عبدالعزيز محسن يكتب: ترامب وطهران والاتفاق المفقود
عبدالعزيز محسن
في السياسة الدولية، ليست كل الاتفاقات التي يُعلن عنها تولد فعلاً.
بعضها يموت قبل أن يغادر غرفة التفاوض.
هكذا بدا المشهد بين واشنطن وطهران في الأيام الأخيرة من مايو 2026.
تصريحات متفائلة صدرت من الجانب الأمريكي، وحديث عن اختراق وشيك في أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضاً
استشاري تغذية يُحذر: سموم غير مرئية في مقلاتك.. وزيوت التحمير ترفع معدلات الالتهاب في الجسم
فخ في معدتك.. استشاري تغذية يكشف عن مواد ضارة ينتجها الجسم عند تناول اللحوم بمفردها
الأحوال الشخصية 2026: قانون جديد أم نسخة من أزمة قديمة؟
محافظ الغربية: حملات مكثفة خلال إجازة عيد الأضحى تُحبط تهريب 12 ألفًا و700 رغيف بلدي مدعم وتضبط 35 شيكارة دقيق
نحن أبناء الحكايات الخفية: كيف نرث أنماط الحياة والتفكير والجروح
”Seven Dogs” .. عندما تتفوّق الضوضاء على الحكاية”الملايين تحت التراب والمواطن يبحث عن قطرة ماء!”.. محطة مياه جاهزة بالوادى الجديد تتحول إلى أطلال خرسانية.
فرحة العمر تصل إلى المنتزه.. النائب رمضان بطيئة يهدي 5 رحلات عمرة مجانية للأسر الأولى بالرعاية”أفدنة المزارعين تحترق.. والونش غائب!”.. من يتستر على تقصير مسؤولين بالوادي الجديد؟
روشتة ذهبية للدكتورة ميرفت السيد بعنوان ”نبض واحد… ورسائل توعية من الأطباء للمجتمع
حاول إنقاذه فمات معه..مصرع عاملين غرقًا داخل بئر صرف صحي بمركز بدر بالبحيرة
الفسخ المبكر للزواج.. أسئلة العدالة الغائبة
بدا وكأن سنوات من العقوبات والتهديدات والمواجهات العسكرية تقترب من لحظة تسوية تاريخية.
لكن ما حدث بعد ذلك كان مختلفاً تماماً.
فخلال أقل من أربعٍ وعشرين ساعة، تراجع الحديث عن الاتفاق، وعادت الشكوك لتخيم على المشهد.
لم يكن السبب مشادة دبلوماسية أو خلافاً على صياغة بيان مشترك.
الذي أسقط الصفقة كان شيئاً أكثر صلابة من الكلمات: الأرقام.
أرقام قالت إن البرنامج النووي الإيراني ما زال قائماً.
وأرقام كشفت أن الضربات العسكرية لم تحقق الأهداف التي رُوِّج لها.
وأرقام أخرى وضعت 12 مليار دولار على طاولة المفاوضات كشرط مسبق لا يمكن تجاهله.
عندما تُقرأ الأزمة من زاوية البيانات، تبدو الصورة مختلفة تماماً عن الروايات السياسية المتداولة.
فبينما كانت التصريحات تتحدث عن تقدم، كانت الوقائع تشير إلى فجوة آخذة في الاتساع بين ما تريده واشنطن وما تقبل به طهران.
والنتيجة كانت انهيار صفقة وُلدت ضعيفة قبل أن ترى النور.
440 كيلوجراماً من القلق
في عالم السياسة، قد يكون رقم واحد كافياً لتفسير أزمة كاملة.
هذا الرقم هو 440.9 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو المخزون الذي تقول تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن إيران تمتلكه اليوم.
من الناحية التقنية، لا يعني الرقم أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً.
لكنه يعني أن المسافة الفاصلة بين البرنامج المدني والقدرة العسكرية أصبحت أقصر مما كانت عليه في أي وقت مضى.
الأهم من ذلك أن المجتمع الدولي لا يعرف على وجه اليقين أين يوجد كامل هذا المخزون الآن.
فجزء منه يُعتقد أنه مخزن داخل منشآت محصنة تحت الأرض في أصفهان، بينما ما زالت عمليات التفتيش الدولية تعاني قيوداً كبيرة.
بعبارة أكثر وضوحاً: المشكلة لم تعد في كمية اليورانيوم فقط، بل في غياب الرؤية الكاملة لما يحدث خلف الأبواب المغلقة.
الحقيقة التي أحرجت الجميع
طوال أشهر، قيل إن الضربات العسكرية التي استهدفت المنشآت الإيرانية ألحقت أضراراً جسيمة بالبرنامج النووي.
لكن التقارير الاستخباراتية التي تسربت لاحقاً رسمت صورة مختلفة.
فوفقاً لتقديرات نقلتها مصادر مطلعة، فإن الجدول الزمني الذي تحتاجه إيران للوصول إلى قدرة نووية عسكرية لم يتغير بصورة جذرية بعد الحرب.
بمعنى أن ما تحقق على الأرض كان أقل بكثير مما قيل أمام الكاميرات.
وهنا ظهرت المعضلة الأمريكية الحقيقية.
كيف يمكن إقناع إيران بتقديم تنازلات استراتيجية كبيرة، بينما تشير التقديرات الاستخباراتية إلى أنها ما زالت تحتفظ بمعظم أوراق قوتها؟
12 مليار دولار... الثمن أم الاختبار؟
وسط الجدل النووي برز رقم آخر لا يقل أهمية: 12 مليار دولار.
بالنسبة لطهران، لم يكن هذا المبلغ مجرد أموال مجمدة، بل اختباراً للنوايا الأمريكية.
أما بالنسبة لواشنطن، فقد بدا أشبه بفدية سياسية تُدفع قبل الحصول على أي مقابل ملموس.
وهكذا تحولت الأموال إلى عقدة تفاوضية كشفت عمق أزمة الثقة بين الطرفين.
فالإيرانيون لا يريدون وعوداً جديدة.
والأمريكيون لا يريدون دفع ثمن اتفاق لم يولد بعد.
عندما يدفع العالم الفاتورة
لم تبقِ الأزمة آثارها داخل غرف التفاوض.
فمع تصاعد التوتر في منطقة الخليج ومضيق هرمز، ارتفعت أسعار الطاقة وازدادت المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية.
في هذه المرحلة لم يعد السؤال يتعلق فقط بإيران أو الولايات المتحدة.
السؤال أصبح: كم سيدفع الاقتصاد العالمي مقابل استمرار هذا الجمود؟
صفقة هزمها الواقع
قد يختلف السياسيون حول المسؤول عن فشل المفاوضات، وقد تتضارب الروايات حول من تراجع أولاً.
لكن الأرقام تروي قصة أكثر بساطة.
إيران ما زالت تملك برنامجاً نووياً متقدماً.
الولايات المتحدة ما زالت تطالب بضمانات أكبر.
الثقة بين الطرفين تكاد تكون معدومة.
والعالم ما زال يدفع ثمن المواجهة.
لهذا لم تسقط الصفقة بسبب بند قانوني أو خلاف بروتوكولي.
لقد سقطت لأن الوقائع على الأرض كانت أقوى من التفاؤل الذي سبقها.
وفي الشرق الأوسط، عندما تتغلب الوقائع على الدبلوماسية، لا تكون نهاية الأزمة هي ما يقترب... بل بدايتها.


