خالد مصطفى يكتب: بعد بلطجة ترامب فى فنزويلا لا مجال أبداً عن مايسمى باكذوبة حقوق الإنسان
ما حدث ويحدث في فنزويلا لا يمكن فهمه خارج منطق القوة في النظام الدولي الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس كذباً كاملاً لكنه في الغالب لغة تبريرية تُستخدم عندما تتقاطع الأزمات الداخلية مع مصالح القوى الكبرى ان ما جرى في فنزويلا ليس حدثاً معزولاً ولا خطأً عابراً في السياسة الدولية بل هو نموذجاً مكتملاً لكيف تعمل الإمبراطورية الحديثة لا بالدبابات أولاً بل بالعقوبات وبإدارة الاختناق البطيء فنزويلا ليست دولة عادية بل هي دولة تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم لكنها في الوقت نفسه دولة ضعيفة اقتصادياً معتمدة على مورد واحد ومحكومة بنخبة سياسية أخطأت كثيراً في الإدارة وفتحت الباب للتدخل الخارجي دون أن تشعر هنا تلتقي الأخطاء الداخلية مع شهية الخارج أما بالنسبة الولايات المتحدة تاريخياً
لا تتسامح مع وجود دولة غنية بالموارد خارج نطاق نفوذها خصوصًا في ما تعتبره حديقتها الخلفية ومنذ مبدأ مونرو كانت أمريكا اللاتينية مجالاً حيوياً تُستخدم فيه كل الأدوات منها الانقلابات العقوبات الحصار الاقتصادي أو دعم معارضات بعينها ان ما حدث في فنزويلا يعتبر امتداد منطقي لهذا التاريخ لا استثناء منه فهل الهدف من العملية فقط النفط فالنفط ليس وحده لكنه العنصر الأثقل وزناً النفط يعني طاقة والطاقة تعني اقتصاداً والاقتصاد يعني قدرة على خوض الصراعات القادمة ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية وبحر الصين لتصبح السيطرة على مصادر الطاقة أو تحييدها جزءاً من إدارة الصراع العالمي قبل أن ينفجر فالعقوبات على فنزويلا لم تُسقط النظام لكنها سحقت المجتمع جوع هجرة جماعية انهيار خدمات هذا ليس فشلاً في السياسة بل في كثير من الأحيان نتيجة مقصودة إنهاك الدولة من الداخل حتى تصبح قابلة لإعادة التشكيل وفي المقابل لا يمكن إعفاء السلطة الفنزويلية من المسؤولية الخطاب الثوري وحده
لا يبني اقتصاداً ومعاداة أمريكا لا تكفي لصناعة دولة قوية حين تفشل الدولة في إدارة مواردها يصبح النفط نقمة ويصبح التدخل الخارجي أسهل وأرخص وأكثر شرعية في أعين العالم فالولايات المتحدة
لا تحتاج إلى احتلال فنزويلا عسكرياً ولا إلى رفع علمها فوق آبار النفط بل ما تريده أخطر وأعمق أن يبقى النفط خارج يد دولة مستقلة القرار وأن يظل مورد الطاقة خاضعاً لمنطق السوق الذي تتحكم في مفاصله فالسيطرة اليوم ليست امتلاكاً مباشراً بل منع الآخرين من الامتلاك الحر أما فنزويلا ارتكبت الخطيئة الكبرى في منطق النظام العالمي حيث امتلكت ثروة هائلة وقررت أن تتصرف بها خارج التعليمات أى منذ لحظة تحديها للنظام المالي العالمي وربط النفط بالسيادة السياسية أصبحت هدفاً مشروعاً
لا لأن نظامها مثالي أو عادل بل لأن الاستقلال في عالم غير مستقل جريمة هنا تبدأ العقوبة فالعقوبات لم تكن وسيلة ضغط لإصلاح بل أداة تفكيك لتدمير العملة وخنق الاستيراد وتجفيف التكنولوجيا ودفع الكفاءات للهجرة ثم الوقوف أمام الخراب والقول انظروا هذا فشل الاشتراكية فهذا ليس فشلاً عفوياً بل يعتبر تصميم بارد لكن الحقيقة الأقسى هى ان الإمبراطورية لا تنجح وحدها بل تحتاج دوماً إلى نظام داخلي ضعيف أو فاسد أو متوهم والسلطة الفنزويلية بخطابها الثوري أكثر من قدرتها الإدارية قدمت الخدمة كاملة حين يتحول النفط من أداة بناء إلى أداة شعبوية يصبح سلاحاً ضد صاحبه ومن الواضح ان العالم اليوم لا يتحرك نحو حرب كبرى واحدة بل نحو سلسلة انفجارات مترابطة والشرق الأوسط هو القلب لكن الشرايين تمتد إلى أمريكا اللاتينية وفيها النفط وإفريقيا وفيها المعادن وأوكرانيا وفيها القمح والطاقة وآسيا وفيها الصناعة والتكنولوجيا وبخصوص التحضير للحرب الكبرى لا يعني إعلانها بل إعادة ترتيب الموارد قبلها فمن يملك الطاقة يملك القرار ومن لا يملكها يُدار وفنزويلا في هذا السياق ليست هدفاً نهائياً بل رسالة لأن أي دولة تملك مورداً استراتيجياً وتحاول الخروج عن الطوق ستُخنق حتى تعود أو تنهار ولهذا ما يحدث ليس بلطجة بالمعنى العاطفي فقط بل بلطجة مقننة مغطاة بالقانون الدولي ومُوقّعة بخطاب أخلاقي أنيق إنها القوة حين تتحدث بلغة ناعمة لكنها لا ترحم أما الربط بالحرب الكبرى في الشرق الأوسط فهو ليس خيالاً محضاً فنحن نعيش حاليا فى وسط مرحلة تفكك النظام الدولي القديم حيث لا توجد حرب عالمية مباشرة لكن توجد استعدادات لها فالخطر الحقيقي ليس على فنزويلا وحدها بل على كل دولة تعتقد أن امتلاك الثروة يكفي إنما الدرس القاسي هو الثروة دون مؤسسات تساوى لعنة والسيادة دون قوة شاملة تساوى وهم والخطاب دون إدارة يساوى انتحار مؤجل فنحن
لا نعيش نهاية عالم بل نهاية قواعد ومن لا يقرأ التحولات سيُقرأ اسمه
في تقارير العقوبات




















العدد الجديد من جريدة الميدان «1027»
العدد الجديد من جريدة الميدان «1022»
غدًا العدد الجديد من «جريدة الميدان» في الأسواق
العدد الجديد من جريدة الميدان «983»
محمد يوسف وأسرة تحرير جريدة الميدان ينعون والدة الكاتب الصحفي ياسر السجّان
الميدان تشاطر الأحزان وتنعى عائلة أبوزهو في وفاة المغفور لها زوجه الحاج...
مأدبة غداء بحضور جورج قرداحى و رئيس اليمن الاسبق على ضفاف النيل