فرساي 2026.. بين ابتسامة السلام وذاكرة الحروب
عبدالعزيز محسن
ليست أخطر اللحظات في تاريخ الحروب تلك التي تُسمع فيها أصوات المدافع، بل تلك التي يخيم فيها الصمت، ويظن الجميع أن العاصفة قد انقضت.
ففي كثير من الأحيان، لا يكون الهدوء نقيضاً للحرب، بل استراحة قصيرة تمنح الخصوم فرصة لإعادة ترتيب الخرائط، وإعادة حساب موازين القوة، وتأجيل لحظة الانفجار.
هكذا كان المشهد في أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.
خرج العالم آنذاك من حمام الدم الكبير ليجلس مطمئناً إلى أن السلام قد انتصر أخيراً، غير مدرك أن معاهدة فرساي التي احتُفي بها باعتبارها نهاية للمأساة، كانت تخفي في طياتها بذور اضطرابات أعظم.
اقرأ أيضاً
إصابة 6 مواطنين بينهم طفلتان في تصادم سيارتين ملاكي وأخرى نقل بطريق وادي النطرون - العلمين بالبحيرة
التشكيل الرسمي لأفضل لاعبي المنتخبات العربية في كأس العالم 2026
مصر تتصدر الأرقام الإيجابية بعد الجولة الأولى بكأس العالم 2026
الرئيس السيسي يرحب بتوقيع مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ويشيد بجهود الوسطاء الإقليميين
الكتب وسيلة لعبور الجبال والبحار: معرض بكين الدولي للكتاب يفتح فصلا جديدا في التبادلات الثقافية بين الصين والدول العربية
”باور وادي” توسع انتشار أجهزة INSPECTOR إلى 36 سوقًا تصديريًا خلال النصف الأول من 2026 وتحقق نموًا يتجاوز 150% في المبيعات
حوار الحضارات زخم جديد للمصير المشترك بين مصر والصين
آفات العصر الحديث بين وهم الكمال وسراب الشاشات
سيمنز هيلثنيرز تستعرض أحدث ابتكاراتها المدعومة بالذكاء الاصطناعي وحلولها المتكاملة للرعاية الصحية خلال معرض ومؤتمر صحة أفريقيا 2026كايسيد يطلق ورقة سياسات رائدة حول الإعلام والحوار بين أتباع الأديان
حماية المستهلك: استدعاء سيارات «جيلي إمجراند» موديلات 2025 و2026 بسبب عيب تصنيعي
منها برج الأسد والميزان.. أبراج بتعشق الأكل (هل أنت منها؟)
ولعل في ذلك مفارقة تاريخية لافتة، حين اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في السابع عشر من يونيو ٢٠٢٦، قصر فرساي ذاته ليعلن توقيع مذكرة تفاهم مع إيران.
ففي المكان الذي شهد قبل أكثر من قرن احتفال المنتصرين بالسلام، يعود التاريخ ليطرح سؤاله القديم:
هل تصنع الاتفاقات السلام حقاً، أم أنها تمنح الصراعات فرصة لالتقاط الأنفاس؟
ربما لا تكمن أهمية مذكرة فرساي الجديدة في ما حققته، بقدر ما تكمن في ما أجلته.
سلام مؤجل أم إدارة للصراع؟
في قراءة أولية، لا تبدو الولايات المتحدة وكأنها فرضت شروطها كاملة، كما لا تبدو إيران وكأنها خرجت مهزومة من سنوات طويلة من الضغوط والعقوبات.
فالطرفان يدركان أن تكلفة المواجهة المباشرة لا تزال مرتفعة، وأن ميزان القوة لم يُحسم بصورة نهائية.
ومن هذا المنطلق، تبدو المذكرة أقرب إلى صيغة لإدارة الصراع، لا لإنهائه.
ويرى مؤيدو الاتفاق أن الانخراط الاقتصادي وفتح مسارات التهدئة قد يساهمان في تقليل احتمالات التصعيد، بينما يحذر منتقدوه من أن تجميد الأزمة لا يعني معالجة أسبابها، خصوصاً في ظل استمرار الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.
فالتاريخ يعلمنا أن الحروب لا تنتهي دائماً بانتصار طرف على آخر، بل أحياناً بتوازن هش بين مخاوف متبادلة.
المال واليورانيوم... معادلة القوة الجديدة
تشير تقارير إعلامية متعددة إلى أن الاتفاق قد يفتح الباب أمام الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، بما يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً بعد سنوات من الضغوط.
غير أن المال في العلاقات الدولية لا يمثل قيمة اقتصادية فحسب، بل أداة من أدوات النفوذ والقوة.
وفي المقابل، تستمر الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة البرنامج النووي الإيراني، بينما تشير تقديرات معهد العلوم والأمن الدولي إلى أن الزمن اللازم للوصول إلى العتبة النووية أصبح أقصر مما كان عليه في السابق، إذا ما اتخذ القرار السياسي بذلك.
وهنا تكمن المفارقة الأكثر تعقيداً؛ فالمعضلة لم تعد مرتبطة بامتلاك السلاح النووي بقدر ارتباطها بامتلاك القدرة السريعة على إنتاجه.
وفي عالم الردع الحديث، قد تصبح القدرة ذاتها جزءاً من معادلة الردع.
أزمة الشرق الأوسط المزمنة: غياب الثقة
المشكلة الأساسية في الشرق الأوسط لا تكمن في عدد أجهزة الطرد المركزي أو حجم الأموال المجمدة، بل في غياب الثقة.
فالدبلوماسية في المنطقة لا تقوم على الاطمئنان المتبادل، بل على إدارة الشكوك.
ولهذا، فإن التقارير التي تتحدث عن استمرار الاستعدادات العسكرية أو عن احتمالات توظيف الموارد الاقتصادية لتعزيز النفوذ الإقليمي، لا تبدو خروجاً عن منطق المنطقة، بل امتداداً لطبيعتها التقليدية.
فالولايات المتحدة لا تتفاوض من موقع الثقة المطلقة، وإيران لا تدخل أي تفاهم وهي تتخلى عن أوراق قوتها، كما أن القوى الإقليمية تنظر إلى الاتفاق من زاوية مصالحها الأمنية الخاصة.
وهكذا، يتحدث الجميع عن السلام، بينما يحتفظ الجميع بخطط الطوارئ.
إسرائيل... معضلة الزمن
تكشف ردود الفعل الإسرائيلية، وفق ما أوردته تقارير إعلامية أمريكية وإسرائيلية، عن وجود تحفظات داخل دوائر سياسية وأمنية ترى أن أي تهدئة مؤقتة قد تمنح إيران وقتاً إضافياً لتعزيز قدراتها الاستراتيجية.
وفي حين تنظر واشنطن إلى الوقت باعتباره فرصة لاحتواء الأزمة، تنظر تل أبيب إليه باعتباره متغيراً قد يعمل لصالح الخصم.
ولهذا، يبقى احتمال احتفاظ إسرائيل بخيارات مستقلة جزءاً من فلسفتها الأمنية التقليدية، حتى وإن بقيت تلك الخيارات في إطار الردع السياسي أكثر منها قرارات وشيكة.
الصين... المستفيد الهادئ
في خضم الجدل السياسي والعسكري، تبدو الصين أقل ضجيجاً وأكثر اهتماماً بالنتائج بعيدة المدى.
فبحسب تقارير اقتصادية وإعلامية، تعمل بكين على توسيع حضورها في مجالات الطاقة والبنية التحتية، بما يعزز نفوذها في منطقة تمثل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
وبينما تنشغل القوى التقليدية بإدارة الأزمات، تواصل الصين بناء نفوذ طويل الأمد، وفق استراتيجية تقوم على التدرج والصبر أكثر من المواجهة المباشرة.
وربما تكشف السنوات المقبلة أن الرابح الأكبر لم يكن بالضرورة أحد الموقعين على الاتفاق، بل ذلك اللاعب الذي ظل بعيداً عن الأضواء.
الستون يوماً التي قد تحدد سنوات
في عالم الاستراتيجية، لا تقاس الأزمات بالأيام، بل بما يحدث خلالها.
ولهذا، فإن الأسابيع المقبلة تمثل اختباراً حقيقياً لنوايا الأطراف وقدرتها على الالتزام.
وتشير تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث وتقارير أمنية متداولة إلى احتمالين رئيسيين:
الأول، استمرار حالة التهدئة مع بقاء الملفات الجوهرية معلقة.
والثاني، العودة التدريجية إلى سياسة الضغوط المتبادلة إذا تعثرت التفاهمات السياسية والاقتصادية.
وفي الحالتين، لا يبدو أن الاتفاق قد أنهى الأزمة، بقدر ما أرجأ لحظة الحسم.
السلام الذي لم يولد بعد
كتب المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي أن الحضارات لا تسقط بسبب أعدائها، بل بسبب سوء فهمها للحظة التي تعيشها.
وربما يكون هذا هو السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم.
هل نحن أمام بداية سلام جديد؟
أم أمام هدنة طويلة تسبق إعادة إنتاج الصراع بصورة أكثر تعقيداً؟
لا أحد يملك الإجابة.
لكن التاريخ يقدم درساً ثابتاً: أخطر اللحظات ليست تلك التي يعلن فيها الجنرالات الحرب، بل تلك التي يعلن فيها الساسة أنهم حققوا السلام.
فبين التوقيع والواقع، وبين الأمنيات والمصالح، وبين الخطابات السياسية وحقائق الجغرافيا، مسافة طويلة لا تختصرها الكلمات.
لقد اشترت الدبلوماسية وقتاً، لكنها لم تشتر الثقة.
وأجلت المواجهة، لكنها لم تضمن تجنبها.
ولهذا، قد لا يتذكر المؤرخون فرساي ٢٠٢٦ باعتبارها اللحظة التي انتهى فيها الصراع، بل باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها فصل جديد من لعبة قديمة، لم تتغير فيها القواعد كثيراً.
فالخوف ما زال يصنع التوازن، والقوة ما زالت تصوغ السياسة، أما السلام، فيبقى مشروعاً مؤجلاً في منطقة اعتادت أن تتعايش مع الهدنة أكثر مما عرفت الاستقرار.
---
المصادر والمراجع
1. Reuters – Special Reports on U.S.-Iran Memorandum and Iranian Assets Release, 17–18 June 2026.
2. Associated Press (AP) – Draft Documents and Negotiation Details, 18 June 2026.
3. Agence France-Presse (AFP) – European Concerns and Nuclear Assessments, 17 June 2026.
4. IRNA – Official Iranian Statements, 18 June 2026.
5. Xinhua News Agency – Chinese Economic Engagement and Energy Agreements, 17 June 2026.
6. BBC News – Strategic and Legal Analysis, 18 June 2026.
7. Axios – U.S.-Israeli Reactions and Political Context, 17 June 2026.
8. CNN – U.S. Defense Intelligence Assessments, 16 June 2026.
9. International Atomic Energy Agency (IAEA) – Safeguards Report, June 2026.
10. Institute for the Study of War (ISW) – Iran Regional Threat Assessment, June 2026.
11. Institute for Science and International Security (ISIS) – Nuclear Breakout Estimates, June 2026.
12. U.S. Department of State – Official Briefings and Statements, June 2026.
13. International Crisis Group – Middle East Strategic Assessment, June 2026.
14. Carnegie Endowment for International Peace – Gulf Security and Iran Studies, June 2026


















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
المستشار أحمد إبراهيم يُرزق بالمولودة “مسك”.. وتهنئة خاصة من أسرة “الميدان” ورجل...
” الميدان ” يهنئ خالد عمارة بزفاف نجله عبد الرحمن على الآنسة...
”الكلاب الضالة في الإسكندرية.. أزمة تبحث عن حل بين أمان المواطنين وحقوق...
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة...