الخميس 14 مايو 2026 01:01 صـ 26 ذو القعدة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

هل يحمي مشروع الأحوال الشخصية الإرادة… أم يُبقيها تحت الظل؟

في فلسفة القانون، لا يقوم أي عقد صحيح إلا على إرادة حرة واعية خالية من التدليس والخداع.

ولهذا اعتبر الفقه والقضاء أن الغش ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل عيب قانوني يضرب الرضا ذاته، لأن المتعاقد لو علم الحقيقة كاملة لما أبرم العقد أصلًا أو لوافق بشروط مختلفة.

القانون المدني المصري حسم هذه القاعدة بوضوح حين اعتبر التدليس سببًا لإبطال العقد متى كان من الجسامة بحيث لولاه ما تم التعاقد.

فالقاعدة القانونية المستقرة تقول:

اقرأ أيضاً

“الغش يفسد الرضا، والرضا هو أساس العقد.”

ومن هنا يثور التساؤل المنطقي والدستوري:

كيف يمكن الاعتراف بوجود “غش” داخل عقد الزواج، ثم إنكار أثره القانوني على صحة العقد نفسه؟

إذا ثبت أن أحد طرفي العلاقة أخفى عمدًا حقيقة جوهرية مؤثرة في إرادة الطرف الآخر، فإن الإرادة هنا تصبح معيبة، لأن الرضا لم يكن قائمًا على العلم الكامل بالحقيقة.

وفي هذه الحالة لا نكون أمام “خلاف زوجي”، بل أمام خلل أصاب أصل التعاقد.

الأمر لا يتعلق بقضية اجتماعية أو أخلاقية فقط، بل بمبدأ قانوني عام يحكم كل العقود دون استثناء:

لا حماية قانونية لتصرف تأسس على التدليس.

بل إن القضاء المصري استقر في العديد من أحكامه على أن التدليس يتحقق بكل وسيلة تؤدي إلى خلق تصور غير حقيقي يدفع المتعاقد لإبرام العقد.

فالغاية ليست فقط حماية الشكل القانوني للعقد، وإنما حماية الإرادة الحرة ذاتها.

والأخطر أن التفريق بين “الطلاق” و”الفسخ” هنا ليس تفصيلًا فنيًا، بل فرق جوهري:

الطلاق يعني أن العقد كان صحيحًا ثم انتهى.

أما الفسخ أو الإبطال فيعني أن العقد شابه عيب منذ لحظة تكوينه.

ولهذا فإن تجاهل أثر الغش على صحة عقد الزواج يخلق تناقضًا قانونيًا واضحًا؛ لأن القانون الذي يبطل عقود البيع والإيجار والشراكة بسبب التدليس، لا يمكن منطقيًا أن يتساهل في أخطر عقد إنساني واجتماعي يتعلق بتكوين الأسرة.

فالزواج ليس علاقة عابرة، بل عقد يقوم على الثقة والوضوح وحسن النية.

وإذا سقطت الحقيقة، سقطت معه الحماية القانونية الكاملة للعقد.

هل يحمي مشروع الأحوال الشخصية الإرادة أم يُبقيها تحت الظل ؟