الإثنين 18 مايو 2026 06:50 مـ 1 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

الهجوم الذي غيّر المعادلة… لماذا أقلقت “براكة” العالم؟

لسنوات طويلة، عاش الخليج على فرضية بدت شبه مقدسة في السياسة الدولية:

الثروة تحمي نفسها.

النفط، الاستثمارات، القواعد الأمريكية، الشراكات الغربية، والتشابك العميق مع الاقتصاد العالمي… كلها صنعت قناعة بأن الخليج أكبر من أن يتحول إلى ساحة فوضى شاملة.

لكن الهجوم على محيط محطة براكة للطاقة النووية كشف شيئًا أخطر بكثير من مجرد ثغرة أمنية؛

اقرأ أيضاً

كشف أن المنطقة دخلت عصرًا لم تعد فيه القوة تُقاس بحجم الجيوش، بل بقدرة الخصم على زرع الخوف داخل أكثر المنشآت حساسية.

والأخطر أن الرسالة لم تكن موجهة إلى الإمارات وحدها، بل إلى العالم كله.

الخليج لم يعدالمنطقة المحرّمة

في العقود الماضية، كانت هناك قواعد غير معلنة تحكم الصراع في الشرق الأوسط: يمكن استهداف الميليشيات…

يمكن قصف الحدود…

يمكن حتى ضرب منشآت نفطية جزئيًا…

لكن الاقتراب من منشأة نووية مدنية كان يُنظر إليه باعتباره خطًا أحمر دوليًا.

اليوم يبدو أن هذا الخط بدأ يتآكل.

وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس لأن المفاعل تعرّض لضرر كارثي، بل لأن مجرد الوصول إلى محيطه يعني أن فكرة “الحصانة الخليجية” نفسها أصبحت موضع شك.

أخطر ما حدثأن الردع فشل نفسيًا

الدول لا تخاف فقط من الخسائر المادية، بل من انهيار صورة القوة.

فعندما تستطيع طائرة مسيّرة منخفضة التكلفة أن تقترب من منشأة تُقدّر استثماراتها بأكثر من 32 مليار دولار، وتحميها أكثر الأنظمة الدفاعية تطورًا في المنطقة، فإن السؤال الذي سيطرحه المستثمر قبل العسكري هو:

> إذا كانت المنشآت النووية ليست آمنة بالكامل… فما الذي يمكن اعتباره آمنًا أصلًا؟

هذه ليست ضربة عسكرية فقط، بل ضربة لهيبة الردع.

لأن الردع الحقيقي لا يعني إسقاط كل الطائرات، بل منع الخصم أصلًا من التفكير في الاقتراب.

إيران لا تريد الحرببل تريد شيئًا أخطر

الخطأ الأكبر في قراءة المشهد هو الاعتقاد أن إيران تبحث عن مواجهة شاملة.

طهران تعرف أن الحرب الكبرى قد تكون انتحارًا استراتيجيًا.

لكنها تدرك أيضًا أن بوسعها تحقيق مكاسب هائلة دون إطلاق حرب كاملة.

كيف؟

عبر تحويل الخليج إلى مساحة قلق دائم.

إيران لا تحتاج إلى تدمير المفاعل النووي.

يكفيها أن تجعل العالم يتخيل احتمال تدميره.

هذه هي فلسفة “الحافة النفسية”: أن تربح بالخوف أكثر مما تربح بالنار.

العالم لا يخشى الصواريخ… بل فقدان السيطرة

الاقتصاد العالمي يستطيع تحمّل حرب محدودة.

لكن ما لا يستطيع تحمّله هو الفوضى.

وأي تهديد لمنشأة نووية في الخليج يعني تلقائيًا:

اضطراب أسواق الطاقة،

ارتفاع أسعار النفط،

قفزات هائلة في التأمين والشحن،

ذعرًا استثماريًا،

واحتمال انهيار الثقة في أكثر منطقة تنتج الطاقة في العالم.

لهذا كانت ردود الفعل الدولية سريعة وقلقة، لأن العالم يعرف أن الكوارث النووية لا تبقى داخل حدود الدولة المستهدفة.

الحقيقة الصادمة: التكنولوجيا جعلت الدول الغنية أكثر هشاشة

كلما أصبحت الدولة أكثر تطورًا، أصبحت أكثر عرضة للشلل.

المفارقة أن ناطحات السحاب، المدن الذكية، الموانئ العملاقة، المفاعلات النووية، والبنية الرقمية المتقدمة… ليست فقط مصادر قوة، بل أيضًا أهداف مثالية في حروب العصر الحديث.

وهنا يظهر التحول الأخطر في طبيعة القوة العالمية: لم يعد السؤال: “من يملك السلاح الأقوى؟”

بل: “من يستطيع إرباك خصمه بأقل تكلفة ممكنة؟”

وفي هذا النوع من الحروب، قد تنتصر المسيّرة الرخيصة على المنظومات التي تكلّف مليارات.

الشرق الأوسط يقترب من لحظة تاريخية خطيرة

ما جرى قرب “براكة” ليس حادثًا معزولًا، بل مؤشر على أن المنطقة تتحرك تدريجيًا نحو مرحلة تصبح فيها:

المنشآت النووية جزءًا من لعبة الردع،

والطاقة سلاحًا سياسيًا،

والاستقرار الاقتصادي رهينة للتصعيد العسكري.

وهذه أخطر مرحلة يمكن أن يصل إليها أي إقليم في العالم.

لأن الحروب التقليدية يمكن احتواؤها…

أما حين يصبح الخوف النووي جزءًا من المشهد اليومي، فإن الجميع يكون قد خسر بالفعل، حتى قبل إطلاق الرصاصة الكبرى.

عبدالعزيز محسن الهجوم الذي غيّر المعادلة … لماذا أقلقت براكة العالم ؟