السبت 9 مايو 2026 05:38 صـ 22 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

    آراء وكتاب

    د.شروق شعبان

    لماذا يشتاق العبيد إلى أغلالهم؟

    في لحظة فارقة من التاريخ المعاصر، نقف جميعاً أمام مشهد يبعث على الحيرة والذهول: شباب متعلم يتركون حياة الرخاء لينضموا إلى جماعات متطرفة، ومثقفون يتبنون أطروحات تناقض مبادئ العقل والمنطق، وأفراد عاديون يتحولون بين ليلة وضحاها إلى أدوات طيعة في أيدي منظومات فكرية مغلقة.

    والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: كيف يحدث هذا التحول الجذري؟ ما الآلية الخفية التي تعيد تشكيل الإنسان العادي حتى يصبح تابعاً مذعناً، بل ومدافعاً شرساً عن القيود ذاتها التي كُبّل بها؟

    تكمن الإجابة في فهم عميق لتلك الهندسة النفسية المعقدة التي تمتلكها الجماعات المتطرفة والأجندات السياسية الخفية.
    هذه الهندسة، في جوهرها، لا تختلف بتاتاً عن تلك التقنيات الخاصة بغسل الدماغ التي حللها الطبيب النفسي جوست ميرلو في منتصف القرن الماضي، غير أنها تطورت اليوم لتصبح أكثر دهاءً وأشد فتكاً بالعقل النقدي، وأكثر قدرة على التخفي خلف أقنعة الحرية والوعي الزائف.

    ولفهم كيف تنجح هذه الآلية، علينا أولاً أن ندرك حقيقة نفسية جوهرية… وهي أن الجماعات المتطرفة تدرك، بحدس مرعب، أن الإنسان في أعماقه كائن هش يبحث عن اليقين في عالم يموج بالغموض والفوضى.
    وهذه الهشاشة ليست عيباً أخلاقياً ولا قصوراً عقلياً، بل خاصية إنسانية أصيلة تتضخم في لحظات الأزمات والتحولات الكبرى للإنسان الطبيعي.
    ومن ثمّ تعمل هذه الجماعات، ببراعة الصياد المحترف، على اصطياد الأفراد في لحظات ضعفهم الوجودي تحديداً…
    المهاجر الذي يعاني الاغتراب وضياع الهوية، الشاب الذي يفشل في العثور على معنى لحياته وسط فراغ روحي خانق، المثقف الذي تصيبه خيبة الأمل من وعود الحداثة الزائفة.

    وعليه تبدأ الآلية بأكملها من تحديد ما يمكن تسميته "أزمة المعنى" لدى الفرد المستهدف، تلك اللحظة الحرجة التي يغرق فيها الإنسان في بحر الأسئلة الوجودية بلا إجابات. وفي هذه اللحظة بالذات، يأتي من يلقيه بطوق نجاة مزيف لكنه فوري ومريح ومغلف بغلاف الحقيقة المطلقة. وهكذا تبدأ عملية الاستقطاب باختراق جدار القلق الوجودي، ثم إغراق الضحية بـ"حقيقة" كاملة لا تقبل الشك ولا تحتمل المراجعة، لتنتقل بعد ذلك إلى مرحلة أكثر عمقاً وخطورة: عملية ممنهجة يمكن تسميتها بـ"تفريغ العقل".

    وتستهدف هذه المرحلة الأولى تصفية المحتوى الفكري السابق لدى الفرد عبر ثلاث آليات متزامنة تعمل بتناغم محسوب.

    الآلية الأولى هي "هدم المرجعيات": حيث تعمل الجماعة، بصبر ومنهجية، على إقناع الفرد بأن كل ما تعلمه سابقاً، سواء من أسرته أو مدرسته أو مجتمعه، هو مجرد نتاج "مؤامرة كبرى" تهدف إلى إخفاء الحقيقة عنه. بهذه الطريقة، يصبح الفرد في حالة فراغ معرفي كامل، أشبه بأرض محروقة، مما يجعله متعطشاً بشدة لأي محتوى بديل يملأ هذا الفراغ الموحش.

    بالتوازي مع هدم المرجعيات، تنشط الآلية الثانية: "خلق عدو وهمي مطلق"، إذ لا يمكن للجماعة أن تتماسك دون عدو خارجي واضح. هذا العدو قد يكون "الغرب الكافر" أو "النظام الفاسد" أو "المؤامرة العالمية". يخدم هذا العدو وظيفة نفسية أساسية هي إسقاط كل المشاعر السلبية والقلق الوجودي على كيان خارجي، مما يعفي الفرد من عناء مواجهة تعقيدات الحياة وأسئلتها المربكة. العدو إذن ليس مجرد خصم سياسي عابر، بل هو المبرر الوجودي للجماعة بأكملها، وهو الغراء الذي يلصق الأفراد ببعضهم في كتلة متماسكة من الكراهية المشتركة.

    وعلى أنقاض المرجعيات المهدمة، وفي ظل وجود عدو واضح، تأتي الآلية الثالثة: "إغراء اليقين المطلق". في عالم تسوده النسبية والشك، يأتي الخطاب المتطرف ليقدم أجوبة قاطعة لا تحتمل التأويل. هذا اليقين يتناسب طردياً مع حجم القلق الوجودي، فكلما زاد القلق، زاد التعطش لليقين. تستغل الجماعات هذه المعادلة النفسية بمهارة فائقة، فتقدم نفسها باعتبارها الحامل الوحيد للحقيقة المطلقة، والبوابة الوحيدة للخلاص، والملاذ الآمن في عالم مأزوم.

    وبعد نجاح عملية التفريغ بآلياتها الثلاث، يصبح العقل جاهزاً للمرحلة الثانية والأخطر: "إعادة البرمجة"… أو ما يمكن تسميته بالهندسة العكسية للوعي.
    في هذه المرحلة، لا يُطلب من الفرد مجرد تبني أفكار جديدة، بل يُعاد تشكيل جهازه الإدراكي بالكامل ليصبح غير قادر على رؤية العالم إلا من خلال المنظور الأحادي الذي توفره الجماعة. هذه العملية تشبه تثبيت نظام تشغيل جديد على جهاز كمبيوتر بعد مسح النظام القديم بشكل كامل.

    تبدأ هذه المرحلة بعزل الفرد عن أي مصادر معرفية خارج سيطرة الجماعة. في الماضي، كان هذا العزل يتم عبر النقل الجغرافي إلى معسكرات تدريب أو خلايا مغلقة. أما اليوم، فيمكن تحقيقه بسهولة عبر "فقاعات" إلكترونية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تصمم خوارزميات المنصات نفسها لتغذية الفرد بمحتوى متطرف بشكل متدرج ومدروس، دون أن يشعر بأنه يخضع لعملية غسل دماغ منهجية.

    ضمن هذه الفقاعات، تستخدم الجماعات تقنية "اللقمة المعرفية": جرعات صغيرة ومتتابعة من الأفكار المتطرفة، تقدم بشكل يبدو منطقياً في بدايته.

    ويبدأ الأمر بفكرة بسيطة مثل "الفساد منتشر"، ثم ينتقل إلى "النظام بأكمله فاسد"، ثم إلى "كل من يدعم النظام متواطئ"، وأخيراً إلى "التدمير الشامل هو الحل الوحيد".
    لو قُدمت الفكرة الأخيرة مباشرة، لرفضها العقل السليم، لكنها حين تأتي بعد سلسلة متدرجة من المقدمات "المنطقية"، تصبح هي النتيجة الوحيدة الممكنة.

    وهنا نصل إلى أحد أخطر آليات هذه المرحلة: "تسليع الموت". حيث تقوم الجماعات المتطرفة بإعادة تعريف الموت بشكل جذري، ليس باعتباره نهاية مأساوية، بل باعتباره "صفقة رابحة" أو "شهادة" تضمن الخلود والجنة.
    هذا التحويل الدلالي العميق يجرد الموت من رهبته الطبيعية، ويحوله إلى سلعة مغرية لأولئك الذين فقدوا الأمل في الحياة.
    وهنا تتجلى عبقرية الشر: الجماعات تستثمر في اليأس البشري وتحوله إلى وقود رخيص لمشاريعها التدميرية، وتحول الضحية نفسها إلى أداة طوعية تبحث عن موتها ظناً منها أنها تبحث عن حياة.

    شروق شعبان. العبيد. اغلال. فلسفة

    استطلاع الرأي

    أسعار العملات

    العملة شراء بيع
    دولار أمريكى 49.3414 49.4414
    يورو 53.7723 53.8961
    جنيه إسترلينى 62.9153 63.0675
    فرنك سويسرى 56.0507 56.1898
    100 ين يابانى 33.3726 33.4470
    ريال سعودى 13.1553 13.1826
    دينار كويتى 160.5278 160.9055
    درهم اماراتى 13.4325 13.4633
    اليوان الصينى 6.8549 6.8693

    أسعار الذهب

    متوسط سعر الذهب اليوم بالصاغة بالجنيه المصري
    الوحدة والعيار الأسعار بالجنيه المصري
    عيار 24 بيع 3,629 شراء 3,686
    عيار 22 بيع 3,326 شراء 3,379
    عيار 21 بيع 3,175 شراء 3,225
    عيار 18 بيع 2,721 شراء 2,764
    الاونصة بيع 112,849 شراء 114,626
    الجنيه الذهب بيع 25,400 شراء 25,800
    الكيلو بيع 3,628,571 شراء 3,685,714
    سعر الذهب بمحلات الصاغة تختلف بين منطقة وأخرى
    مصر 24 أول خبر المطور بوابة المواطن المصري حوادث اليوم التعمير مصري بوست

    مواقيت الصلاة

    السبت 05:38 صـ
    22 ذو القعدة 1447 هـ 09 مايو 2026 م
    مصر
    الفجر 03:29
    الشروق 05:06
    الظهر 11:51
    العصر 15:28
    المغرب 18:37
    العشاء 20:03