وفيق نصير يكتب: شرق أوسط يختنق.. مايمكن تداركه بيئيا قبل فوات الأوان
ليس سراً أن الشرق الأوسط يمر بمرحلة هي الأعنف منذ عقود، لكن ما يغيب عن معظم التقارير الإخبارية هو الوجه الآخر لهذه الحروب: الوجه البيئي الذي سيدفع ثمنه سكان هذه المنطقة، بل وسكان العالم بأسره، لسنوات قادمة.
تخيلوا معي مشهداً ليس من فيلم خيال علمي: صاروخ يصيب مفاعل ديمونه النووي في النقب. لست هنا بصدد مناقشة السيناريوهات العسكرية، لكن ما يعرفه المتخصصون هو أن أي استهداف لمثل هذه المنشآت قد يؤدي إلى تسرب إشعاعي يعادل، بل قد يتجاوز، كارثة تشيرنوبيل. الرياح في الشرق الأوسط لا تحترم الحدود السياسية، والإشعاع المتسرب سيتجه شرقاً وشمالاً وشمالاً غرباً، ليلطخ سماء الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق، وقد يصل إلى جنوب تركيا وقبرص.
ولنقف لحظة عند مصر. الرياح السائدة في شرق المتوسط، وخاصة في فترات الخريف والربيع، تحمل معها كل ما يعلو في الجو. سيناء وشمال الدلتا سيكونان في مرمى الخطر المباشر، ليس فقط من الإشعاع، بل من الغبار الملوث الذي قد يلوث مياه النيل عند المصب، ويؤثر على المحاصيل الزراعية في العريش وبورسعيد والإسكندرية. هل نسأل أنفسنا: كم ستحتاج التربة المصرية لتتخلص من السيزيوم والسترونتيوم إذا ما تسربا؟
أما معامل النفط وحقولها، فالمشهد هناك مختلف لكنه ليس أقل فتكاً. حين تشتعل آبار النفط، كما حدث في الكويت عام 1991، فإن السحب السوداء من الكربون والغازات السامة ترتفع لعشرات الكيلومترات. هذه الغازات لا تختفي، بل تسقط مع الأمطار الحمضية التي تحرق المحاصيل وتسمم الأنهار. دجلة والفرات، وهما بالفعل يعانيان من الجفاف والتلوث، سيصبحان مجرى للقار والمواد المسرطنة. ومن ثم، عندما تصل مياههما إلى الخليج العربي، فالحلم بوجود حياة بحرية سليمة سيتبدد.
ودعونا نتحدث عن الأسلحة ذاتها. الصواريخ التي نراها في المشاهد التلفزيونية ليست مجرد كتل معدنية تنفجر وتنتهي. اليورانيوم المنضب المستخدم في رؤوس بعض الصواريخ والقذائف يتحول إلى غبار ناعم يظل في التربة لمئات الآلاف من السنين. هذا الغبار يستنشقه الإنسان والحيوان، ويؤدي إلى تشوهات خلقية وسرطانات تظهر بعد سنوات. العراق ما زال يعاني من آثار اليورانيوم المنضب منذ حربي 1991 و2003، فكيف إذا تكرر المشهد على نطاق أوسع؟
الماء سيكون الضحية الصامتة الأولى. طبقات المياه الجوفية في الشرق الأوسط، التي تمتد تحت حدود لا يعرفها الجيولوجيون، تتلقى الآن جرعات من السموم عبر الشقوق الصخرية. حوض المياه الجوفية الواقع تحت صحراء النقب وشمال الحجاز وجنوب الأردن وسيناء، هذا الحوض العظيم الذي يعتمد عليه ملايين البشر للشرب والزراعة، يمكن أن يتلوث بشكل لا رجعة فيه خلال أسابيع إذا تسربت المواد الكيميائية والنووية إلى باطن الأرض.
الهواء، ذلك الشريان المشترك لجميع الكائنات، هو أكثر المتضررين وضوحاً. الغبار المتصاعد من الحرائق والتفجيرات لا يبقى فوق منطقة الصراع. الأقمار الصناعية ترصد هذه السحب وهي تعبر المحيطات. وصل غبار حرائق الكويت إلى جبال الهيمالايا قبل ثلاثين عاماً، فماذا تتوقعون أن تفعل حرائق اليوم مع سماء أوروبا وآسيا وأفريقيا؟
التربة، ذلك الكتاب المفتوح لتاريخ الأرض، تُكتب الآن صفحاتها بالدم والسموم. الكائنات الدقيقة في التربة، التي تنتج لنا الهواء الذي نتنفسه والغذاء الذي نأكله، تموت بالملايين جراء المعادن الثقيلة والمواد الكيميائية. الأراضي الخصبة في سهل البقاع وغزة والجولان ستحتاج إلى عقود، بل قرون، لتتعافى.
والسؤال الذي يلح عليّ كعضو في البرلمان العالمي للبيئة: هل استعد العالم لاستقبال مليون لاجئ بيئي من الشرق الأوسط؟ لأن تغير المناخ كان كافياً ليخلق موجات نزوح، وإضافة هذا التسمم البيئي المتعمد سيجعل مناطق بأكملها غير صالحة للسكن.
العالم سيتأثر حتماً، ليس فقط عبر الهواء والماء، بل عبر الأسعار. تضرر حقول النفط يعني ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً. تلوث الممرات المائية يعني أزمة غذاء. وانتشار الأمراض الناجمة عن التلوث يعني ضغطاً على أنظمة الصحة في كل مكان.
لكن مصر، يا سادة، تقع في قلب العاصفة الجغرافية. حدودها الغربية والشرقية أصبحت مناطق حرب بيئية مفتوحة. نهرها الذي هو شريان حياتها يصب في بحر أصبح ملوثاً بالصواريخ والحرائق. رياحها تأتيها من الشرق حاملة أول أكسيد الكربون وأكاسيد النيتروجين والغبار المشع. هل لدى مصر خطة للتعامل مع أمطار حمضية على الدلتا؟ هل لدى المستشفيات المصرية مخزون من اليود المشع لحالات الطوارئ النووية؟
لست هنا لأثير الذعر، بل لأقول إن ما يحدث الآن ليس مجرد أخبار عابرة. إنه إعادة تشكيل جيولوجي وكيميائي وبيولوجي لمنطقتنا. كل قنبلة تسقط تخلف وراءها إرثاً بيئياً سترثه الأجيال القادمة. كل مفاعل يتعرض للاستهداف، وكل بئر نفط تشتعل، هي وصية موقعة على مستقبل ملوث.
والأدهى أن القانون الدولي الإنساني يمنع استهداف المنشآت النووية والبنية التحتية الحيوية، ويحظر استخدام أسلحة تسبب أضراراً بيئية واسعة وطويلة الأمد. لكن من يراقب؟ ومن يحاسب؟
الشرق الأوسط يحترق، يتسرب، يتلوث. وصوت العلماء والمختصين يعلو محذراً، لكن السؤال الحقيقي: هل هناك من يصغي قبل فوات الأوان؟





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
إرادة لا تعرف المستحيل… الدكتور أحمد زكريا نموذجاً ملهما للعمل المجتمعي في...
«الميدان» ينعى وفاة شقيقة اللواء أحمد شاكر رئيس مدينة بلبيس
مائدة الخير” بالعطارين.. تجمع إنساني يعكس روح التكافل بحضور قيادات سياسية وتنفيذية
ليلة القدر : ماهو الدعاء المستجاب من رب العزه