الخصوصية ليست حصانة: كيف تتحول الحقوق أحيانًا إلى جدار يحجب المساءلة؟
عبدالعزيز محسن
في أوقات الأزمات، لا تُختبر قوة المبادئ عندما تدافع عن أصحابها، بل عندما تطبقها على الجميع بالمعيار نفسه.
لهذا يبدو المشهد مثيرًا للتأمل كلما اندلعت عاصفة جدل حول شخصية عامة، فتخرج بيانات التضامن تباعًا، لا لتدافع عن الحق فحسب، بل لتعيد رسم حدود النقاش العام نفسه.
فجأة تتحول الخصوصية إلى سيف مسلط على كل سؤال، ويصبح النقد قرينًا للتشهير، ويُطلب من الرأي العام أن يلتزم الصمت انتظارًا لما ستقوله البيانات أو ما ستنتهي إليه التحقيقات.
لا خلاف على أن الحياة الخاصة مصونة، وأن انتهاكها جريمة أخلاقية وقانونية.
اقرأ أيضاً
لكن ما يثير القلق هو ذلك التوسع المتزايد في استخدام مفهوم الخصوصية بحيث يصبح قادرًا على ابتلاع كل ما حوله؛ النقد، والمساءلة، والجدل العام، وحتى حق المواطنين في طرح الأسئلة.
القانون لم يضع الخصوصية لتكون حصنًا ضد المساءلة، بل وضعها لحماية الإنسان من التعسف.
وهناك فارق شاسع بين الأمرين.
فالإنسان، أي إنسان، يستحق أن تُصان حياته الخاصة من الانتهاك.
أما الشخصية العامة، بحكم اختيارها الطوعي للوجود في دائرة التأثير، فإنها تصبح جزءًا من المجال العام الذي لا يعيش إلا بالنقاش والتقييم والاختلاف.
وهنا تكمن المعضلة التي يتجاهلها كثيرون عمدًا: ليس كل نقد تشهيرًا، وليس كل تساؤل انتهاكًا للخصوصية، وليس كل جدل مؤامرة.
بعض الخطابات الحقوقية والإعلامية وقعت في فخ خطير؛ إذ أصبحت تنظر إلى أي انتقاد باعتباره استهدافًا، وإلى أي رأي مخالف باعتباره حملة منظمة.
وبدلًا من مواجهة الأفكار بالأفكار، يجري أحيانًا استدعاء خطاب المظلومية لإغلاق النقاش من أساسه.
لكن المجتمعات الحرة لا تُدار بهذه الطريقة.
فحرية التعبير لا تعني حق الإساءة، كما أن الحق في الخصوصية لا يعني حق الإفلات من النقد.
وكما يجرّم القانون الاعتداء على الحياة الخاصة، فإنه لا يجرّم الاختلاف في الرأي ولا يحظر المساءلة المجتمعية للشخصيات المؤثرة.
الأكثر إرباكًا أن بعض المدافعين عن الخصوصية يتحولون إلى أكثر المطالبين بالشفافية عندما يكون الطرف الآخر خصمًا فكريًا أو سياسيًا.
هنا تتبدل المفاهيم بسرعة مدهشة، فتُفتح أبواب "حق المعرفة" على مصاريعها، وتُرفع شعارات الرقابة المجتمعية، ويصبح كشف المعلومات فضيلة لا انتهاكًا.
وهنا يبرز السؤال الذي لا تحبه الخطابات الانتقائية: هل نحن أمام دفاع عن مبدأ أم دفاع عن أشخاص؟
لأن المبدأ الحقيقي لا يتغير بتغير الأسماء.
والحق الحقيقي لا يتبدل بتبدل المواقع والانتماءات.
أما الحقوق التي تعمل وفق هوية صاحب القضية، فليست حقوقًا بالمعنى الكامل، بل مواقف سياسية ترتدي ثوب القانون.
المشكلة ليست في الخصوصية، بل في تحويلها إلى منطقة معفاة من النقاش.
وليست في حماية الأفراد، بل في استخدام الحماية كوسيلة لعزل بعض الشخصيات عن النقد المشروع.
فالمجتمع الذي يخاف من الأسئلة أكثر مما يخاف من الانتهاكات، مجتمع يخلط بين الكرامة والحصانة، وبين الاحترام والمساءلة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأبسط والأكثر إزعاجًا: الحقوق لا تُقاس بحجم البيانات المؤيدة لها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار العدالة والمساواة.
أما الخصوصية، مهما كانت أهميتها، فلن تكون يومًا رخصة لإسكات الأسئلة، ولن تصبح بديلًا عن حق المجتمع في النقاش، ولن تتحول في دولة القانون إلى جدار يحجب المساءلة عن أي شخص، مهما كان موقعه أو نفوذه أو عدد المتضامنين معه.





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
”الكلاب الضالة في الإسكندرية.. أزمة تبحث عن حل بين أمان المواطنين وحقوق...
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة...
حفل زفاف سارة أيمن حسني ومحمد سامح
عبدالسلام عبدالله يوجه الشكر لمدير الحاسب الآلي بالتأمين الصحي بالإسكندرية تقديرًا لجهوده...