آفات العصر الحديث بين وهم الكمال وسراب الشاشات
بقلم : د.شروق شعبان
نحن الجنس البشري، أغبياء بما يكفي لنخترع أدواتٍ تختصر الزمن، ثم ننفق ذلك الزمن المدَّخر في التحديق بها كالبهائم! نركض وراء سراب الكمال الذي نعرفه جيداً أنه وهم، ونساوم ضمائرنا على أن "الجميع يفعل ذلك".
و السؤال الاستنكاري الذي يلاحقنا كل صباح ونحن نفتح أعيننا على إشعارات لا معنى لها: أيُّ جنونٍ هذا الذي نعيشه، ومتى سنقرر أن نفيق قبل أن تلتهمنا وحوشٌ أطلقناها بأنفسنا من أقفاصها
أي بركة هذه التي نعيشها؟
أيُّ بركةٍ في عصر تحولت فيه هواتفنا إلى سياط تجلد انتباهنا كل ثلاث دقائق؟
ندّعي أن الثورة الرقمية حررتنا، بينما هي في الحقيقة قيدتنا بسلاسل ذهبية.
أصبحنا نفتخر بعدد المتابعين، بينما لا نعرف اسم جارتنا التي تسكن بجوارنا منذ عشر سنين! نحن جيل يعرف كل شيء عن حياة المشاهير، ولا يعرف شيئاً عن أعماق نفسه.
أليس من السخف أن تكون صلتنا بالكوكب أقوى من صلتنَا بمن ننام بجوارهم؟
إنها مهزلةٌ كونية، نسكت عليها بحجة "مواكبة العصر".
أما آن لنا أن نكف عن تزيين إدماننا؟
نتحدث عن "التواصل"، ونحن في عزلة متزايدة؛ نتحدث عن "المعرفة"، ونحن أغبى مما كنا عليه في عصر الموسوعات الورقية. لم يعد أحد يقرأ أكثر من سطرين دون أن تشتت انتباهه إشعارات تافهة. نحن نرضى بأن نكون (مستهلكين) لمحتوى سريع زائف، بدلاً من أن نكون (مفكرين). ألا يثير الاشمئزاز أن نرى شباباً في مقتبل العمر يبكون أمام كاميراتهم لجمع تفاعلات، بينما يتجاهلون أباً يجلس وحيداً في الغرفة المجاورة؟ هذا ليس تقدماً؛ هذا انحطاطٌ نرتديه ثوباً براقاً لنخدع به أنفسنا.
ومتى سنعترف بأننا نملأ البيوت لنفرغ النفوس؟
نحن الجنس الأغرب في التاريخ: نعمل ساعات طوال لنشتري أشياء لا نحتاجها، لنُعجب بها أناساً لا نحبهم، في مجتمع لا يهتم بنا. الاستهلاك عندنا ليس حاجة، بل رياضة تعويضية؛ نشتري لأن الفراغ يؤلمنا، ثم يزداد الفراغ بعد الشراء لأننا أدركنا أننا خدعنا أنفسنا.
ألا يستحق هذا السلوك سخريتنا واستنكارنا؟ كيف نجرؤ على الشكوى من ضيق العيش، بينما بيوتنا تئن من أكوام ما اقتنينا، وقلوبنا تئن من جوع لا تشبعه الرفوف الممتلئة؟
ألسنا جبناء في هروبنا من الأسئلة الكبرى؟
لطالما اتهمنا أسلافنا بالجمود، لكنهم على الأقل كانوا يطرحون أسئلتهم بجرأة: من نحن؟ وإلى أين؟ نحن اليوم نجّارون ماهرون في بناء جدران من الضوضاء لنحجب بها صوت تلك الأسئلة المزعجة.
ندمن المسلسلات، ونقضي ساعات في التمرير اللانهائي، فقط كي لا نبقى وحدنا مع ذاتنا لخمس دقائق.
أليست هذه جبانة أخلاقية ووجودية؟ الهروب من الذات هو أكبر إفلاس يمكن أن يصل إليه إنسان في أي عصر، ونحن أبطاله بامتياز.
أما عن تمثيلية الكمال….. فمتى نقطع رأس هذا الوهم؟
أما آن لنا أن نفضح كذبة "السعادة المثالية" التي نراها على الشاشات؟ تلك الصور المفلترة والوجوه المعدلة رقمياً والحياة البراقة المزيفة.
نحن نعرف في قرارة أنفسنا أنها كذبة، ومع ذلك نعاقب أنفسنا كل يوم لأننا لا نضاهيها! أيُّ عبوديةٍ هذه التي نقبل بها طواعية؟ أن نكون جلادين لأنفسنا بسبب أوهام تصنعها بلايين الشركات لتبيعنا المزيد من المنتجات.
ألا نشعر بالغضب من أنفسنا حين ندرك أننا ندفع ثمن سعادتنا بأعصابنا المهترئة، لنشتري في النهاية صورةً لا تلبث أن تتحول إلى سراب؟
صفعة في وجه الضمير ……. إذا وصلنا إلى هنا ولم نشعر بغصة في الحلق أو حكة في الضمير، فهذه هي الكارثة بعينها. السؤال الاستنكاري الذي بدأنا به ينتظر إجابة لا يجرؤ عليها أحد: ألسنا عبيداً سخفاء؟
نعم، عبيدٌ للشاشات، عبيدٌ للماركات، عبيدٌ لمقاييس نجاحٍ وضعها تجار الأحلام. نعم،سخافاء لأننا نعرف الجرح ولا نضع عليه مرهماً، لأننا نشكو الظلمة ونرفض إشعال الشمعة.
والترياق الوحيد لم يعد ينفع معه الكلام الناعم أو النصائح الرقيقة؛ فجراح العصر تحتاج إلى صفعة، وإلى وقفة حادة نصرخ فيها في وجوهنا جميعاً: "حسبنا غباءً أن نستمر في هذا الجنون".
الحل ليس في تطوير الأدوات، بل في تطوير الضمير، واستعادة الكرامة الإنسانية التي ترفض أن تكون مجرد تابع لنظام يطحن إنسانيتها دون رحمة. أما آن الأوان لأن نستيقظ، فأنفسنا التي بين أيدينا تضيع، والأعمار تمضي، ولا عذرَ لمن رأى المستنقع وغرق فيه باختياره.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
المستشار أحمد إبراهيم يُرزق بالمولودة “مسك”.. وتهنئة خاصة من أسرة “الميدان” ورجل...
” الميدان ” يهنئ خالد عمارة بزفاف نجله عبد الرحمن على الآنسة...
”الكلاب الضالة في الإسكندرية.. أزمة تبحث عن حل بين أمان المواطنين وحقوق...
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة...