الثلاثاء 9 يونيو 2026 04:10 صـ 23 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

لماذا نتألم ؟

ولماذا ننكر الألم ونهرب منه ؟ ونحن نعلم أننا في دار اختبار جئنا لهذه الحياة لتختبر فيها

هل سالت نفسك يوما مايفعل الله بعذابنا ؟ وهو الرحمن الرحيم

ما الألم إلا رسالة ظاهره فيه العذاب وباطنه فيه الرحمة

كم مرة رفضت حدثا او موقفا وتبين لك بعد ذلك انه حماك من خطر اكبر

اقرأ أيضاً

نحن غالبًا لا نستيقظ من الأوهام التي عيشنا فيها عندما تكون الحياة مريحة

ولا نراجع معتقداتنا وأفكارنا الخاطئة عندما تسير الأمور كما نريد ولا نقف لفهم ومحاسبة أنفسنا ونحن غارقون في الانشغال والإنجازات والملذات. لكن عندما يأتي الألم، يتوقف كل شيء، ويجبرنا على النظر إلى الداخل.

ولهذا كان الألم النفسي في كثير من الأحيان أشبه بجرس إنذار يوقظ الإنسان من غفلته.

قد تظن أن سبب ألمك هو الشخص الذي تركك، أو الموقف الصعب الذي تعرضت له، أو الخسارة التي مرت بك لكن الحقيقة الأعمق أن هذه الأحداث كثيرًا ما تكشف فراغًا كان موجودًا أصلًا بداخلك ولم تنتبه له وجاءت الأزمة لتظهره إلى السطح.

فالإنسان الذي امتلأ قلبه بالله لا ينهار عند الفقد كما ينهار من جعل كل معنى حياته ومحورها متعلقًا بشخص أو منصب أو مال أو صورة ذهنية عن نفسه.

قال الله تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

فالابتلاء ليس عقوبة بالضرورة، بل قد يكون كشفًا واختبارًا وإيقاظًا من اوهام نسجتها عن نفسك والآخرين

فعندما فقد يعقوب عليه السلام يوسف، لم يكن الألم دليل ضعف إيمان، لكنه كان رحلة عميقة من الصبر والتعلق بالله فقط

فالألم ليس المشكلة، وإنما المشكلة أن نهرب من فهم الرسالة التي يحملها الألم لنا

في علم النفس يُنظر إلى المعاناة النفسية على أنها إشارة إلى احتياجات غير مشبعة، أو صراعات داخلية لم تتم مواجهتها، أو جروح قديمة لم تُشفَ بعد او معتقدات مشوهه موروثة

فالقلق قد يكون رسالة بأنك تحاول السيطرة على ما لا تستطيع السيطرة عليه.

والغيرة قد تكشف شعورًا خفيًا بالنقص.

والغضب المتكرر قد يخفي ألمًا أو خوفًا أو شعورًا بعدم التقدير.

والتعلق المرضي قد يكشف فراغًا داخليًا تحاول ملأه بالآخرين

ولهذا فإن السؤال الصحيح ليس: كيف أتخلص من الألم؟”

بل: ماذا يحاول الألم أن يعلمني؟”

فكثير من الناس يقضون سنوات طويلة يهربون من مواجهة هذا السؤال.

يهربون بالانشغال يهربون بالعلاقات يهربون بالعمل.

يهربون بالترفيه يهربون بالإنكار يهربون بالادمان إلى آخره

لكن الجرح مازال موجودا يحتاج ان يكشف ويرى ليشفى

قال سيدنا محمد ﷺ: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب.”

فالقضية الحقيقية ليست ما يحدث حولك، بل ما يحدث داخلك.

الألم يأتي أحيانًا ليكشف لك أنك بنيت قيمتك على إعجاب الناس.

ويأتي أحيانًا ليكشف أنك نسيت نفسك وأنت تحاول إرضاء الجميع.

ويأتي أحيانًا ليكشف أنك تعيش حياة لا تشبه حقيقتك.

ويأتي أحيانًا ليكشف أنك تبحث عن الأمان في الخلق بدل الخالق

إنه لحظة مواجهة بين الإنسان وبين نفسه.

لحظة يسقط فيها كل الأقنعة المزيفة التى بناها داخله

وتنكشف فيها الجروح القديمة والمخاوف الخفية والمعتقدات التي كانت تدير حياتك دون وعي.

ومن هنا تبدأ الصحوة.

الصحوة ليست أن يختفي الألم فجأة بل أن تدرك أن ما كنت تبحث عنه في الخارج كان يحتاج أن يُبنى أولًا في الداخل

أن تدرك أن السلام ليس حدثًا خارجيًا بل حالة قلبية

وأن السكينة لا تأتي من امتلاك كل شيء، بل من معرفة من أنت، ولماذا خُلقت، وإلى أين تتجه وما هدف رحلتك في الحياة

فحين يتحول الألم من عدو نهرب منه إلى معلم نتعلم منه، تبدأ رحلة الشفاء الحقيقية.وتسيقظ روحيا

وربما تكتشف يومًا أن أكثر لحظات حياتك وجعًا لم تكن نهاية الطريق، بل كانت بداية العودة إلى نفسك، وبداية العودة إلى الله، وبداية حياة أكثر وعيًا ونضجًا وصدقًا.

فلا تسأل دائمًا: لماذا أتألم؟

بل اسأل: ما الرسالة من وراء الالم ؟

وماذا يحاول الألم أن يعلمني من وجوده ؟

الصحوة الروحية تبدأ بالنور، لكنها غالبًا تبدأ بالألم

لم يخلقنا الله ليعذبنا خلقنا لأنه يحبنا وسخر لنا كل ما في الحياة لأجلنا لكي تقوم بمهام الخلافة ونستخلف في الأرض ونعمرها .

الرسالة الخفية وراء الالم