الأحد 31 مايو 2026 12:14 صـ 13 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

تعبيرية

بين العدالة والاستقرار.. لماذا تحتاج القوانين إلى مرجعية؟

من السهل أن يقال على شاشة تلفزيونية إن قانون الأحوال الشخصية «حنفي متعصب»، لكن من الصعب إثبات ذلك بالأدلة.

فإذا كان المذهب الحنفي منحازاً ضد المرأة كما يقال، فكيف كان المذهب الوحيد تقريباً بين المذاهب السنية الأربعة الذي أعطى المرأة البالغة العاقلة حق إبرام عقد زواجها بنفسها دون اشتراط الولي كشرط لصحة العقد؟

بينما اشترطت المذاهب الأخرى الولي لصحة الزواج في الأصل.

هذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط الصورة النمطية التي تروج بأن الحنفية دائماً أكثر تشدداً ضد المرأة من غيرهم.

اقرأ أيضاً

ثم إن المنتقدين يتحدثون وكأن المذهب الحنفي فُرض على القضاء المصري أمس.

والحقيقة أن المرجعية الحنفية تشكل أساساً قانونياً مستقراً منذ عقود طويلة، حتى إن القضاء المصري يرجع إلى الراجح من مذهب الإمام أبي حنيفة في مسائل الأحوال الشخصية عند غياب النص القانوني.

وهنا يبرز السؤال المنطقي:

إذا كانت المرجعية الحنفية ظلماً للمرأة، فأين الدراسات أو الإحصاءات التي تثبت أن المشكلات الأسرية في مصر سببها الانتماء إلى المذهب الحنفي تحديداً؟

لا توجد.

المشكلات الحقيقية التي تواجه الأسرة المصرية اليوم ترتبط بطول أمد التقاضي، وصعوبة تنفيذ الأحكام، والنزاعات المالية، وإجراءات الرؤية والحضانة والنفقة، وهي مشكلات إدارية وقانونية معقدة لا تختفي بمجرد استبدال مرجعية فقهية بأخرى.

والأهم من ذلك أن أصحاب شعار «لنأخذ من كل المذاهب» لا يجيبون عن سؤال أساسي: من الذي سيختار؟

هل سنأخذ الرأي الأكثر نفعاً للمرأة دائماً؟ أم الأكثر نفعاً للرجل؟

أم الأكثر قبولاً لدى الرأي العام؟

أم الأكثر توافقاً مع توجه الحكومة؟

الحقيقة أن فتح باب الانتقاء بلا ضوابط يجعل القانون رهينة لمن يملك سلطة الاختيار، لا رهينة للدليل أو للاستقرار التشريعي.

والتاريخ القانوني يعلمنا أن العدالة لا تقوم فقط على جودة الأحكام، بل أيضاً على استقرارها. فالمواطن يحتاج إلى قواعد يعرفها مسبقاً، والقاضي يحتاج إلى مرجعية يرجع إليها، والمحامي يحتاج إلى توقع معقول لنتيجة النزاع.

أما إذا تحولت كل مادة قانونية إلى ساحة خلاف بين أربعة مذاهب وعشرات الآراء، فإن أول ضحايا ذلك سيكون اليقين القانوني.

لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا الحنفية؟

بل: هل النص القانوني عادل أم لا؟

فإذا كان هناك نص يضر المرأة فليعدل.

وإذا كان هناك نص يضر الرجل فليعدل.

أما اختزال المشكلة كلها في اسم المذهب فهو تبسيط إعلامي لقضية أعقد بكثير.

فالعدالة لا تتحقق بتغيير اللافتة المعلقة على باب القانون، وإنما بتحسين النصوص نفسها.

ومن يزعم أن مجرد استبدال المرجعية الحنفية سيصنع قانوناً أكثر عدلاً، فعليه أولاً أن يقدم الدليل، لا الشعار .

بين العدالة و الاستقرار .. لماذا تحتاج القوانين إلى مرجعية ؟