الموروثات بين الذاكرة والحرية
شروق شعبان
يولد الإنسان وفي عنقه قلادة من أسماء وأفعال وحكايات، يسمّيها الناس “الموروث”، ويسمّيها الفيلسوف “ذاكرة الجماعة” حين تصبح معياراً للصواب.
غير أن الظل يتلاشي حين يتحول الإرث إلى قدرٍ يُستسلم له، فتُختزل الذات في صدى لا صوت له.
وهنا يبدأ سؤال الفلسفة: هل يُحترم الماضي بالانحناء له، أم بإعادة إنطاقه بما يليق بكرامة الحاضر؟
حينما رفع كانط شعار التنوير طرح علي ذواتنا سؤالاً هو في ذاته سؤالاً استنكارياً فقال: “متي ستجرؤ على استخدام عقلك!؟
من هذا السؤال يتضح لنا أن المشكلة ليست في وجود الموروث ذاته، وإنما في طريقة التعامل معه.
فالتقليد في حد ذاته قد يكون جسراً للتعلم من تجارب من سبقونا، لكنه حين يُمارس بلا وعي يصبح تقليداً “أعمى”، أي فاقداً لروحه، محتفظاً بالقشرة دون الجوهر.
اقرأ أيضاً
مرصد الأزهر يرحب بإعلان نيويورك يناير شهرًا للتراث الإسلامي
تحالف عقاري متميز لتطوير مشروع سياحي على الواجهة البحرية لمدينة الغردقةالنائبة فاطمة سليم تطلق بودكاست «الوصفة السحرية» لاستعراض قصص النجاح الحقيقية من قلب المجتمع
مقاربة فلسفية..في ضوء تحولات الإنسان المعاصر
الدكتور أحمد فتحي المأذون يحصل على دكتوراه الفلسفة في التربية من جامعة الزقازيق
الرئيس الفنزويلي: احتجاز أمريكا لناقلة نفط فنزويلية ”قرصنة بحرية”
الحرية: المشاركة في الإنتخابات حجز الزاوية في صناعة مستقبل مصر وترسيخ النظام الديمقراطي
وفيق نصير يزور معرضاً بأكاديمية الفنون الجميلة يجمع بين التشريح والتراث الفرعوني ويربط الفن بالبيئة
الأهرام الكندية تطلق ملتقى الفنون والحرف اليدوية الأول لإحياء التراث المصري الأصيلالسعودية عضوًا في مجلس المنظمة البحرية الدولية
أمين الشئون البرلمانية بحزب الحرية: التنافسية القوية في الانتخابات تعكس حيوية المشهد السياسي
الرئيس السيسى و المتحف المصرى الكبير مشروع القرن و رمز الريادة
وهكذا تتحول الذاكرة من مصدر للمعنى إلى سلطةٍ صامتة، تُعفي الفرد من مسؤولية التفكير وتُغرقه في طقسٍ بارد منزوع الدلالة.
هذا الانغماس الغير مقبول يقودُنا إلى نقد الفكرة نفسها:
إذ كيف يمكن للإنسان أن يظل حراً وهو يكرر ما لا يفهم؟
الأمر الذي دعا الفلاسفة إلي نقدها ….. فديكارت: دعا إلى تعليق الثقة بالعادات كي نفحصها…
وكانط : جعل من الاستقلال العقلي أساس للكرامة.
أما نيتشة: ففضح لذة الامتثال التي تخفي خوفاً من المغامرة في “أن تكون ذاتك” علي حد تعبيره.
جميعهم لم يُعادوا الإرث، وإنما اشترطوا أن يمر ذلك الإرث عبر محك العقل والضمير.
ومن هنا تتكشف لنا حجج الفلاسفة ضد الامتثال غير المفكَّر فيه:
فالأخلاق لا تُفوَّض…
والمسؤولية لا تُسقط بالتقليد…
وهو ما جعل هيغل يري أن التاريخ يتقدم عبر تجاوز محدوديات الماضي لا عبر تكرارها.
بينما ابن رشد: عمل علي تنبيه أتباعه
إلى أن العقل هو معيار لفهم الدين والإنسان.
وأن الاستدلال بالأسلاف دون برهان يعلّق التفكير ويحوّل الحقيقة إلى إرثٍ جامد لا لبرهانٍ نافع.
ومع ذلك فإن النقد لتلك الفكرة لا يعني مطلقاً القطيعة بشكلٍ مطلق ، وإنما يفتح الباب لبيان قيمة الإرث حين يُعاد تأويله بشكل صحيح وسليم.
هنا يطلّ علينا هيدغر وغادامير بقولهم :
أن المعنى يتشكل في حوار بين الماضي والحاضر، وأن المطلوب منا ليس هدم الإرث وإنما المطلوب هو تحريره من الجمود.
حيثُ التأويل الخلّاق يعيد للذاكرة حياتها، ويحوّلها من قيدٍ إلى إمكان، ومن طقسٍ إلى معنى.
ومع ذلك فإن هذا الحوار الذي هو بين الماضي والحاضر لا يخلو من توتر نفسي:
إذ التقليد الأعمى وإن كان يمنحنا الامان الشكلي، إلا إنه لا يُنتج لنا سوي الخوف من المغايرة وفقدان الاعتراف.
وهنا تبرز شجاعة الوعي: وهي أن تُغامر بفقدان التصفيق من الجميع من أجل الحرية الحقيقية وكسب صفاء الضمير….. الحرية ليست جحوداً للأصول، وإنما وفاءً لمعناها الأعلى: أن تكون إنساناً مسؤولاً عن جميع ما تختار.
ومن هذا البعد النفسي تتولد لدينا الحاجة إلى أخلاقيات عملية للاختيار:
وهي أن نسأل قبل أن نكرر…
أن نميّز بين الجوهر والقشرة…
وأن نحتكم إلى البرهان لا إلى السلطة.
هكذا يمكن لنا أن نحافظ بشكل واعي وحقيقي على القيم ونبدّل الصيغ، ونصون الكرامة دون أن نُسجن في الماضي.
وفي النهاية يمكن لي أقول:
بأن الماضي ليس حجراً فوق صدورنا ، وإنما هو نهر جاري إذا أحسنا مجراه روى لنا أرضنا.
إذ التقليد الأعمى يطفئ علي العقل شرارة السؤال … ويحوّل الإنسان لظلّ ميت لا روح فيه ، بينما الإرث حينما يمر عبر نار الوعي يخلُص ذهبُه من الشوائب وينتج لنا معرفة واعية وحقيقية.
نعم نصغي إلى الأسلاف… لكننا نختار ألا نكون نسخة مستهلكة
فالموروث شجرة، جذورها في الأمس، لكن أغصانها لا تزهر إلا حين تُسقى بحرية اليوم.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
محمد يوسف وأسرة تحرير جريدة الميدان ينعون والدة الكاتب الصحفي ياسر السجّان
الميدان تشاطر الأحزان وتنعى عائلة أبوزهو في وفاة المغفور لها زوجه الحاج...
مأدبة غداء بحضور جورج قرداحى و رئيس اليمن الاسبق على ضفاف النيل