عبدالعزيز محسن يكتب :الشرق الأوسط بين تعب القوة وهدنة الرماد
عبدالعزيز محسن
لم يعد السؤال في الشرق الأوسط: من يربح الحرب؟
بل: من يستطيع تحمّل كلفتها حتى النهاية؟
ولهذا يبدو الاتفاق الجاري بين الولايات المتحدة وإيران أقرب إلى هدنة فرضها الإرهاق الاستراتيجي، لا إلى تسوية صنعتها القناعة السياسية.
فخلف البيانات الدبلوماسية الهادئة، والتحركات المتسارعة لفتح قنوات التفاوض، تكمن حقيقة أكثر عمقًا:
اقرأ أيضاً
محافظ الإسكندرية يقود حملة موسعة بمنطقة الفلكي
بعد أن فاض الكيل بالوزارة.. لجنة الإسماعيلي في ”مرمى النيران” ومهلة أخيرة لإنقاذ الدراويش بعد العيد
الشهابي يتابع ميدانيا أعمال رصف طريق 21 ويتفقد السوق الحضاري بمدينة الصف تمهيدا لبدء تشغيله
إطلاق منصة «أورورا فنتشرز» لدعم رائدات في قطاع التكنولوجيا الأكثر طموحًا في الأسواق الناشئة ومن ضمنها مصر
مبادرة ” جلاب الخير” تحقق نجاحا للعام الخامس على التوالي في محاربة جشع التجار وتبيع اللحوم البلدي بأسعار مخفضة بـ 30%
INFINIX تطلق سلسلة NOTE 60 الجديدة في السوق المصري لتقديم تجربة أداء وترفيه متكاملة
إي آند مصر تقدم عرض تجوال الحج وتكثف تواجدها داخل مطار القاهرة لدعم الحجاج وتعزيز تجربة الاتصال طوال الرحلة
بمعايير عالمية ومصداقية استثنائية.. ”Majestic Home” يتصدر المشهد العقاري في حدائق أكتوبر
المصرية للاتصالات WE وهواوي توقعان اتفاقية الإطلاق التجاري لخدمة (FTTR) لأول مرة في مصر
غلاب الحطاب: جرامات الذهب في القائمة أول مسمار في نعش البيوت.. والتحايل على المهر يفسد الخلع شرعًا
غلاب الحطاب: الأسرة هي نواة المجتمع.. واختيار الزوجين يجب أن يقوم على التناسب لا المنفعة
إستعدادات مكثفة وتأمين كامل للخدمة.. لمتابعة جاهزية المحطات وإستقبال عيد الأضحى
النظام الدولي نفسه بدأ يفقد القدرة على تحمّل الصدمات الكبرى الممتدة.
منطق القوة يصطدم بمنطق الجغرافيا
حين بدأت واشنطن تصعيدها العسكري ضد إيران، بدا المشهد مألوفًا في الحسابات الأمريكية: تفوق عسكري ساحق، حصار اقتصادي، وضغط سياسي متدرج لإجبار الخصم على التراجع.
لكن ما حدث لاحقًا كشف حدود هذه المعادلة.
إيران لم تخض المواجهة وفق قواعد الحرب التقليدية، بل تعاملت مع الصراع باعتباره معركة استنزاف طويلة، تُستخدم فيها الجغرافيا والطاقة والاقتصاد كساحات قتال موازية.
وهنا برز مضيق هرمز بوصفه أكثر من مجرد ممر بحري.
فهذا الشريان الضيق الذي يعبر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية تحوّل خلال أسابيع إلى مركز ارتجاج للاقتصاد الدولي بأكمله.
أسعار الطاقة ارتفعت،
تكاليف التأمين البحري قفزت،
وشركات الشحن بدأت إعادة تقييم مساراتها في الخليج. (reuters.com)
في تلك اللحظة، اكتشفت واشنطن أن التفوق العسكري لا يكفي دائمًا لصناعة الاستقرار، وأن الاقتصاد العالمي أصبح هشًا إلى درجة تجعل أي اضطراب طويل في الخليج تهديدًا يتجاوز حدود المنطقة نفسها.
الاتفاق… إدارة للخطر لا إنهاء للأزمة
وفق التسريبات المتداولة، يتضمن الاتفاق المطروح:
وقف إطلاق نار لمدة 60 يومًا،
إعادة فتح مضيق هرمز،
تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات،
والسماح بعودة جزئية للنفط الإيراني إلى الأسواق العالمية. (axios.com)
لكن خلف هذه البنود، يبقى الملف الأكثر حساسية دون حسم: البرنامج النووي الإيراني.
ففي الوقت الذي تحدثت فيه تقارير أمريكية عن تفاهمات أولية تتعلق بمخزون اليورانيوم عالي التخصيب، نقلت Reuters عن مسؤولين إيرانيين نفيًا واضحًا لوجود اتفاق نهائي بشأن تسليم المخزون أو نقله خارج البلاد. (reuters.com)
وهذا يعني أن الاتفاق الحالي لا يعالج جذور الأزمة بقدر ما يؤجل انفجارها.
إنه اتفاق يهدف إلى منع الانهيار الفوري، لا إلى إنتاج سلام مستدام.
إيران… فلسفة “منع الهزيمة”
القراءة التقليدية للصراعات تبحث دائمًا عن منتصر ومهزوم، لكن المشهد الإيراني أكثر تعقيدًا.
طهران لم تحقق انتصارًا عسكريًا مباشرًا، لكنها نجحت في أمر بالغ الأهمية: منع الولايات المتحدة من فرض معادلة الحسم الكامل.
إيران تدرك اختلال ميزان القوة العسكري، ولذلك اعتمدت على استراتيجية مختلفة: رفع تكلفة المواجهة إلى الحد الذي يجعل خصومها يفضّلون التفاوض على الاستمرار.
ولهذا استخدمت:
التهديد البحري،
النفوذ الإقليمي،
الحرب غير المتماثلة،
والضغط الاقتصادي غير المباشر، كأدوات لإدارة الاستنزاف طويل المدى.
وهذا ما دفع واشنطن تدريجيًا من خطاب “إنهاء الخطر الإيراني” إلى خطاب “احتواء الخطر الإيراني”.
والفرق بين المفهومين يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في التفكير الأمريكي.
إسرائيل… أزمة الثقة الصامتة
في Tel Aviv، يُنظر إلى الاتفاق باعتباره تسوية غير مكتملة.
لأن إسرائيل ترى أن أي اتفاق لا ينتهي بتفكيك كامل للبنية النووية الإيرانية قد يمنح طهران فرصة لإعادة التموضع واستعادة قدراتها الاقتصادية والسياسية.
ولهذا تتزايد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية المخاوف من أن تتحول الاستراتيجية الأمريكية من “القضاء على التهديد” إلى “إدارة التهديد”.
وهو تحول يحمل دلالات أبعد من الملف الإيراني نفسه، لأنه يعكس تغيّرًا أوسع في أولويات واشنطن العالمية.
الصين… القوة التي تصعد من خلف الضجيج
في الخلفية، تتحرك الصين بهدوء لافت.
بكين لم تدخل الحرب، لكنها خرجت من الأزمة أكثر نفوذًا.
فالصين تدرك أن استقرار الخليج جزء مباشر من أمنها الاقتصادي، ولذلك دعمت أي مسار يمنع انهيار تدفقات الطاقة.
لكن الأهم أن الأزمة منحتها فرصة استراتيجية ثمينة: مراقبة تآكل صورة الولايات المتحدة باعتبارها القوة الوحيدة القادرة على فرض الاستقرار العالمي.
وهنا تظهر إحدى أهم نتائج الأزمة: الشرق الأوسط لم يعد ساحة نفوذ أمريكي خالص، بل مساحة تتقاطع فيها مشاريع القوى الكبرى في عالم يتجه تدريجيًا نحو التعددية القطبية.
العالم يدخل مرحلة “توازن الإرهاق”
الحقيقة التي تكشفها الأزمة أن الجميع خرج منها أقل يقينًا:
أمريكا أدركت أن الهيمنة المطلقة أصبحت أكثر كلفة،
إيران أدركت أن الصمود لا يكفي لصناعة النفوذ المستقر،
إسرائيل اكتشفت أن الحسم الكامل قد لا يكون ممكنًا،
والصين فهمت أن الصعود الهادئ قد يكون أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
ولهذا فإن الاتفاق الحالي ليس نهاية للصراع، بل بداية لمرحلة جديدة: مرحلة تُدار فيها الحروب عبر الاقتصاد والطاقة والممرات البحرية والعمليات الرمادية، أكثر مما تُدار عبر الجيوش التقليدية.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية،
لا يكون أخطر ما في الحروب عدد القنابل التي تسقط…
بل عدد الحقائق التي تنهار معها.
الكاتب : عبدالعزيز محسن


