلبساً إياها ثوب "الغيرة على الحق"، بينما هو في قرارة نفسه لا يعبد الله، بل يعبد صنم "الذات" المتضخمة التي تبحث عن مبرر لتفوقها.
الشخص "المتنور" الذي يتخذ من الحداثة قناعاً ليُطلق العنان لشهواته وتفكك مجتمعه، مُلبساً انهيار القيم ثوب "الحرية والتقدم"، خادعاً نفسه بأنه يُحرر البشر بينما هو في الحقيقة يُدمّر أنساقهم الاجتماعية والنفسية.
وهذا النمط تحديداً، كما أشار ابن الجوزي في سياق آخر بعبقريته النافذة، هو من "يُظهر النسك ليُخفي الفسق، ويُظهر التواضع ليُخفي الكبر، حتى إذا ما اشتبه الأمر على الناس، اشتبه عليه هو أيضاً".
يصل به المسار المأساوي إلى أن يُصدّق أسطورته التي اختلقها، فيُصبح أشبه بإبليس نفسه حين أمره الله بالسجود فامتنع؛ لأنه صدق حقاً أنه خير من آدم، فما كان منه إلا أن تلبس بعباءة "الغيرة على مكانة الخالق" ليُبرر عصيانه، ضارباً أروع مثال على كيف يُمكن للكذبة أن تتحول إلى عقيدة راسخة في عقل صاحبها.
ومن هنا نصل إلى الخلاصة المُرة التي يفرضها هذا الواقع والتحليل:
إن 👇👇👇👇👇👇👇
المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والشيطان الخارجي فحسب ،لااااااااا بل هي معركة أشد ضراوة من ذلك…. معركة تدور احداثياتها بين الإنسان وقدرته المذهلة على تخدير بوصلته الأخلاقية.
إن أخطر ما في تلبيس هذا النمط البشري ليس تأثيره على الآخرين، بل أنه يجعل صاحبه أعمى ببصيرته، وأصم بسمعه، وأخرس بلسانه عن الاعتراف بالخطأ.
و التحرر من هذا الفخ الوجودي لا يكون بكثرة الوعظ ولا بتراكم المعرفة النظرية، بل بلحظةٍ زلزاليةٍ عميقة: "لحظة الانهيار الذاتي" التي يعترف فيها هذا الإنسان لنفسه، في خلوةٍ صادقةٍ لا شهود فيها، قائلاً: "لعل الثوب الذي أرتديه ليس من نور، بل من نارٍ مُشعَّةٍ أعمت عيني عن رؤية حقيقته".
فطالما ظل المخادع مقتنعاً بصدق وهمه، يصبح إبليس مجرد متفرجٍ سعيد في الصفوف الأمامية، يُصفق بحرارة لهذا الممثل البارع الذي نجح في أن يخدع نفسه قبل أن يخدع العالم، محققاً بذلك أعظم أمنيات الشيطان: "أن يعبد الإنسان هواه، ويظن أنه يعبد الرحمن".
Shroukshaban ✍🏻❤️





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
إلى رئيس الوزراء ووزير الري ومحافظة الوادي الجديد: أنقذوا 200 أسرة يقتلها...
الكاتب الصحفي محمد يوسف يعزي رجل الأعمال يحيى الصعيدي في وفاة عمه
النائب محمد جبريل يكرم قداسة البابا تواضروس الثاني خلال تدشين كنيسة الأنبا...
الإعلامية آمال عبد الله تهنئ النائبة مروة بريص بعيد ميلادها