الإثنين 1 يونيو 2026 10:22 صـ 15 ذو الحجة 1447هـ

رئيس التحرير محمد يوسف

رئيس التحرير محمد يوسف

آراء وكتاب

عبدالعزيز محسن يكتب: قانون الأسرة المصري.. أزمة منهج لا أزمة مواد

مقدمة: عندما يصبح الاجتهاد التاريخي قانونًا معاصرًا

تخيل أنك تدخل محكمة الأسرة غدًا، حيث ستُحسم قضايا تتعلق بمصير أطفالك أو نفقتك أو استمرار زواجك.

في تلك اللحظة لن يُطبق عليك نص ديني مجرد فحسب، بل منظومة قانونية تشكلت عبر أكثر من قرن من التشريعات والاجتهادات القضائية والتفسيرات الفقهية المتراكمة.

المشكلة ليست أن القانون يستلهم الشريعة الإسلامية؛ فالدستور المصري يجعل مبادئ الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع. المشكلة الأكثر تعقيدًا هي الكيفية التي تُترجم بها هذه المبادئ إلى قواعد قانونية ملزمة، ومدى قدرة تلك القواعد على مواكبة مجتمع تغير اقتصاديًا واجتماعيًا بصورة جذرية عما كان عليه قبل مائة عام.

اقرأ أيضاً

الجدل الدائر حول مشروع قانون الأسرة الجديد لا يتعلق فقط بمواد الحضانة أو النفقة أو الرؤية. بل يتعلق بسؤال أعمق:

هل نملك اليوم فلسفة تشريعية متماسكة تحكم قانون الأسرة المصري، أم أننا ما زلنا ندير الملف عبر تعديلات متعاقبة استجابت لأزمات متفرقة دون إعادة بناء شاملة للمنظومة؟

الإشكالية الأولى: بين مبادئ الشريعة والاجتهادات الفقهية

تنص المادة الثانية من الدستور على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. لكن الانتقال من "المبدأ" إلى "النص القانوني" يمر عبر اجتهادات فقهية متعددة ومتنوعة.

تاريخيًا تأثرت قوانين الأحوال الشخصية المصرية بالمدرسة الحنفية بحكم الإرث التشريعي العثماني، إلا أن المشرع المصري استعار كذلك أحكامًا من المذهب المالكي وغيره في عدد من المسائل، خاصة ما يتعلق بالتطليق للضرر وبعض أحكام الحضانة.

ومن ثم فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يطبق القانون المذهب الحنفي؟

بل: ما هي المعايير التي يعتمدها المشرع عند الاختيار بين الآراء الفقهية المختلفة؟

وهل تكون الأولوية للاعتبارات الاجتماعية المعاصرة أم للاستقرار الفقهي التقليدي أم لمقاصد الشريعة العامة؟

الإشكالية الثانية: من يختار الرأي القانوني؟

في كثير من مسائل الأسرة توجد آراء فقهية متعددة معتبرة داخل التراث الإسلامي نفسه.

وعندما يتبنى القانون رأيًا دون غيره فإنه لا يختار بين حق وباطل، بل بين اجتهادات متعددة تختلف في فهمها للنصوص وتقديرها للمصلحة.

لذلك فإن النقاش التشريعي المعاصر لا ينبغي أن يدور حول قداسة الرأي المختار، بل حول مبررات اختياره ومدى ملاءمته للواقع الحالي.

فالقانون الحديث لا يكتفي ببيان الحكم، بل يحتاج أيضًا إلى بيان فلسفة الاختيار التشريعي.

الإشكالية الثالثة: التنوع المذهبي وحدود القانون الموحد

رغم أن الغالبية الساحقة من المصريين تنتمي إلى الإطار السني، فإن التراث الإسلامي ذاته يعرف مدارس فقهية متعددة تختلف في بعض أحكام الأسرة.

القانون المصري يتبنى إطارًا قانونيًا موحدًا للمسلمين تحقيقًا لوحدة النظام القضائي واستقرار المعاملات، لكن ذلك يثير تساؤلًا فكريًا مشروعًا: إلى أي مدى يستطيع القانون الموحد استيعاب التنوع الفقهي الموجود داخل التراث الإسلامي نفسه دون الإخلال بوحدة الدولة القانونية؟

إنها ليست معضلة مصرية فقط، بل إشكالية واجهتها معظم الدول ذات المرجعية الدينية التي انتقلت إلى نموذج الدولة الحديثة.

الإشكالية الرابعة: دور الأزهر بين المرجعية والتشريع

بحسب الدستور، يمثل الأزهر المرجع الأساسي في العلوم والشؤون الإسلامية، لكنه ليس سلطة تشريعية ولا يملك حق الاعتراض الملزم على القوانين الصادرة عن البرلمان.

مع ذلك، فإن الطبيعة الخاصة لقوانين الأسرة تجعل أي تعديل جوهري فيها مرتبطًا عمليًا بالحوار مع الأزهر، ليس باعتباره صاحب قرار نهائي، وإنما باعتباره مؤسسة تمتلك ثقلًا علميًا ومجتمعيًا مؤثرًا في تقبل التشريعات واستقرارها.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن بناء آلية مؤسسية واضحة للتشاور بين السلطة التشريعية والمرجعيات الدينية دون المساس باختصاص أي منهما؟

الإشكالية الخامسة: قانون غير المسلمين وتحدي التعدد الكنسي

تواجه الدولة تحديًا مشابهًا عند إعداد تشريعات الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

فالمسيحيون في مصر ليسوا كتلة قانونية واحدة، بل ينتمون إلى كنائس متعددة تختلف في بعض قواعد الزواج والطلاق.

ومن ثم فإن أي قانون موحد يواجه معضلة الموازنة بين وحدة التشريع واحترام الخصوصيات العقائدية والتنظيمية للطوائف المختلفة.

الإشكالية السادسة: العمل غير المرئي داخل الأسرة

من أكثر الملفات تعقيدًا في النقاشات المعاصرة مسألة الاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الأسري غير المأجور.

ففي الواقع الاجتماعي الحديث قد يساهم أحد الزوجين بصورة مباشرة أو غير مباشرة في بناء الثروة الأسرية دون أن ينعكس ذلك في الملكية القانونية للأصول.

وهنا يثور التساؤل حول كيفية تحقيق العدالة بين الطرفين عند انتهاء العلاقة الزوجية.

المشكلة ليست في الاعتراف بهذه المساهمة أو إنكارها، بل في وضع معايير قانونية دقيقة وقابلة للتطبيق تمنع التضارب في الأحكام وتحقق قدرًا أكبر من اليقين القانوني.

الإشكالية السابعة: الطلاق بين النظرية والتطبيق

تُظهر المنازعات الأسرية المعاصرة أن إنهاء العلاقة الزوجية لم يعد يقتصر على صورة واحدة أو طريق واحد.

فالقضاء أصبح طرفًا أساسيًا في نسبة كبيرة من النزاعات الأسرية سواء عبر دعاوى التطليق أو الخلع أو التسويات القضائية المختلفة.

ومن ثم فإن السؤال المطروح اليوم ليس فقط: من يملك حق إنهاء الزواج؟

بل: كيف يمكن بناء نظام يحقق التوازن بين حقوق الطرفين ويقلل من كلفة النزاع على الأطفال والأسرة والمجتمع؟

الإشكالية الكبرى: غياب النظرية العامة للأسرة

ربما تكمن المشكلة الأعمق في أن قانون الأسرة المصري لم يُبنَ بوصفه مشروعًا تشريعيًا واحدًا متكاملًا، بل تشكل عبر سلسلة طويلة من التعديلات المتعاقبة منذ عشرينيات القرن الماضي.

ولهذا تبدو بعض الأحكام وكأنها تنتمي إلى فلسفات مختلفة جُمعت داخل إطار قانوني واحد. والنتيجة هي استمرار الجدل حول النفقة والحضانة والرؤية والولاية والطلاق دون وجود رؤية تشريعية موحدة تربط هذه الملفات جميعًا.

الخاتمة: أزمة منهج أكثر من كونها أزمة مواد

قد يختلف المصريون حول تفاصيل كثيرة داخل قانون الأسرة، لكن السؤال الذي يستحق النقاش الحقيقي هو: ما الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه قانون الأسرة في دولة حديثة ذات مرجعية دستورية دينية؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي ستحدد شكل القانون لعقود قادمة.

أما الاكتفاء بتعديل مادة هنا أو استبدال فقرة هناك، فقد يخفف بعض الأزمات الآنية، لكنه لن يعالج المعضلة الأساسية المتعلقة بفلسفة التشريع ذاتها.

عبدالعزيز محسن يكتب قانون الأسرة المصري.. أزمة منهج لا أزمة مواد