الأحد 14 يونيو 2026 08:42 مـ 28 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

لا تبحث عن قيمتك في أعين الآخرين

مايعتقده الناس عنك ظن

وما تعتقده عن نفسك حقيقة

بمعنى ما يقوله الناس عنك… غالبًا يخبرك عنهم وعن ظنونهم أكثر مما يخبرك عنك وعن نفسك

فليس كل كلام يُقال عنك يصفك أنت، بل كثير منه يصف العالم الداخلي لقائله

اقرأ أيضاً

فالإنسان لا يرى الأشياء كما هي، بل كما هو من منظور الخاص ومن خلال عدسات تجاربه، وجراحه، ومخاوفه، وقناعاته، وصورته عن نفسه. لذلك قد ينظر شخصان إلى الإنسان نفسه،

فيراه أحدهما نعمة ويراه الآخر نقمة

يراه أحدهما مصدر إلهام ويراه الآخر مصدر تهديد له فهل تغير الشخص؟ أم أن الذي تغير هو المرآة التي ينظرون اليه من خلالها؟

في علم النفس يسمى هذا أحيانًا “الإسقاط النفسي”؛ وهو أن ينسب الإنسان للآخرين ما لا يريد أن يراه في نفسه أو ما يختزنه داخله من مشاعر وأفكار ومعتقدات

فالشخص الممتلئ بالشك قد يشك في الجميع.

والذي يعيش صراعًا مع الكذب قد يتهم الآخرين بالكذب بسهولة

والذي يشعر بالنقص قد يرى نجاح غيره استعراضًا وتكبرًا.

أما الشخص المتصالح مع نفسه فيرى الخير بسهولة لأنه يحمل الخير داخله

ولهذا قال الله تعالى:

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾

فالظن السيئ لا ينشأ من حقيقة الآخر بقدر ما ينشأ من اضطراب داخل النفس التي تظن.

وقال سبحانه:

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾

أي أن الإنسان يحمل في داخله معرفة بحقيقته، ولذلك كثيرًا ما تخرج أحكامه على الآخرين ممزوجة بما يختلج في نفسه.

انظر إلى قصص الأنبياء عليهم السلام.

فهل كان العيب في الأنبياء حين وصفهم أقوامهم بالسحر والكذب والجنون؟

لقد قيل عن نبي الله نوح إنه ضال، وقيل عن موسى إنه ساحر، وقيل عن محمد ﷺ إنه شاعر وكاهن ومجنون.

لكن هل غيرت هذه الأوصاف حقيقتهم؟

أبدًا إنما كشفت عن حالة من الخوف والمقاومة والإنكار داخل من أطلقوها.

فالاتهام لم يكن وصفًا للرسل، بل انعكاسًا لعجز الناس عن تقبل الحق لذلك قيل المؤمن مرآة المؤمن.”

فالناس مرايا لبعضهم؛ لكن بعض المرايا صافية فتعكس الحقيقة، وبعضها مشوش فتشوه الصورة.

لذلك عندما يهاجمك شخص أو ينتقدك أو يقلل منك، لا تتعجل في تصديق كل ما يقول عنك

اسأل نفسك اولا

هل هذا الكلام حقيقة أم مجرد انعكاس لألمه؟

هل يتحدث عني أم عن جرح يحمله داخله؟

هل يصف سلوكي فعلًا أم يصف مخاوفه التي أسقطها عليّ؟

كم من إنسان ناجح وُصف بالغرور لأنه ذكّر الآخرين بما لم يحققوه.

وكم من إنسان وضع حدودًا صحية فاتهموه بالقسوة لأنهم اعتادوا استنزافه.

وكم من إنسان اختار نفسه بعد سنوات من الإهمال فاتهموه بالأنانية لأنهم كانوا مستفيدين من تضحيته.

إن ردود أفعال الناس تجاهك كثيرًا ما تكشف علاقتهم بأنفسهم.

فمن يحب نفسه حبًا صحيًا لا يحقد على نجاحك.

ومن يشعر بقيمته لا ينزعج من قيمتك.

ومن يعيش سلامًا داخليًا لا يحتاج إلى تحطيم الآخرين ليشعر بالارتفاع والقيمة

ولكن هذه الحقيقة لا تعني أن كل نقد باطل.

فالحكمة تقتضي أن نفرق بين النقد البنّاء والإسقاط النفسي.

فقد يرسل الله إليك من ينبهك إلى عيب حقيقي تحتاج إلى إصلاحه.

لذلك لا ترفض كل كلام الناس، ولا تصدق كل كلام الناس بل اعرضه على ميزان الحق.

خذ منه ما يساعدك على النمو، واترك ما هو مجرد انعكاس لاضطرابات الآخرين.

قال الإمام الشافعي رحمه الله:

“عين الرضا عن كل عيب كليلة، ولكن عين السخط تبدي المساويا.”

فالإنسان عندما يمتلئ بالرضا يرى الحسنات، وعندما يمتلئ بالغضب يرى العيوب فقط.

فلا تجعل صورتك عند الناس أهم من حقيقتك عند الله

فلو اجتمع الناس جميعًا على مدحك فلن يرفعوك إن لم يرفعك الله

ولو اجتمعوا جميعًا على ذمك فلن يضروك إن كنت مستقيمًا مع الله

عش منشغلًا بإصلاح نفسك لا بإدارة انطباعات الآخرين عنك

فما يقوله الناس عنك قد يكون انعكاسًا لما يشعرون به تجاه أنفسهم، أما حقيقتك فلا يعلمها كاملة إلا الله.

﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾

فاطمئن… واجعل ميزانك هو الحق، لا أصوات الناس، فإن الناس يتكلمون من مستوى وعيهم، أما الله فيراك على حقيقتك

فإياك أن تُقدِّم ظنهم فيك على يقينك بنفسك.

لا تبحث عن قيمتك في اعين الآخرين