مصر اللوحة المتكاملة في مخيلة التاريخ
د.مارون مخول
منذ أن راودت اليقظةُ روحَ الانسان، راحَ يفكُّ أحاجي الحياة ويبتكرُ عروقَ حضارتِه ءالممتدّة والتي تمزّقُ قشورَ الصلف عن جوارحه وتدفعُه لاستنشاقِ هواءٍ أكثرَ حريّة ليصبحَ بين ابتكاراتِه وأكسيتِّها الابداعيّة سرُّ التنوير ومنطقِ البديهيّاتِ الذي يستدعي الاكتشافَ بين القفار للغزِ الوجود وأريحيّةِ الاقتباس.
وقد أثبتَ الفراعنةُ عبر التاريخ، قدرتهم الاستنباطيّةَ على تحدّي الملمّات التي تمازجها الصعوبة، واتّخذوا من منظوماتِ اختراعاتِهم روحَ الفطنة، وكانت قلوبهم المشدودة الى الترابِ حبّاً بالعمار دافعاً لهم لبناء الاهرامات التي اكتنفت من الأسرار ما عجزَ عنها المنقّبون والمحلّلون والمترجمون عبر التاريخِ الزمني، و تجسّمت تلك الاختراعاتُ الهائلةُ التي انصبّت على البعثِ والروحِ وحفظِ الجسد، والعلوم الفلكّية والحروف الهيروغليفيّة في رموزِها التصويريّة، التي كانت تنطقُ وتفكّرُ لذاتِها وتُحفرُ نقوشاً على جدرانِ المعابدِ والقبور، وربّما تحطّمت صوالجة وتجمّعت حضارات، ولكنّها تفرّعت عن الأساسِ المتين الذي وضعت أسسه الحضارة الفرعونيّة بتاريخِها المجيد من قصعِ ملوكِها الذين توالوا مثل نفحاتِ الزهرِ الذي لا يذبلُ مهما تعدّدت أسبابُ للزمنِ وتواترِه أو تبدّله.
وعلى محك حكمائهم مثل بتاح حتب أخذ الشعبُ المصريُّ ما ضفّره لهم ناموسُ الحكمةِ من التروّي والتثقّفِ وعدم الجنّي على الغير، وتمثيل الحقّ وإحقاقه، ونقض الباطلِ وافساده.
وهكذا، لم يبنِ الفراعنةُ مجرّد آثارٍ تُرى وتتفسّخُ في حناجرِ النسيان، بل خلّفوا علوماً تُكتسبُ بالمهارات، وبالفنون التي عمّت عصرَهم وتفتّحتْ براعمُها للأجيالِ التي تلتها وصقلتها، واكتشفوا سرَّ التحنيطِ الذي جهّزهم لاستقبالِ الموتِ بحفاوةٍ تختبطُ بروح الايمان التي رجّحت إليهم كفّة الميزانِ الثاقب.
وبما أنّ العصرَ الفرعونيّ كان عصراً تنويريّاً يجتثُّ ويقتصُّ ويطبّبُ ويبني، فقد نازعت الأهواءَ نفسَ المصري إلى المزيد من الاكتشاف، وتوخّي الاندثار في بؤرة الاستسلامِ للثابت، والسعي وراءَ الغيب، فابتكروا علمَ الهندسةِ في التصميمِ والتنميق، ومادّةً لصناعةِ الورق البردي، وكان التقويمُ المصريُّ القديم هو لبُّ التطوّر، الذي ساعدهم في تنظيمِ الوقت الزمني، فكان شهر سبتمبر هو بدايةُ أوّلِ التقاويمِ التي شهدَها التاريخ، أمّا "التقويمُ الشمسي" فهو ابتكارٌ اخترقَ دائرةَ الزمن ليصبحَ مرجعاً لمزارعي مصر لتحديد المواسمِ الزراعيّة.
وقد توالت حضاراتٌ متشعّبة على أرض مصر، منها اليونانيّة والرومانيّة والاسلاميّة، ولكنّها تتشبّثُ بجذور الحضارة الفرعونيّة التي لم يقضم حروفَها الزمن، ولا طمسَ معالمَها ما تدرّجَ منها الانسانُ من البربريّةِ إلى الحضاريّة، فقد هذّبت الأذواقَ ونصبت أسسَ العقلِ في مداراتِ الأجيالِ التي تلاحقت عليها، وانسابت مثل جدولٍ يدمدمُ بلحنِ التجدّدِ والعبقريّةِ الجمّةِ التي شهدَ لها العلم، وتنهّدَ بها فلاسفةُ المدارسِ المتعدّدة. وقد قالَ عنها أفلاطون صاحبُ حكمةِ المثل العليا:" المصريّون حافظوا على ثقافتهم من الانهيار عن طريق الحفاظ على طرق تعليم العلوم والفن والموسيقى.. ونحن كالأطفال على موائد حكماء المصريين".
وقد صرّح إيسقراط وهو من أهمّ مؤسّسي مدرسةِ البلاغةِ في أثينا، بأنّ أوائل الكتّابِ قد ذهبوا من اليونانِ إلى مصر ناشدين المعرفةَ والتثقيف في أرضِ النيل.
وفي ترجمةِ بحثٍ لداغ هيربيورنسرود بعنوان:” الفلسفة الراديكاليّة في مصر" كتبَ عن لسان الكاتب ايرش زميل الشاعر هوراس:"اتّخذ الفراعنةُ من الكتاب قارئاً وكاهناً، ومن السبورة ابنًا بارّاً. والتعاليم أضرحتهم، والقلم طفلهم، وحجر الصقل زوجتهم. يُمنحونهم جميعًا، كبيرهم وصغيرهم، كأبناء، فالكاتب هو سيد الموقف".
وقد عمّت المعارفُ أرضَ مصر وتطوّرت عبر مضيّ الأيّام، حتّى بلغت ذروتَها في عصرِنا الحالي، إذ شهدت طفرةً ثريّةً في العمران الحديث، وفي تبنّي الهندسةِ المركّبة للبناءِ الغير تقليدي، حتّى تحوّلت معالمُها إلى لوحةٍ عصريّةٍ تتلاءمُ مع جودةِ التركيبِ الهندسي، تتوافرُ فيها العناصرُ الحسيّة والبصريّة الخلّابة، والتي تصطفُّ في المخيّلةِ كمشاهد حيّةٍ من الابداع الحقيقي.
ولا ننسى أثرَ الثقافةِ في مصر، والدور المحوري للّغةِ العربيّةِ في تشكيلِ المجتمعِ الذي يختمرُ في قلوبِ أفرادِه حبّ الشعر والكتابة والفكر والمعرفة، ولا تستعصي عليها غوامضُ اللغة ومشتقّاتها، وقد كان لكتّابِ مصر الدور الكبير في تشكيلِ أثرِ الحضارةِ العربيّةِ على الغربيّة، إذ نالَ نجيب محفوظ عن جدارةٍ جائزة النوبل، لأسلوبِه الروائي البارع الذي طغى على الأقلامِ الغربيّة وتفوّقَ عليها.
وقد كان قاسم أمين أوّل من نادى بحقوقِ المرأة، وجابَ بأفكاره أرض الكنانة حتّى وصلَ صدى صوتِه إلى الأقطار العربيّةِ كاّفة، ليحرّرَ النساءَ من آفّةِ التقوقعِ التي لطالما حاصرتهن ومنعت عنهن هواءَ الحريّةِ في العلمِ والتقدّم والكفاح.
مصرُ التي تؤمنُ دائماً بثالوثيّة الحياة، أي الحريّة والانفتاح والحب، لقّبت بأمّ الدنيا، لأنّها تحتضنُ دون تنقيةِ أو تعريبها، وتؤمنُ بالفنّ كوسيلةِ ارتقاءٍ للروح حيثُ لا يخضعُ لقوانينِ التوليف، بل ينطلقُ حيّاً بارّاً بأصولِه، عازفاً على قيثارتِه لحنَ البقاء، لأرضِ الفراعنةِ التي جعلت من الارتقاءِ الفكري والعماري والحضاري معزوفةً حيّة، بثّت ألحانَها لتتدفّقَ وتجلو غوامضَ الكون وتحدثَ الأثرَ الخارقَ في أنحاءِ العالمِ بأسره، وتستحقُّ عن جدارةٍ لقبَ :"أمّ الدنيا" الحاضنة والوادعة والصارخة بوجهِ الظلم، والتي تصلُ إلى اللبابِ الإنساني لتظهرَ بريقَه الأخّاذ، فتحيّةٌ لمصر وأهل مصر ولفرعون الخالد في بقاعها الخضراء على مدّ الصحراءِ الشاسعة.



















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
بداية برلمانية قوية لنائب يحمل على كاهلة حقوق العمال لدورتة الثانية على...
” الميدان ” تنعى الحاج محمد عبد الحفيظ وتشاطر الكاتب الصحفي محمود...
الكاتب الصحفي محمود أبو السعود وأسرة الجريدة يعزّون المستشار ربيعي حمدي في...
الكاتب الصحفي محمود أبو السعود وأسرة الجريدة يقدمون واجب العزاء للدكتور أحمد...