احتجاجات ايران: مهلة التسليم وتخفيف العقوبات وسط تصعيد أمني وأزمة معلومات
احتجاجات ايران: مهلة التسليم وتخفيف العقوبات وسط تصعيد أمني وأزمة معلومات
تتواصل تداعيات موجة اضطرابات هزّت البلاد منذ أواخر ديسمبر 2025، بعدما عرضت السلطات تخفيف العقوبات عن بعض المشاركين إذا سلّموا أنفسهم خلال ثلاثة أيام. وتأتي هذه الخطوة في محاولة لاحتواء أزمة داخلية متفاقمة تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والأمنية والإعلامية، وتستقطب اهتماماً واسعاً لدى متابعي احتجاجات ايران، بالتوازي مع تدفق التطورات عبر اخبار ايران. وبينما تصف الحكومة ما حدث بأنه “شغب” محرّك من الخارج، يتهم معارضون السلطات باستخدام القوة المفرطة ضد متظاهرين خرجوا احتجاجاً على الأوضاع المعيشية.
مهلة ثلاثة أيام: رسالة استيعاب أم فرز سياسي؟
أعلن رئيس الشرطة أحمد رضا رادان استعداد السلطات لتخفيف العقوبات عن “الشباب الذين تورطوا عن غير قصد” إذا سلّموا أنفسهم خلال مهلة لا تتجاوز ثلاثة أيام. وفي توصيف لافت، ميّز رادان بين من اعتبرهم “مخدوعين” وبين من يصنفهم “أعداء”، ما يوحي برغبة رسمية في تفكيك الحاضنة الاجتماعية للاحتجاجات عبر إتاحة “مخرج” لبعض المشاركين، وفي الوقت ذاته الإبقاء على مسار عقابي صارم تجاه من ترى أنهم قادوا العنف أو حركوه.
عملياً، تحمل هذه المهلة أكثر من وظيفة:
-
تقليص عدد المطلوبين عبر استسلام طوعي يخفف عبء الملاحقة.
-
الحصول على معلومات ميدانية عن شبكات التنظيم والتحريض.
-
إرسال إشارة إلى المجتمع بأن الدولة تميز بين مستويات المشاركة.
لكن نجاح هذا المسار يتوقف على عامل الثقة: هل يصدق المشاركون أن تسليم النفس سيقود فعلاً إلى تخفيف العقوبة؟ أم سيُستخدم الاستسلام بوصفه اعترافاً يفتح باب أحكام أشد؟
مصادرة الأصول: العقوبة تمتد إلى الاقتصاد الخاص
تزامناً مع خطاب “التخفيف”، برزت مقاربة أكثر صرامة من جهة القضاء، عبر الحديث عن مصادرة ممتلكات من يثبت دعمه للاحتجاجات. ونُقل عن المدعي العام محمد موحدي آزاد أن القضاء “ملزم بتحديد ممتلكات” من تصفهم السلطات بالإرهابيين وإبلاغ النيابة بها، وأن أي دعم للانتفاضة قد يواجه بمصادرة الأصول “لتعليم درس”.
هذه السياسة لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تضغط أيضاً على القطاع الخاص كي لا يتحول إلى مساحة تضامن أو تمويل أو حتى رمزية احتجاجية. فمصادرة أصول رجل أعمال بارز بعد إغلاق مقاهيه تضامناً مع المحتجين تحمل رسالة ردع واضحة: الانحياز العلني قد تكون كلفته اقتصادية مباشرة، وليس فقط أمنية أو قضائية.
حصيلة الضحايا والاعتقالات: أرقام متضاربة ومعركة روايات
من أبرز سمات الأزمة اتساع فجوة المعلومات وتعدد الأرقام المتداولة حول الضحايا والموقوفين. فقد أوردت تقارير منسوبة إلى مصادر مختلفة تقديرات مرتفعة لعدد الضحايا، بينما تحدث مسؤول إيراني عن أكثر من خمسة آلاف قتيل مؤكَّد، بينهم نحو خمسمئة من أفراد قوات الأمن، مع الإشارة إلى أن أعنف الاشتباكات وقعت في مناطق ذات غالبية كردية شمال غربي البلاد. وفي المقابل، تحدثت منظمات حقوقية عن آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين، مع إحصاءات تقول إن عدداً كبيراً من الإصابات ناتج عن استخدام الرصاص المطاطي على الوجه والصدر بما خلّف حالات فقدان بصر وإصابات داخلية.
هذا التضارب ليس تفصيلاً، بل جزء من الأزمة نفسها. فحين تتراجع القدرة على التحقق المستقل، تتوسع مساحة الروايات المتنافسة، ويصبح الرقم أداة سياسية بقدر ما هو مؤشر إنساني.
الإنترنت والإعلام: التحكم بالتدفق قبل التحكم بالشوارع
تفاقمت صعوبة التحقق بسبب انقطاعات واسعة في الاتصالات، شملت الإنترنت وخطوط الهاتف الدولية، ثم تخفيف جزئي للحجب. وأشار مرصد مختص بمراقبة انقطاعات الشبكات إلى أن معدل الاتصال الوطني لا يزال ضعيفاً، مع وجود “شبكة تصفية” تسمح بمرور بعض الرسائل، بما يوحي بأن السلطات تختبر نموذجاً أكثر تشدداً للرقابة.
سياسياً، ربط مسؤولون إيرانيون عودة الخدمة باستقرار الأوضاع الأمنية، في حين ذهب بعض البرلمانيين المحافظين إلى انتقاد ما اعتبروه ضعفاً سابقاً في الرقابة. في كل الأحوال، يظل الإنترنت هنا جزءاً من هندسة إدارة الأزمة: خفض قدرة الحشد والتنظيم، وتقييد تدفق المقاطع والصور، وتقليل أثر الضغوط الخارجية.
اختراق التلفزيون والتصعيد الخارجي: أزمة داخلية تتسع إقليمياً
شهدت الأزمة بعداً رمزياً حين بدا أن التلفزيون الرسمي تعرض لاختراق عُرضت خلاله مقاطع وخطابات معارضة ورسائل تدعو إلى إسقاط الحكم. كما تداخل المشهد مع تصعيد سياسي من الخارج، إذ صدرت تهديدات متكررة من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالتدخل دعماً للمحتجين قبل أن يتراجع عن ذلك مع انحسار أعمال القتل على نطاق واسع وفق ما نُقل عنه.
في المقابل، اعتبر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان أن استهداف المرشد علي خامنئي “إعلان حرب شاملة ضد الشعب”، وهاجم العقوبات الأميركية بوصفها سبباً لمعاناة الإيرانيين. أما خامنئي فحمّل ترمب مسؤولية سقوط الضحايا، واتهم أطرافاً مرتبطة بأميركا وإسرائيل بإشعال العنف، مؤكداً أن الدولة “لن تجر البلاد إلى حرب” لكنها لن تترك من يصفهم بالمجرمين دون عقاب.
لماذا تبدو هذه الموجة مختلفة؟
تُقارن هذه الاضطرابات بموجات سابقة شهدتها البلاد في عامي 2009 و2022، لكن ما يجعلها أكثر حساسية هو اجتماع عدة عناصر في وقت واحد: ضغط اقتصادي شديد، أعداد كبيرة من الضحايا وفق تقديرات متعددة، اتساع نطاق الاعتقالات، وتشدد في أدوات التحكم بالمعلومات. كما أن الحديث عن إمكانية تنفيذ أحكام إعدام، حتى مع تذبذب الإشارات حول ذلك، يزيد القلق من انزلاق الأزمة إلى مستويات أعلى من العنف وردود الفعل.
في الختام
تعكس مهلة تسليم النفس وتخفيف العقوبات محاولة رسمية للجمع بين العصا والجزرة: استيعاب جزء من المشاركين وعزل من تعتبرهم الدولة محركين للعنف. لكن مستقبل الأزمة سيعتمد على مسارين متوازيين: قدرة السلطات على تهدئة الأسباب الاقتصادية التي فجّرت الغضب، وقدرتها في الوقت نفسه على إعادة بناء حد أدنى من الثقة والشفافية في ظل القيود على الإنترنت وتضارب أرقام الضحايا. وبين هذين المسارين، تبقى البلاد أمام اختبار صعب: هل تنجح إجراءات الاحتواء في إعادة الاستقرار، أم تتحول الأزمة إلى دورة جديدة من التصعيد؟


















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
” الميدان ” تنعى الحاج محمد عبد الحفيظ وتشاطر الكاتب الصحفي محمود...
الكاتب الصحفي محمود أبو السعود وأسرة الجريدة يعزّون المستشار ربيعي حمدي في...
الكاتب الصحفي محمود أبو السعود وأسرة الجريدة يقدمون واجب العزاء للدكتور أحمد...
أسرة عشّاق النادي الأهلي تنعى وفاة نجل عضو الجروب محمد مدني