بين قطبين وفراغ قصة عقل بلا مرجع
بقلم : د.شروق شعبان
تصوّر عقلاً عربياً يسير على حبل مشدود بين جبلين.
جبل اسمه "التراث" وجبل اسمه "الحداثة".
هذا المشهد الذي ورثناه عن جيل الرواد الأوائل… عقل عالق بين قطبين واضحين، يتأرجح بين الأصالة والمعاصرة، بين الجمود والتبعية.
حيث الأزمة قديماً كانت أزمة اختيار بين طريقين، وكان الألم هو ألم من يمشي على حد السكين. لكنه، رغم الخطر، كان يرى الطرفين بوضوح، ويعرف أين يضع قدميه، ويدرك أنه إن سقط فهناك أرض تحته، حتى لو كانت أرض الخلاف والصدام.
كان الخوف آنذاك هو خوف التمزق بين قوتين متجاذبتين. أما اليوم فقد أصبح الخوف أشد وأعمق… وهو الخوف من السقوط في الفراغ، حيث لا قطبين ولا أرض ولا سماء.
إننا اليوم لا نقف على حبل مشدود، وإنما نسبح في غيمة رقمية لا شكل لها ولا حدود.
انها أزمة "ما بعد المرجعيات" كما أسميناها، حيث لم يعد السؤال: "أي مرجع نختار؟" بل أصبح السؤال بصيغة وجودية قاسية: "هل هناك أصلاً ما يستحق أن يكون مرجعاً؟".
وفي هذا التحول تكمن المأساة الكبرى لعصرنا: تحوّل العقل من حالة الصراع التي تنتج المعنى ولو بالألم، إلى حالة التيه التي لا تنتج إلا الدوار والغثيان.
وذاك أن الصراع، على قسوته، يظل لنا دليلاً على أن ثمة هناك قيماً تستحق أن نقاتل من أجلها.
أما عن التيه فهو ذاك الموت البطيء للروح وهي تبحث عن سبب لتستيقظ كل صباح.
ولفهم طبيعة هذا التحول، دعونا نتأمل نوعية المعاناة في الحالتين.
في الماضي، كان العقل كمجادل عنيد في ساحة نقاش حامية، يعاني من الامتلاء… امتلاء بنصوص صلبة أو بأيديولوجيات مستوردة.
حيث كانت الأزمة أزمة ثقل وحمولة زائدة، تئن تحت وطأة يقينيات متضاربة، لكنها كانت يقينيات حقيقية تمنح الحياة معنى، حتى لو كان ذاك المعنى هو معني التمرد أو الرفض.
أما اليوم وقد أفرغنا العقل من كل يقين، وحولناه إلى شاشة تستقبل كل شيء ولا تمسك بشيء.
أزمة تكونت من طبيعة معكوسة….. انها أزمة الامتلاء باللاشيء. حيث القصف الاعلامي لا يتوقف، فضلاً ع سيل الصور المتطايرة، وضجيج الأصوات المتداخلة، وعواصف التفاهة تجتاح كل صورة من صور الوعي، فلا يبقي للعقل آن ذاك طاقة للتأمل ولا مساحة للصمت الذي تولد فيه الأفكار العظيمة.
وهكذا صرنا أمام مفارقة عصرنا القاسية: "عقل متخم" و"روح جائعة"، جسد فكري ممتلئ بالمعلومات، وقلب يلهث خلف ذرة معنى.
وهنا يتكشف لنا العمق الفلسفي الحقيقي للمأساة….
قديماً منذ أفلاطون كانت الفلسفة تقوم على فكرة أن المعاناة تبدأ من السؤال "لماذا؟"، وأن هذا السؤال هو الشرارة التي توقد نار الوعي في الإنسان.
أما مأساة عقل "ما بعد المرجعيات" ليست في أنه يطرح أسئلة خاطئة، بل في أنه فقد القدرة على طرح السؤال نفسه.
فعندما يصبح كل شيء نسبياً، وعندما تتحول "الحقيقة" إلى مجرد "سردية" بين سرديات لا نهائية متساوية القيمة، يصاب العقل بشلل وجودي عميق.
يصل إلى حالة من العدمية الناعمة والمريحة، حيث لا داعي للتفكير لأن لا شيء يستحق عناء التفكير، ولا ضرورة للسؤال لأن كل الأجوبة متاحة ومتساوية. هكذا، لم يعد العقل العربي مهدداً من رقيب خارجي، بل من عدو داخلي أشد فتكاً… وهي اللامبالاة الوجودية.
عقل غارق في استهلاك المحتوى التافه، ليس لأن هذه التفاهة ممتعة، بل لأنها تخدّره عن ألم الفراغ، كما يفعل المخدّر بجسد منهك يريد أن ينسى أنه حي.
وهكذا نصل لجوهر الأزمة…… مهمة "تحرير العقل" كما صاغها رواد النهضة أمثال عمارة والجابري، والتي كانت تعني لديهم فك الأغلال
- أغلال التقليد أو أغلال التبعية - ليصبح العقل هو سيد نفسه.
حيث كانت المهمة بطولية تنتهي إما بنصر أو هزيمة،و في الحالتين هي قصة لها بداية ونهاية.
أما اليوم فالمهمة أشد صعوبة وإيلاماً، لأننا قبل أن نحرر العقل صرنا بحاجة إلى خلقه من العدم. علينا أن ننتشله أولاً من مستنقع الترفيه الرقمي، ونعيد له الإحساس بقيمة الكلمة، وقدسية الحقيقة، ورهبة السؤال. هي ليست مهمة تحرير، بل مهمة بعث وإحياء…… مهمة إعادة بناء الرغبة في المعنى، قبل أن نبني المعنى نفسه.
إنها تراجيديا كاملة الأركان إذن: بطلها عقل أنهكه البحث عن يقين فضاع في صحراء النسبيات، وبوتقة ضجيج المنصات الرقمية التي لا تهدأ.
والمفارقة المؤسفة هي أننا كنا نخشى على العقل من سجن اليقين المغلق……. نقوم إيه بقي بالبلدي كدة نفتح له كل الأبواب، فإذا به يضيع منا مش بس في السجن ، لاااااا في عراء شاسع موحش، بلا جدران يستند إليها ولا أفق يسير نحوه ولا نجم يهتدي به.
وما بين سجن الامتلاء الذي كان….. وعراء الفراغ الذي صار، تتأرجح روح العقل العربي المعاصر، باحثاً عن شاطئ لم تطأه قدم، في زمن حُكم فيه على المسافر ألا يصل أبداً.





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
«من جرجوب للإسكندرية».. النائب محمد جبريل يشيد بطفرة النقل ويطالب بـ«كوبري حياة»...
محمد يوسف ولطفي السقعان وأسرة جريدة «الميدان» ينعون والدة الناقد الرياضي عادل...
النائبة إنجي مراد: افتتاح جامعة سنجور يؤكد عمق العلاقات المصرية الفرنسية ويعزز...
الكاتب الصحفي سيد دويدار ورجل الأعمال سامح سعيد ينعَيان الحاج حسني جودة...