صابر سكر يكتب: هل دخول الشرطة إلى المحل يبيح تفتيش أدراجه وخزائنه؟
قد يدخل ضابط الشرطة إلى مقهى أو مطعم أو متجر مفتوح للجمهور لمراقبة تنفيذ القوانين واللوائح، ثم يلاحظ أمرًا يثير شكوكه، فيطلب فتح درج مغلق أو خزانة داخل المحل، ليعثر بداخلها على مواد مخدرة أو أشياء متحصلة من جريمة.
هنا يثور سؤال قانوني مهم: هل مشروعية دخول المحل تمنح الضابط الحق في تفتيش جميع محتوياته؟ وهل يجوز الاستناد إلى حق الرقابة الإدارية للبحث عن أدلة جريمة؟ وماذا لو كان الضابط يحمل إذنًا من النيابة العامة بتفتيش صاحب المحل دون النص صراحة على تفتيش متجره؟ موقع جريدة (الميدان) للتوعية
يجيب علي هذه ... التساؤلات من خلال ما تناولته محكمة النقض في أحكام مهمة، أرست من خلالها مبادئ تتعلق بحدود سلطة رجال الضبط، والتمييز بين التفتيش الإداري والتفتيش الجنائي، وضوابط الاستناد إلى حالة التلبس، ومدى امتداد إذن التفتيش إلى المحل التجاري.
وتكتسب هذه الأحكام أهمية خاصة للمواطنين وأصحاب المحال والمحامين، لأنها توضح أن مشروعية دخول المكان لا تعني بالضرورة مشروعية كل إجراء يُتخذ داخله، مع ضرورة قراءة الأحكام القديمة في ضوء التشريعات السارية.
أولًا: هل يجوز للشرطة دخول المحال العامة دون إذن؟
الأصل أن المحال المفتوحة للجمهور تخضع للرقابة التي يقررها القانون، ويجوز للجهات المختصة مباشرة أعمال التفتيش الإداري للتحقق من الالتزام بالاشتراطات القانونية المنظمة للنشاط.
فقد يدخل الموظف المختص أو مأمور الضبط القضائي، وفقًا للاختصاص المقرر له قانونًا، للتحقق من الترخيص أو شروط السلامة أو غير ذلك من المتطلبات المتعلقة بنشاط المحل.
لكن يجب التمييز بين أمرين:
الرقابة الإدارية: تستهدف التحقق من الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للنشاط.
التفتيش الجنائي: يستهدف البحث عن أدلة جريمة، ويستلزم توافر السند القانوني والشروط التي تجيزه.
فليس كل من يملك حق دخول المحل لمراقبة نشاطه يملك بالضرورة حق تفتيش الأشخاص أو فتح الخزائن والأدراج المغلقة بحثًا عن أدلة جرائم.
وقد تناولت محكمة النقض هذا المبدأ في الطعن رقم 3778 لسنة 57 قضائية، جلسة 7 فبراير 1989، المكتب الفني، السنة 40، الصفحة 193.
ويتمثل جوهر المسألة في أن سلطة دخول المحال العامة ترتبط بالغرض الذي قرره القانون، ولا يجوز التوسع فيها لتصبح وسيلة لإجراء تفتيش جنائي خارج الحدود القانونية.
والقاعدة الأساسية هنا أن حق دخول المكان لا يساوي حق تفتيش كل ما بداخله.
ثانيًا: ما الفرق بين التفتيش الإداري والتفتيش الجنائي؟
لفهم المسألة بصورة مبسطة، يجب معرفة طبيعة كل نوع من أنواع التفتيش.
1. التفتيش الإداري
هو إجراء يستهدف التحقق من التزام المحل بالاشتراطات التي يفرضها القانون على النشاط الذي يمارسه.
ومن أمثلته التحقق من الترخيص، أو شروط السلامة، أو فحص السجلات والمستندات التي يجيز القانون المختص الاطلاع عليها.
ويجب أن يتم هذا التفتيش في حدود اختصاص الجهة القائمة به، وبما يسمح به التشريع المنظم للرقابة.
2. التفتيش الجنائي
هو إجراء يستهدف البحث عن أدلة جريمة، وتخضع مشروعيته للشروط والضوابط التي يقررها القانون.
فإذا دخل الضابط محلًا لمراقبة تنفيذ الاشتراطات القانونية، فلا يعني ذلك أن له أن يتخذ من هذا الدخول وسيلة للبحث عن المخدرات أو المسروقات أو غيرها من الأدلة الجنائية دون توافر سند قانوني يجيز الإجراء.
ومع ذلك، قد يكشف التفتيش الإداري المشروع عن جريمة بصورة عرضية، وهنا يجب بحث ظروف اكتشافها، ومدى مشروعية الإجراء الذي أسفر عن ظهورها، وما إذا كانت الإجراءات الجنائية اللاحقة قد اتخذت وفقًا للقانون.
فالرقابة الإدارية ليست غطاءً لتفتيش جنائي غير مشروع، كما أن اكتشاف جريمة أثناء إجراء صحيح لا يجعل الإجراء الإداري باطلًا لمجرد ظهور الجريمة.
ثالثًا: هل يجوز فتح درج مغلق بحجة التفتيش الدوري؟
تظهر أهمية التفرقة السابقة عندما يدخل الضابط إلى مقهى أو متجر لمراقبة تنفيذ القوانين، ثم يلاحظ درجًا مغلقًا خلف مكتب صاحبه.
فهل يجوز له فتح الدرج لمجرد الشك في احتمال وجود مواد مخدرة أو أشياء ممنوعة بداخله؟
الإجابة تتوقف على السند القانوني الذي يستند إليه الإجراء، وطبيعة التفتيش الذي يباشره الضابط، وحدود الاختصاص المقرر له.
فإذا كان دخوله يستهدف التحقق من الترخيص أو الاشتراطات المتعلقة بالنشاط، فلا يتحول هذا الاختصاص تلقائيًا إلى سلطة عامة في فتح كل درج أو خزانة أو متعلقات خاصة داخل المحل.
كما يجب التمييز بين فحص السجلات والمستندات التي يسمح القانون المختص بالاطلاع عليها، وبين فتح أماكن مغلقة بحثًا عن أدلة جريمة أخرى.
فلكل إجراء نطاقه القانوني، ولا يجوز التوسع في تفسير الاختصاص الإداري بما يتجاوز الغرض الذي تقرر من أجله.
والعبرة ليست بمجرد الوصف الذي يطلقه الضابط على الإجراء في محضره، وإنما بحقيقته والهدف منه ومدى توافر سنده القانوني.
رابعًا: ماذا لو شاهد الضابط المخدر قبل التفتيش؟
تختلف المسألة إذا دخل الضابط المكان بصورة مشروعة، ثم شاهد بنفسه واقعة تكشف عن جريمة متلبس بها، أو أدرك مظاهر خارجية تدل عليها، وفقًا للشروط التي يحددها القانون.
ففي هذه الحالة، يجب بحث مدى توافر حالة التلبس، وما يترتب عليها من سلطات وإجراءات.
لكن هناك فارقًا جوهريًا بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يشاهد الضابط مظاهر الجريمة قبل اتخاذ إجراء التفتيش، بما قد تتوافر معه حالة التلبس وفقًا للقانون.
الحالة الثانية: ألا يشاهد الضابط شيئًا يكشف عن الجريمة، ثم يفتح خزانة أو درجًا مغلقًا دون سند قانوني، ويعثر بداخله على مخدر، ثم يستند إلى ما عثر عليه لتبرير التفتيش.
في الحالة الثانية، لا يجوز افتراض مشروعية الإجراء لمجرد أن نتيجته كشفت عن جريمة.
فإذا كان التفتيش يحتاج إلى سند قانوني مستقل، فلا يصح أن تُتخذ نتيجة التفتيش ذاته أساسًا لإضفاء المشروعية عليه بأثر رجعي.
مثال عملي
إذا دخل ضابط إلى متجر لمراقبة تنفيذ القوانين، وشاهد مادة محظورة ظاهرة أمامه، فإن مشروعية الإجراءات التالية تتوقف على طبيعة الواقعة ومدى توافر شروط حالة التلبس.
أما إذا لم يشاهد شيئًا، ثم فتح خزانة مغلقة بحثًا عن مخدر، فلا يكفي العثور على المخدر وحده للقول إن حالة التلبس كانت قائمة قبل فتح الخزانة.
فالعثور على دليل لا يغني عن التحقق من مشروعية الوسيلة التي تم الوصول إليه بها.
خامسًا: هل إذن النيابة بتفتيش صاحب المحل يشمل متجره؟
هذه مسألة أخرى تناولتها محكمة النقض في أحكام قديمة، تتعلق بمدى امتداد إذن التفتيش الصادر بشأن شخص المتهم إلى محل تجارته.
الحكم الأول
في الطعن رقم 899 لسنة 31 قضائية، جلسة 15 يناير 1962، المكتب الفني، السنة 13، الصفحة 38، تناولت محكمة النقض مسألة تفتيش محل التجارة في ضوء الإذن الصادر بتفتيش المتهم ومسكنه.
وقد رفضت المحكمة النظر الذي انتهى إلى بطلان تفتيش المتجر لمجرد أن الإذن لم يذكره صراحة، في ظروف الدعوى التي عرضت عليها.
الحكم الثاني
وفي الطعن رقم 1586 لسنة 39 قضائية، جلسة 24 نوفمبر 1969، المكتب الفني، السنة 20، الصفحة 1330، تناولت محكمة النقض أيضًا مسألة اتصال حرمة محل التجارة بشخص صاحبه أو بمسكنه، وأقرت مشروعية التفتيش في ظروف الدعوى المعروضة عليها.
لكن من الضروري عدم التعامل مع هذين الحكمين باعتبارهما قاعدة مطلقة تجيز تفتيش أي متجر لمجرد صدور إذن بتفتيش صاحبه.
فالحكمان صدرا في سياق تشريعي سابق، ويجب عند الاستناد إليهما فحص طبيعة المكان، ونطاق الإذن، وصلته بالمتهم، والضمانات الدستورية والقانونية الواجبة التطبيق.
كما يجب التمييز بين المحل المفتوح للجمهور، والمخزن المغلق، والمكتب الخاص، والمكان المتصل بالمسكن؛ إذ لا يلزم أن تكون لهذه الأماكن الطبيعة القانونية ذاتها في جميع الأحوال.
لذلك، لا بد من قراءة كل إذن تفتيش في ضوء عباراته ونطاقه والوقائع التي صدر بشأنها، دون التوسع في تفسيره بما يتجاوز سنده القانوني.
سادسًا: هل المحل التجاري يأخذ حكم المسكن؟
لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بصورة مطلقة، لأن المحال التجارية تختلف في طبيعتها وطريقة استخدامها.
فقد يكون المحل مفتوحًا للجمهور، ويضم في الوقت نفسه غرفة خاصة بصاحبه، أو مخزنًا مغلقًا، أو مكتبًا لا يسمح للرواد بدخوله.
وقد يكون المتجر متصلًا بمسكن صاحبه، أو مستقلًا عنه تمامًا.
وهذه الاختلافات قد تكون مؤثرة عند تحديد طبيعة المكان، ومدى اتصاله بالحياة الخاصة، والضمانات القانونية التي تحكم دخوله أو تفتيشه.
فالسماح للجمهور بدخول المقهى أو المتجر لا يعني أن جميع أجزائه أصبحت مباحة للتفتيش الجنائي دون قيود.
كما أن وجود خزانة أو مكتب داخل محل مفتوح للجمهور لا يعني بالضرورة أن محتوياتهما تخضع للقواعد ذاتها التي تحكم الأماكن المتاحة للجمهور.
ولهذا، فإن تحديد مشروعية التفتيش يتطلب النظر إلى طبيعة المكان الذي جرى تفتيشه، وليس الاكتفاء بالقول إن المحل التجاري مفتوح للجمهور.
سابعًا: هل يجوز استخدام التفتيش الإداري للبحث عن المخدرات؟
يجب التمييز بين حالتين أساسيتين.
الحالة الأولى: اكتشاف الجريمة بصورة عرضية
قد يكشف التفتيش الإداري المشروع عن واقعة تشكل جريمة، وهنا يجب فحص ظروف اكتشافها، ومدى مشروعية الإجراء، والسند القانوني للإجراءات التي اتخذت بعد ذلك.
الحالة الثانية: اتخاذ الرقابة الإدارية ذريعة للبحث عن جريمة
قد تكون لدى الضابط معلومات أو شكوك بشأن وجود مخدرات أو مسروقات داخل المحل، فيدخل تحت ستار الرقابة الإدارية، ثم يباشر تفتيشًا يستهدف البحث عن تلك الأشياء خارج حدود اختصاصه.
في هذه الحالة، يكون من المهم التحقق من الغرض الحقيقي للإجراء، وما إذا كان يستند إلى سلطة رقابية مقررة قانونًا، أم أنه يمثل في حقيقته تفتيشًا جنائيًا لا تتوافر شروطه.
فإذا كان القانون يخول جهة معينة سلطة دخول المحل وفحص مستندات محددة، فلا يعني ذلك منحها سلطة غير محدودة في البحث عن أدلة جرائم أخرى.
العبرة بحقيقة الإجراء وحدود الاختصاص القانوني، وليس بالاسم الذي يطلق عليه.
ثامنًا: ماذا قررت محكمة النقض بشأن بطلان التفتيش؟
تتضح أهمية الطعن رقم 3778 لسنة 57 قضائية، جلسة 7 فبراير 1989، في ما أثاره من مسائل تتعلق بمشروعية التفتيش وكفاية الأدلة التي تستند إليها أحكام الإدانة.
كانت الدعوى تتعلق باتهام بإخفاء أشياء متحصلة من جريمة سرقة، وتمسك الدفاع ببطلان إجراءات القبض والتفتيش.
وقد تناول الحكم مسألة توجه الضابط إلى محل المتهم لضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة، دون إذن بالتفتيش، ودون أن تستظهر الأوراق في الصورة التي عرضت على المحكمة حالة تلبس أو سندًا آخر كافيًا للإجراء.
كما تناول الحكم إغفال الرد على الدفع الجوهري ببطلان التفتيش، رغم التعويل على الدليل الناتج عنه في الإدانة.
وانتهت محكمة النقض إلى نقض الحكم، بعد أن تبين لها القصور المتعلق بهذا الدفع، فضلًا عن عدم كفاية التدليل على علم المتهم بأن الأشياء المضبوطة متحصلة من جريمة سرقة.
ويكشف هذا الحكم عن أهمية مسألتين في الدفاع الجنائي:
الأولى: التحقق من مشروعية الإجراءات التي أسفرت عن ضبط الدليل.
الثانية: التحقق من كفاية الأدلة لإثبات عناصر الجريمة المنسوبة إلى المتهم.
فمجرد العثور على أشياء داخل محل تجاري لا يعني، في حد ذاته، اكتمال أركان الجريمة في حق صاحبه.
إذ يجب أن يثبت الاتهام العناصر اللازمة للجريمة، ومنها العلم بحقيقة الأشياء المضبوطة متى كان هذا العلم ركنًا يتطلبه القانون.
كما أن الدفع ببطلان التفتيش، متى كان جوهريًا ومنتجًا في الدعوى، يتعين على المحكمة أن تتناوله بالرد إذا عولت على الدليل الناتج عن الإجراء المطعون عليه.
تاسعًا: تنبيه مهم.. قانون المحال العامة القديم أُلغي
عند الاستشهاد بحكم محكمة النقض الصادر سنة 1989، يجب الانتباه إلى أن الحكم أشار إلى المادة 41 من القانون رقم 371 لسنة 1956 بشأن المحال العامة.
لكن هذا القانون لم يعد التشريع الساري المنظم للمحال العامة.
فقد صدر القانون رقم 154 لسنة 2019 بإصدار قانون المحال العامة، ونصت مادة إصداره السادسة على إلغاء القانون رقم 371 لسنة 1956، إلى جانب تشريعات أخرى.
كما نظم القانون الحالي في المادة 28 منح بعض موظفي مراكز التراخيص صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة إلى المخالفات التي تقع بالمخالفة لأحكامه والقرارات المنفذة له، وأجاز لهم دخول المحال للتفتيش عليها في نطاق الاختصاص المقرر.
وجاءت المادة 24 من اللائحة التنفيذية الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 590 لسنة 2020 لتنظم التفتيش على المحال، بما يشمل الدخول إليها والاطلاع على الأوراق المتعلقة بالرقابة وفقًا لأحكامها.
ومن ثم، يجب التمييز بين أمرين:
المبدأ القانوني: ضرورة التزام الجهة القائمة بالرقابة بحدود اختصاصها وعدم اتخاذ التفتيش الإداري ستارًا لتفتيش جنائي غير مشروع.
النص التشريعي: القانون رقم 371 لسنة 1956 الذي استند إليه الحكم القديم، وقد أُلغي وحل محله التنظيم التشريعي اللاحق.
وبالتالي، لا يجوز الاستناد إلى المادة 41 من القانون القديم باعتبارها النص الساري حاليًا، بل يجب الرجوع إلى قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ولائحته التنفيذية، إلى جانب القواعد القانونية الأخرى ذات الصلة.
عاشرًا: أبرز الإشكاليات القانونية التي تثيرها هذه الأحكام
1. هل مجرد الشك يبيح تفتيش المحل؟
لا يكفي مجرد الاشتباه في أن صاحب المحل يخفي مخدرات أو مسروقات لإباحة التفتيش الجنائي.
بل يجب تحديد السند القانوني للإجراء، سواء كان إذنًا قضائيًا صحيحًا، أو حالة تلبس مستوفية لشروطها، أو سلطة قانونية أخرى تجيز الإجراء في حدود معينة.
2. ماذا لو كان المخدر داخل خزانة مغلقة؟
هنا يجب بحث مشروعية فتح الخزانة تحديدًا.
فقد يكون دخول المحل مشروعًا، لكن الإجراء الذي كشف عن المخدر قد يكون قد تجاوز حدود السلطة المخولة للضابط.
ولا يكفي أن يكون المحل مفتوحًا للجمهور لتصبح جميع الخزائن والأدراج الموجودة داخله مباحة للتفتيش الجنائي.
3. هل يجوز ضبط جريمة ظهرت أثناء التفتيش الإداري؟
قد يكون ذلك جائزًا وفقًا لظروف الواقعة والقواعد القانونية المنظمة للإجراء.
لكن يجب التحقق من أن التفتيش الإداري كان مشروعًا في ذاته، وأن اكتشاف الجريمة لم يكن نتيجة تجاوز غير مشروع لاختصاص القائم بالرقابة.
4. هل إذن تفتيش صاحب المحل يبيح تفتيش جميع متعلقاته التجارية؟
لا يصح إعطاء إجابة عامة تنطبق على جميع الحالات.
بل يجب فحص مضمون الإذن، والأماكن التي يشملها، وطبيعة المحل، وصلته بالمتهم، والضمانات القانونية الواجبة التطبيق.
وتظل الأحكام القديمة التي تناولت امتداد التفتيش إلى محل التجارة مرتبطة بوقائعها وسياقها القانوني، ولا يجوز تحويلها إلى إذن عام بتفتيش المتاجر دون قيود.
5. هل بطلان التفتيش يؤدي حتمًا إلى البراءة؟
ليس بالضرورة.
فبطلان التفتيش قد يؤدي إلى استبعاد الدليل الناتج عنه، لكن يتعين بعد ذلك فحص بقية أدلة الدعوى.
فإذا كانت هناك أدلة أخرى صحيحة ومستقلة تكفي لإثبات الاتهام، فقد تظل قائمة رغم استبعاد الدليل الباطل.
أما إذا كان الدليل الناتج عن التفتيش هو الأساس الذي تقوم عليه الإدانة، ولم توجد أدلة أخرى كافية، فقد يؤدي استبعاده إلى عدم كفاية الأدلة لإثبات الجريمة.
ولهذا، يجب التمييز بين بطلان الإجراء، وحجية الدليل الناتج عنه، وكفاية الأدلة المتبقية لإثبات الاتهام.
كيف يناقش المحامي مشروعية تفتيش المحل أمام المحكمة؟
عند نظر قضية تستند فيها النيابة العامة إلى مضبوطات عُثر عليها داخل محل تجاري، ينبغي للمحامي فحص ظروف دخول الضابط إلى المكان، وطبيعة الإجراء الذي اتخذه، والسند القانوني الذي استند إليه.
ومن أهم الأسئلة التي تساعد على تحديد موضع المنازعة:
هل كان المحل مفتوحًا للجمهور وقت دخول الضابط؟
هل كان الغرض من الدخول هو الرقابة الإدارية؟
هل كان الضابط مختصًا قانونًا بإجراء هذه الرقابة؟
هل اقتصر الإجراء على الحدود التي يجيزها القانون؟
هل صدر إذن قضائي بالتفتيش؟ وما الأماكن والأشياء التي شملها؟
هل شاهد الضابط مظاهر الجريمة قبل التفتيش أم اكتشفها بعد فتح مكان مغلق؟
هل كانت المضبوطات ظاهرة أم لم تظهر إلا نتيجة إجراء إضافي؟
هل توافرت حالة التلبس وفقًا للقانون قبل اتخاذ الإجراء الذي يراد تبريره بها؟
هل كان المكان الذي ضُبطت فيه الأشياء في حيازة المتهم وحده أم يشترك معه فيه آخرون؟
هل ثبت علم المتهم بحقيقة المضبوطات متى كان العلم عنصرًا لازمًا للجريمة؟
هل أثار الدفاع الدفع ببطلان التفتيش على نحو واضح؟
هل رد الحكم على هذا الدفع ردًا كافيًا وسائغًا؟
وقد يكمن موضع المنازعة في طريقة دخول المكان، أو في فتح خزانة مغلقة، أو في تجاوز حدود الإذن، أو في عدم توافر شروط حالة التلبس.
وقد لا يكون التفتيش باطلًا، لكن تظل هناك منازعة بشأن نسبة المضبوطات إلى المتهم أو ثبوت علمه بحقيقتها.
ومن هنا تأتي أهمية فحص كل إجراء على حدة، وعدم الاكتفاء بمجرد وجود المضبوطات داخل المحل.
الخلاصة القانونية
تكشف أحكام محكمة النقض المشار إليها عن أهمية التمييز بين حق دخول المحال العامة لمراقبة تنفيذ القوانين واللوائح، وبين سلطة التفتيش الجنائي بحثًا عن أدلة الجرائم.
ويمكن تلخيص أهم المبادئ في النقاط التالية:
دخول المحل المفتوح للجمهور لا يعني إباحة تفتيش جميع محتوياته دون سند قانوني.
التفتيش الإداري مقيد بالغرض والاختصاص والحدود التي يقررها القانون المنظم له.
قد تترتب إجراءات جنائية على اكتشاف جريمة أثناء إجراء إداري مشروع، وفقًا لشروط القانون.
لا يجوز الاستناد إلى نتيجة تفتيش غير مشروع لإضفاء المشروعية عليه بأثر رجعي.
يجب فحص نطاق إذن التفتيش وطبيعة المكان قبل تحديد مدى امتداده إلى محل التجارة.
لا يجوز التعامل مع الأحكام القديمة باعتبارها ترخيصًا مطلقًا بتفتيش المتاجر، دون مراعاة التشريعات والضمانات القانونية اللاحقة.
قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019 ألغى القانون رقم 371 لسنة 1956، الذي وردت الإشارة إليه في حكم النقض الصادر سنة 1989.
الدفع الجوهري ببطلان التفتيش يستلزم ردًا من المحكمة متى عولت على الدليل الناتج عنه.
العثور على المضبوطات لا يكفي وحده لإثبات جميع أركان الجريمة في حق المتهم.
كلمة أخيرة.. هل يجوز فتح درج مغلق لمجرد الاشتباه؟
إن الفارق بين دخول المحل بصورة مشروعة وتفتيشه بحثًا عن أدلة جريمة ليس مجرد تفصيل إجرائي، بل مسألة تتصل بحدود السلطة التي يمنحها القانون لرجال الضبط، وبالضمانات المقررة لحماية الحقوق والحريات.
فقد يمنح القانون الضابط حق دخول مكان لمراقبة نشاطه، لكنه لا يمنحه بالضرورة سلطة تفتيش كل ما يحتويه.
وقد يكشف إجراء إداري مشروع عن جريمة، لكن ذلك يختلف عن اتخاذ الرقابة الإدارية وسيلة للبحث عن أدلة جنائية خارج حدود الاختصاص.
ولهذا، فإن تقييم مشروعية التفتيش يجب أن يبدأ من السؤال عن السند القانوني الذي أجاز الإجراء، لا من النتيجة التي أسفر عنها.
والسؤال الذي يستحق المناقشة: إذا دخل ضابط الشرطة إلى مقهى لمراقبة تنفيذ القوانين واللوائح، ثم فتح درجًا مغلقًا خلف مكتب صاحبهه وعثر بداخله على مواد مخدرة، فهل يكفي العثور عليها للقول بتوافر حالة التلبس، أم يجب أولًا بحث مشروعية فتح الدرج والسلطة القانونية التي استند إليها الضابط؟
فالإجراء يستمد مشروعيته من القانون الذي يجيزه، وليس من النتيجة التي ينتهي إليها.





















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
القبض علي الدجال المعالج عبدالرحمن ترك بالإسكندرية اتهامه بالترويج للدجل عبر...
حنفية الصدقة بشوارع الإسكندرية القديمة عمرها أكثر من 100 عام
«الميدان» تهنيء ” محمد و رنا” بمناسبة ”عقد القران”
النائب كمال وسيم يشارك ال عكيرش أفراحهم بالتهنئة