مظهر أبو عايد يكتب: من فنزويلا إلى غرينلاند.. الترامبية الأمريكية وأكذوبة القانون الدولي ومنظمات الحماية العالمية وحقوق الإنسان
على مدى عقود، شكلت سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مسرحًا للكوارث والمظالم، حيث تراوحت بين التدخلات العسكرية المباشرة، وفرض العقوبات الاقتصادية التي أودت بحياة الملايين، ودعم أنظمة سلطوية لخدمة مصالحها الاستراتيجية. وكانت فلسطين وقطاع غزة أبرز مثال على هذا النهج، حيث قدمت واشنطن دعمًا سياسيًا وعسكريًا مستمرًا لإسرائيل، ما أتاح لها شن حروب متكررة على المدنيين العزل، وتدمير البنية التحتية، وفرض حصار خانق أدى إلى أزمة إنسانية حادة مستمرة منذ عقود. من غزو العراق عام 2003 وما تبعه من فوضى دموية، إلى التدخلات في سوريا واليمن ولبنان وإيران، لم تتوان الولايات المتحدة عن استغلال الأزمات لتحقيق نفوذها الإقليمي، متجاهلة سيادة الشعوب وحقوق الإنسان، ما جعل المنطقة غارقة في صراعات ونزوح وكوارث إنسانية مستمرة.
وما إن اطمأنت الهيمنة الأمريكية فى الشرق الأوسط لنفاذ سياسات الخراب التي زرعتها فى الاقليم العربي حتى صحا العالم في بداية عام 2026 ليشهد العالم تطوراً غير مسبوق في سياسات الولايات المتحدة تجاه أمريكا اللاتينية خصوصاً فنزويلا، ما يؤشر إلى تحول عميق في نهج واشنطن نحو الخارج قائم على قوة عسكرية مباشرة واستغلال اقتصادي واسع النطاق يتجاوز كل الأعراف الدولية، ويطرح سلسلة من الأسئلة حول القانون الدولي وسيادة الدول الأصغر. ففي الثلاثين من ديسمبر 2025 وبداية يناير 2026، شنت الولايات المتحدة عملية عسكرية كبيرة - متشحة بالخيانة والعمالة - في كاراكاس أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى الأراضي الأمريكية لمواجهة تهم تتعلق بالاتجار بالمخدرات، بينما تطالب إدارة ترامب باستخدام العملية كغطاء لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في نصف الكرة الغربي.
القوة العسكرية لم تقتصر على عملية الاعتقال وحدها، بل ترافقت مع حصار بحري وتقييد حركة ناقلات نفط فنزويلية في الكاريبي، الأمر الذي أدى فعلياً إلى سيطرة واشنطن على نحو 50 مليون برميل من النفط الفنزويلي العالق في موانئ ومرافق تخزين خارج سيطرة حكومة كاراكاس، في خطوة عسكرية اقتصادية مؤثرة داخل سوق النفط العالمي.
هذه الخطوات شكلت تحولاً في الممارسة الأمريكية؛ إذ أعلن ترامب حالة طوارئ وطنية لحماية عائدات النفط الفنزويلي المحتجزة في حسابات وزارة الخزانة الأمريكية من أي إجراءات قضائية أو مطالبة من دائنين، معتبرًا ذلك «أمراً حاسماً للأمن القومي الأمريكي». تبرير كهذا يضع النفوذ الأمريكي فوق القانون الداخلي والدولي على حد سواء، ويعطي إشارات إلى أن واشنطن ترى في موارد فنزويلا جزءًا من أدواتها في الصراع الجيوسياسي مع قوى مثل روسيا والصين.
في الجانب السياسي، حرصت إدارة ترامب على إبراز الهدف المعلن بأنه «استعادة الاستقرار والديمقراطية» في فنزويلا، لكن المراقبين يرون في التحرك الأمريكي مشروعًا للتوسع النفوذ الاقتصادي والسياسي عبر استغلال أكبر احتياطي نفطي مثبت في العالم، والذي تقدر احتياطياته بنحو 300 مليار برميل — أكبر من السعودية بنسبة تقارب 20% — ما يمنح واشنطن إمكانية إعادة تشكيل سوق الطاقة العالمي لصالحها في مواجهة خصومها الاستراتيجيين.
أحد أكثر الأبعاد وضوحًا في هذا التوسع هو قضية النفط: فقد أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستُقرر أي الشركات الأجنبية يُسمح لها بالعمل داخل فنزويلا، ودعا كبار رؤساء الشركات الأمريكية إلى استثمار ما لا يقل عن 100 مليار دولار في قطاع النفط هناك بعد الإطاحة بمادورو، مؤكدًا أن شركات مثل Chevron وExxonMobil ستلعب دورًا محوريًا في إعادة بناء البنية التحتية النفطية المتدهورة. في الوقت نفسه، وصف بعض الرؤساء التنفيذيين الوضع في فنزويلا بـ«غير القابل للاستثمار» في ظل الإطار القانوني الحالي، ما يشير إلى تعقيدات هيكلية تواجه الطموحات الأمريكية.
السياسة الأمريكية في فنزويلا لم تكن مجرد تدخل عابر؛ لقد غدت نقطة انطلاق لإعادة فرض الهيمنة على أمريكا الجنوبية. إعلان ترامب بأنه «سيطرة الولايات المتحدة على فنزويلا» وأنه «سيقرر بيده كيفية استغلال النفط والعائدات»، يضع واشنطن بشكل مباشر في موقع الحاكم الفعلي لثروات وسياسات بلد سيادي يمتلك سكانه شرعية دولية.
هذه السياسات لم تمر دون ردود فعل دولية ديكورية ، في جلسات الأمم المتحدة، انتقدت دول حليفة وأخرى معارضة على حد سواء التدخل الأمريكي في فنزويلا، معتبرة أن استخدام القوة واحتجاز الموارد دون موافقة واضحة يشكل انتهاكًا صريحًا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يحظر التدخل العسكري في شؤون الدول الأخرى إلا في حالات محدودة للغاية.
في السياق الأوسع للسياسات الخارجية الترامبية، لم تقتصر التصريحات على فنزويلا فقط، بل تجاوزتها إلى تهديدات ضد كوبا، حيث حذّر ترامب من قطع الدعم النفطي والمالي إذا لم تتفاوض مع واشنطن، ما يعكس محاولة ممارسة ضغوط سياسية واقتصادية مباشرة على دول أخرى في المنطقة لضمان بقائها ضمن نطاق التأثير الأمريكي.
ومن جهة أخرى، برزت تصريحات متكررة عن رغبة ترامب في ضم أو السيطرة على غرينلاند، وهي جزيرة تابعة للدنمارك ذات قيمة استراتيجية هائلة في القطب الشمالي، مستجيبًا لما يرى تهديدًا من النفوذ الصيني والروسي في المنطقة، ومثيرًا جدلاً دوليًا واسعًا بشأن السيادة على الأراضي والشعوب.
السياسة الخارجية الأمريكية في هذه المرحلة تُظهر مزجاً بين القوة العسكرية والسيطرة الاقتصادية متخذة من الأمن القومي ذريعة، وتحديًا مستمراً للقانون الدولي والأعراف متعددة الأطراف. فالاستراتيجية التوسعية لا ترتكز فقط على مسرح العمليات التقليدية بل تمد أذرعها بقوة في حبال الاقتصاد والطاقة، معتبرة أن القوة العسكرية والسياسية في خدمة المصالح الوطنية تُبرر تجاوز السيادة الوطنية للدول الصغيرة والمتوسطة. في هذا المناخ، تتراجع مكانة المؤسسات الدولية التي تدعو إلى احترام القانون الدولي، وتتصاعد أهمية الثنائيات في العلاقات الدولية حيث تفرض القوى الكبرى خياراتها بلا مساءلة فعلية من قبل منظمات الحماية العالمية.




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
محمد يوسف وأسرة تحرير جريدة الميدان ينعون والدة الكاتب الصحفي ياسر السجّان
الميدان تشاطر الأحزان وتنعى عائلة أبوزهو في وفاة المغفور لها زوجه الحاج...
مأدبة غداء بحضور جورج قرداحى و رئيس اليمن الاسبق على ضفاف النيل