السبت 16 مايو 2026 01:30 مـ 29 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

    آراء وكتاب

    د. شروق شعبان

    بين قطبين وفراغ قصة عقل بلا مرجع

    تصوّر عقلاً عربياً يسير على حبل مشدود بين جبلين.
    جبل اسمه "التراث" وجبل اسمه "الحداثة".
    هذا المشهد الذي ورثناه عن جيل الرواد الأوائل… عقل عالق بين قطبين واضحين، يتأرجح بين الأصالة والمعاصرة، بين الجمود والتبعية.
    حيث الأزمة قديماً كانت أزمة اختيار بين طريقين، وكان الألم هو ألم من يمشي على حد السكين. لكنه، رغم الخطر، كان يرى الطرفين بوضوح، ويعرف أين يضع قدميه، ويدرك أنه إن سقط فهناك أرض تحته، حتى لو كانت أرض الخلاف والصدام.

    كان الخوف آنذاك هو خوف التمزق بين قوتين متجاذبتين. أما اليوم فقد أصبح الخوف أشد وأعمق… وهو الخوف من السقوط في الفراغ، حيث لا قطبين ولا أرض ولا سماء.

    إننا اليوم لا نقف على حبل مشدود، وإنما نسبح في غيمة رقمية لا شكل لها ولا حدود.
    انها أزمة "ما بعد المرجعيات" كما أسميناها، حيث لم يعد السؤال: "أي مرجع نختار؟" بل أصبح السؤال بصيغة وجودية قاسية: "هل هناك أصلاً ما يستحق أن يكون مرجعاً؟".

    وفي هذا التحول تكمن المأساة الكبرى لعصرنا: تحوّل العقل من حالة الصراع التي تنتج المعنى ولو بالألم، إلى حالة التيه التي لا تنتج إلا الدوار والغثيان.
    وذاك أن الصراع، على قسوته، يظل لنا دليلاً على أن ثمة هناك قيماً تستحق أن نقاتل من أجلها.
    أما عن التيه فهو ذاك الموت البطيء للروح وهي تبحث عن سبب لتستيقظ كل صباح.

    ولفهم طبيعة هذا التحول، دعونا نتأمل نوعية المعاناة في الحالتين.
    في الماضي، كان العقل كمجادل عنيد في ساحة نقاش حامية، يعاني من الامتلاء… امتلاء بنصوص صلبة أو بأيديولوجيات مستوردة.
    حيث كانت الأزمة أزمة ثقل وحمولة زائدة، تئن تحت وطأة يقينيات متضاربة، لكنها كانت يقينيات حقيقية تمنح الحياة معنى، حتى لو كان ذاك المعنى هو معني التمرد أو الرفض.

    أما اليوم وقد أفرغنا العقل من كل يقين، وحولناه إلى شاشة تستقبل كل شيء ولا تمسك بشيء.
    أزمة تكونت من طبيعة معكوسة….. انها أزمة الامتلاء باللاشيء. حيث القصف الاعلامي لا يتوقف، فضلاً ع سيل الصور المتطايرة، وضجيج الأصوات المتداخلة، وعواصف التفاهة تجتاح كل صورة من صور الوعي، فلا يبقي للعقل آن ذاك طاقة للتأمل ولا مساحة للصمت الذي تولد فيه الأفكار العظيمة.

    وهكذا صرنا أمام مفارقة عصرنا القاسية: "عقل متخم" و"روح جائعة"، جسد فكري ممتلئ بالمعلومات، وقلب يلهث خلف ذرة معنى.

    وهنا يتكشف لنا العمق الفلسفي الحقيقي للمأساة….
    قديماً منذ أفلاطون كانت الفلسفة تقوم على فكرة أن المعاناة تبدأ من السؤال "لماذا؟"، وأن هذا السؤال هو الشرارة التي توقد نار الوعي في الإنسان.
    أما مأساة عقل "ما بعد المرجعيات" ليست في أنه يطرح أسئلة خاطئة، بل في أنه فقد القدرة على طرح السؤال نفسه.
    فعندما يصبح كل شيء نسبياً، وعندما تتحول "الحقيقة" إلى مجرد "سردية" بين سرديات لا نهائية متساوية القيمة، يصاب العقل بشلل وجودي عميق.
    يصل إلى حالة من العدمية الناعمة والمريحة، حيث لا داعي للتفكير لأن لا شيء يستحق عناء التفكير، ولا ضرورة للسؤال لأن كل الأجوبة متاحة ومتساوية. هكذا، لم يعد العقل العربي مهدداً من رقيب خارجي، بل من عدو داخلي أشد فتكاً… وهي اللامبالاة الوجودية.

    عقل غارق في استهلاك المحتوى التافه، ليس لأن هذه التفاهة ممتعة، بل لأنها تخدّره عن ألم الفراغ، كما يفعل المخدّر بجسد منهك يريد أن ينسى أنه حي.

    وهكذا نصل لجوهر الأزمة…… مهمة "تحرير العقل" كما صاغها رواد النهضة أمثال عمارة والجابري، والتي كانت تعني لديهم فك الأغلال
    - أغلال التقليد أو أغلال التبعية - ليصبح العقل هو سيد نفسه.
    حيث كانت المهمة بطولية تنتهي إما بنصر أو هزيمة،و في الحالتين هي قصة لها بداية ونهاية.

    أما اليوم فالمهمة أشد صعوبة وإيلاماً، لأننا قبل أن نحرر العقل صرنا بحاجة إلى خلقه من العدم. علينا أن ننتشله أولاً من مستنقع الترفيه الرقمي، ونعيد له الإحساس بقيمة الكلمة، وقدسية الحقيقة، ورهبة السؤال. هي ليست مهمة تحرير، بل مهمة بعث وإحياء…… مهمة إعادة بناء الرغبة في المعنى، قبل أن نبني المعنى نفسه.

    إنها تراجيديا كاملة الأركان إذن: بطلها عقل أنهكه البحث عن يقين فضاع في صحراء النسبيات، وبوتقة ضجيج المنصات الرقمية التي لا تهدأ.
    والمفارقة المؤسفة هي أننا كنا نخشى على العقل من سجن اليقين المغلق……. نقوم إيه بقي بالبلدي كدة نفتح له كل الأبواب، فإذا به يضيع منا مش بس في السجن ، لاااااا في عراء شاسع موحش، بلا جدران يستند إليها ولا أفق يسير نحوه ولا نجم يهتدي به.
    وما بين سجن الامتلاء الذي كان….. وعراء الفراغ الذي صار، تتأرجح روح العقل العربي المعاصر، باحثاً عن شاطئ لم تطأه قدم، في زمن حُكم فيه على المسافر ألا يصل أبداً.

    أزمة العقل. فلسفة. فكر. شروق شعبان

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    السبت 01:30 مـ
    29 ذو القعدة 1447 هـ 16 مايو 2026 م
    مصر
    الفجر 03:22
    الشروق 05:01
    الظهر 11:51
    العصر 15:28
    المغرب 18:42
    العشاء 20:10