«نفقة العِشرة».. الوجه العاطفي للتشريع
عبدالعزيز محسن
ليست وظيفة القانون أن يُكافئ المشاعر، ولا أن يُعاقب على انتهاءها.
فالدولة حين تدخل إلى المنطقة الرمادية بين العاطفة والحق، وتبدأ في تشريع الأحاسيس بدل تنظيم الوقائع، فإنها تفتح الباب لتحويل العدالة إلى انفعال جماعي مقنن.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن قراءة مقترح نائبة برلمانية بشأن ما سُمّي «نفقة عِشرة السنين».
فالمقترح، رغم ما يحمله من لغة إنسانية جذابة، يكشف عن خلل فلسفي وقانوني أعمق بكثير من مجرد إضافة بند جديد في قوانين الأحوال الشخصية.
اقرأ أيضاً
نجلاء العسيلي: «الدلتا الجديدة» ترجمة حقيقية لرؤية الرئيس السيسي في بناء مستقبل مصر الزراعي
كلية الصيدلة بجامعة المستقبل تطلق حملة «ترشيد الاستهلاك: مسؤولية وطنية» دعمًا للاستدامة ورؤية مصر 2030
ترامب في بكين.. هل بدأت أمريكا التفاوض على شكل العالم الجديد؟
«من جرجوب للإسكندرية».. النائب محمد جبريل يشيد بطفرة النقل ويطالب بـ«كوبري حياة» لأهالي بشاير الخير
أبطال «قادرون باختلاف» يرفعون اسم شبراخيت عاليًا ويحصدون المراكز الأولى في بطولة الجمهورية لألعاب القوى
تكريم قيادات «السرفيس والنقل الجماعي» بالجيزة في احتفالية عيد العمال
«رائد» تطلق أولى فعاليات الحوار المجتمعي لدعم أهداف مبادرة «تيراميد» في جنوب الصعيد
من البحيرة إلى المتوسط.. «تيراميد» تدعو لاستثمار الشمس والرياح في صناعة مستقبل أخضر
محمد يوسف ولطفي السقعان وأسرة جريدة «الميدان» ينعون والدة الناقد الرياضي عادل عبد الصبور
برعاية أفرولاند.. ختام مهرجان «المذيع» بجامعة الأقصر في دورته الـ 15
عبدالعزيز محسن يكتب : الأسرة في مهب الانحياز التشريعي
من حماية الأسرة إلى تفكيكها: ماذا يحدث في مشروع«قانون الأحوال الشخصية»؟
لأن السؤال هنا ليس: “هل توجد نساء يتعرضن للظلم بعد الطلاق؟” فهذا أمر لا خلاف عليه.
وإنما السؤال الحقيقي: “هل يجوز تحويل الزمن الإنساني ذاته إلى التزام مالي؟”
وهنا تبدأ الأزمة.
فالزواج، في أصله القانوني والأخلاقي، ليس عقد توظيف حتى يستحق أحد طرفيه “مكافأة نهاية خدمة”، وليس مشروعًا استثماريًا تُحتسب خسائره وأرباحه وفق عدد السنوات.
إنه علاقة إنسانية مركبة، يدخلها الطرفان بإرادتهما الحرة، ويتحملان داخلها معًا أعباء النجاح والفشل والتضحية والانهيار.
لكن المقترح، في جوهره، يعيد تعريف العلاقة بطريقة مختلفة تمامًا؛ إذ يفترض ضمنيًا أن طول مدة الزواج يولد “حقًا ماليًا إضافيًا” لمجرد انتهاء العلاقة، بصرف النظر عن طبيعة هذه العلاقة أو أسباب انتهائها أو المسؤولية المشتركة داخلها.
وهنا يصبح الزمن نفسه دينًا.
وهذا من أخطر التحولات الفكرية التي يمكن أن يتورط فيها التشريع؛ لأن القانون حين يبدأ في تسعير الزمن العاطفي، فإنه ينقل العلاقات الإنسانية من فضاء القيم إلى فضاء المحاسبة الباردة.
تصبح العِشرة رصيدًا.
والسنوات أقساطًا مؤجلة.
والطلاق فاتورة مستحقة السداد.
لكن هل هذه هي فلسفة العدالة فعلًا؟
إذا سلّمنا بهذا المنطق، فإننا نؤسس لفكرة شديدة الاضطراب: أن أحد طرفي العلاقة يظل مدينًا للآخر فقط لأن العلاقة استمرت طويلًا، لا لأنه ارتكب خطأ قانونيًا محددًا.
وهنا ينتقل التشريع من معاقبة الضرر إلى معاقبة الاختيار ذاته.
فالإنسان لا يُدان لأنه أنهى علاقة، وإلا تحولت الحرية الشخصية إلى امتياز نظري بلا مضمون حقيقي.
ثم إن هذا التصور يقوم على اختزال شديد السطحية للحياة الزوجية؛ إذ يُقدَّم الرجل دائمًا باعتباره الطرف الأقوى المستفيد، بينما تُصوَّر المرأة باعتبارها الطرف الذي “أضاع عمره” داخل العلاقة.
والحقيقة أن هذا الطرح، رغم ادعائه الدفاع عن المرأة، يحمل في داخله إهانة ضمنية لها؛ لأنه يعيد تعريف وجودها داخل الأسرة بوصفه تضحية خالصة بلا مقابل إنساني أو معنوي أو اختياري.
وكأن المرأة لم تعش حياة، بل أدت خدمة.
وهذا تصور مادي فادح القسوة، لأنه يحوّل الزواج من شراكة إنسانية إلى علاقة استحقاقات مالية متبادلة.
بل إن المفارقة الأعمق تبدو صارخة؛ فبعض الأصوات التي تخوض معارك طويلة باسم المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، وتعتبر أي تمييز بينهما انتقاصًا من الاستقلال والندية، تعود عند لحظة الطلاق لتتبنّى الخطاب التقليدي نفسه الذي طالما هاجمته.
فجأة تُقدَّم المرأة باعتبارها طرفًا يجب تعويضه عن سنوات الزواج، وكأن العِشرة تحولت إلى مدة خدمة تُحسب بالمقابل المالي.
فإذا كان الزواج ــ وفق هذا الطرح ــ شراكة كاملة في الإرادة والمسؤولية والاختيار، فمن الطبيعي أن تكون نتائجه أيضًا قائمة على مبدأ المسؤولية المتبادلة، لا على فكرة “تعويض العمر” أو “ثمن السنوات”.
لأن تحويل العلاقة الزوجية إلى حساب زمني يغيّر معناها بالكامل؛ ينقلها من رابطة إنسانية تقوم على المودة والتكافل، إلى معادلة أقرب لمنطق التعويضات والديون المؤجلة.
القضية هنا ليست اعتراضًا على الحقوق المالية التي كفلها القانون، وإنما اعتراض على الفلسفة التي تُعيد تقديم الزواج بوصفه علاقة يُستحق عنها مقابل مادي بمرور الزمن، في تناقض واضح مع خطاب المساواة الذي يبدأ به الجدل وينتهي إلى نقيضه.
أي تناقض فكري هذا؟
إن العدالة الحقيقية لا تُبنى على الانحياز العاطفي لطرف، وإنما على معيار مجرد ومنضبط.
وكان الأولى بالمشرّع أن يناقش جذور الأزمة: لماذا لا توجد حماية اجتماعية كافية؟
لماذا يُترك الأمان الاقتصادي معلقًا بعلاقة زوجية قد تنتهي في أي لحظة؟
لكن مواجهة هذه الأسئلة تحتاج مشروع دولة، لا مشروع “ترند”.
أما اختراع مسميات مثل «نفقة عِشرة السنين»، فهو في الحقيقة تعبير عن أزمة أعمق يعيشها الخطاب العام: الرغبة المستمرة في تحويل القوانين إلى أدوات تعويض نفسي، لا أدوات تنظيم عادل للعلاقات.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يختلف حول قانون، بل أن يفقد القدرة على التمييز بين العدالة والشفقة.
لأن الشفقة قد تُنتج تصفيقًا سريعًا، لكنها كثيرًا ما تُنتج أيضًا قوانين مرتبكة، تعاقب الإنسان لا لأنه ظلم… بل لأنه مارس حقه الطبيعي في الرحيل.


